براون لاند – عربيتقارير

الصراع في أوكرانيا: اقتصاد الاستنزاف المالي وحدود الاستدامة

كلفة الحرب تستنزف الاقتصاد

مع دخول الحرب في أوكرانيا عامها الثالث، تحوّل مسار الصراع من مواجهة عسكرية تقليدية إلى حرب استنزاف مالي واقتصادي شاملة. تتجاوز تداعيات هذه الحرب خطوط التماس المباشرة لتمتد وتؤثر بعمق على الاقتصادات الوطنية، والاستقرار الاجتماعي، والشرعية السياسية في كل من أوكرانيا وروسيا والدول الأوروبية الداعمة. وتشير المعطيات الرقمية بوضوح إلى أن جوهر هذا الصراع أصبح مرهوناً بالقدرة على تحمل الأعباء المالية المتصاعدة، أكثر من اعتماده على تحقيق اختراقات عسكرية حاسمة في الميدان.

أولاً: لغة الأرقام – الكلفة الزمنية الدقيقة للحرب

تُظهر التقديرات المالية حجم النزيف الاقتصادي الهائل الناتج عن استمرار العمليات العسكرية في أوكرانيا، حيث تبلغ كلفة الحرب نحو 228 ألف دولار في الدقيقة الواحدة. وعند تحويل هذا الرقم إلى أطر زمنية أوسع، تتضح صورة استنزاف غير مسبوقة:

‎228,000  دولار في الدقيقة

‎أكثر من 13,000,000 دولار في الساعة

‎ما يزيد عن 300,000,000 دولار في اليوم

تشمل هذه الكلفة المباشرة نفقات الذخائر، والعمليات القتالية، والدعم اللوجستي، والرواتب، والتعويضات، وأنظمة الدفاع. هذا يجعل الحرب عملية نزيف مالي مستمرة لا تعرف فترات تهدئة حقيقية، وتؤكد أن الكلفة هي الوحدة الزمنية الأكثر دقة في قياس هذا الصراع.

ثانياً: أوكرانيا وإنفاق الحرب – اقتصاد تحت التعبئة القسرية

تنفق أوكرانيا حالياً ما يقارب 30% من ناتجها المحلي الإجمالي  على المجهود الحربي. تُعد هذه النسبة من الأعلى عالمياً في سياق الحروب الحديثة، ويجري تشبيهها بمستويات الإنفاق التي شهدتها بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، عندما تجاوز الإنفاق العسكري أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي.

يضع هذا الواقع الاقتصاد الأوكراني في حالة تعبئة شبه كاملة، ويجعل استمرار الدولة مالياً مرهوناً بشكل حاسم بالتدفقات المالية الخارجية.

ثالثاً: الدعم الأوروبي – فجوة بين التمويل ومتطلبات الاستدامة

أقرّ الاتحاد الأوروبي قرضاً بقيمة 105 مليارات دولار دون فوائد لصالح أوكرانيا، وهو مصمَّم لتأمين دعم مالي يمتد لفترة سنتين.

إلا أن التقديرات الميدانية والمالية تشير إلى حقيقة مقلقة، وهي أن مبلغ 100 مليار دولار بالكاد يكفي لتمويل الحرب لمدة عام واحد فقط.

هذا يعني أن هذا القرض، على الرغم من ضخامته، لا يؤمّن استدامة طويلة الأمد للجهد الحربي الأوكراني، بل يكتفي بتأجيل لحظة العجز المالي، ويُبقي كييف في حالة اعتماد دائم على الدعم الغربي المستمر.

رابعاً: الاقتصاد الروسي – إعادة هندسة الدولة نحو الحرب

في المقابل، تُنفق روسيا نحو 16 مليار دولار شهرياً على المجهود الحربي. غير أن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة إدارة هذا الإنفاق، إذ قام الكرملين بإعادة هندسة شاملة للاقتصاد الروسي على أساس حالة الحرب الدائمة، عبر محاور رئيسية:

      •     تخصيص 44% من إيرادات الضرائب لتمويل الجيش والمجمع العسكري.

      •     تحويل المجمع العسكري–الصناعي إلى العمود الفقري والدافع الرئيسي للاقتصاد.

      •     إعادة توجيه قطاعات الإنتاج والتمويل والتوظيف لخدمة متطلبات الجبهة.

بهذا المعنى، تتعامل موسكو مع الحرب كإطار اقتصادي دائم ومستدام، وليس كحالة طارئة مؤقتة.

خامساً: الكلفة البشرية واللوجستية في أوكرانيا

يضم الجيش الأوكراني نحو مليون عنصر، وهو ما يفرض أعباء مالية هائلة تتجاوز الجانب القتالي المباشر.

تشمل كلفة الجندي الواحد:

     •     4 دولارات يومياً لتغطية نفقات الطعام.

     •     نحو 3000 دولار شهرياً لدعم عائلته.

     •     وفي حال مقتله، تحصل عائلته على تعويضات كبيرة تُقدّر بآلاف الدولارات.

إلى جانب ذلك، تواجه أوكرانيا أزمة خطيرة في الموارد البشرية، حيث تشير التقارير إلى أن 80% من المجندين الجدد لا يصلون إلى الجبهة. وقد تحولت ظاهرة فرار المجندين إلى عامل استنزاف مالي وبشري دون مردود عسكري حقيقي.

سادساً: مفارقة الدفاع والهجوم – الكلفة الاستراتيجية للدفاع

تكشف الحرب مفارقة استراتيجية حادة تتمثل في أن الدفاع الأوكراني بات أكثر كلفة من الهجوم الروسي.

      •     يُستخدم صاروخ دفاع جوي تبلغ كلفته نحو 4 ملايين دولار لإسقاط مسيّرات روسية منخفضة الثمن.

      •     تصل كلفة بطارية دفاع جوي كاملة بأنظمتها إلى أكثر من ملياري دولار.

هذه المعادلة تجعل كل اعتراض ناجح عبئاً مالياً إضافياً، وتحوّل الدفاع إلى أداة استنزاف اقتصادي طويل الأمد، مما يرجح كفة المهاجم من حيث الكلفة.

سابعاً: شرق أوكرانيا – مختبر لحرب المستقبل

تحوّلت جبهات شرق أوكرانيا إلى مختبر فعلي لنمط جديد من الحروب يعتمد على:

      •     تكنولوجيا رخيصة ومتاحة.

     •     مسيّرات منخفضة الكلفة يتم إنتاجها بكميات ضخمة.

 •     استنزاف الخصم اقتصادياً كهدف استراتيجي بدل السعي إلى حسم عسكري سريع ومكلف.

في هذا السياق، أصبحت الحرب سباق قدرة على التحمّل المالي والاقتصادي، لا سباق تفوق تقني أو عسكري تقليدي فقط.

ثامناً: أوروبا بين الالتزام السياسي والضغط الشعبي

يترافق الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا مع ضغوط سياسية وشعبية متزايدة داخل الدول الأوروبية، أبرزها:

      •     صعود أحزاب اليمين المتطرف التي تتبنى خطاباً مناهضاً للدعم.

      •     تزايد الاعتراض الشعبي على إنفاق مليارات الدولارات على حرب بلا سقف زمني واضح.

      •     تزامن ذلك مع أزمات معيشية داخلية، وارتفاع معدلات التضخم، وتكاليف الطاقة.

هذا الواقع يضع صناع القرار الأوروبيين أمام معادلة صعبة بين الالتزامات الجيوسياسية تجاه كييف والاستقرار الداخلي لدولهم.

تُظهر معطيات الحرب في أوكرانيا أن الصراع دخل مرحلة الاستنزاف الاقتصادي طويل الأمد، حيث تتشابك الجبهات المالية مع الجبهات العسكرية. أوكرانيا تعتمد على دعم خارجي محدود الأفق، أوروبا تواجه ضغطاً اجتماعياً متنامياً، وروسيا أعادت تشكيل اقتصادها ليعمل في حالة حرب مستمرة.

لم يعد السؤال المركزي المطروح هو:

من ينتصر عسكرياً؟

بل أصبح السؤال الاستراتيجي الأهم:

من يستطيع تحمّل الكلفة الاقتصادية أطول؟

Back to top button