آراءبراون لاند – عربيتقاريرمقالات

ما بين القانون والسياسة: دعوة لإعادة النظر في تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي

السفير:مبارك محجوب موسى

شكّلت الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط حكومة عمر البشير، إطارًا دستوريًا حدّد بوضوح صلاحيات مجلس السيادة بوصفه رأس الدولة، ورئيس الوزراء المدني بوصفه رئيس الجهاز التنفيذي. غير أن التطورات اللاحقة — وفي مقدمتها تمرد نائب رئيس مجلس السيادة وإعلانه الحرب على الدولة، وانضمام عضوين آخرين من المجلس إلى التمرد — أفرزت واقعًا سياسيًا ودستوريًا معقدًا في البلاد. وقد دفع ذلك الحكومة، وفق رؤيتها الرسمية، إلى تعديل الوثيقة الدستورية لضمان استمرارية مؤسسات الدولة في ظل الحرب والتمرد المسلح.

ومن المهم التذكير بأن هذه الوثيقة نفسها كانت الأساس الذي اعتمد عليه الاتحاد الافريقى نفسه لرفع تعليق عضوية السودان عام 2019، بعدما اعتبر ما حدث آنذاك (الانقلاب على حكومة البشير المنتخبة ) تغييرًا غير دستوري للسلطة. ولم يُرفع التعليق إلا عقب التوصل إلى ترتيبات انتقالية مدنية–عسكرية نصّت عليها الوثيقة، وتعيين رئيس وزراء مدني بموجبها. وبذلك أصبح وجود إطار دستوري انتقالي توافقي معيارًا لاستعادة الشرعية القارية.

ولا لبس في أن الوثيقة — بعد تعديلها — ما تزال حتى اليوم الإطار الحاكم في السودان، وكما اسلفنا فهي ذات الإطار الذي سبق أن اعترف بها الاتحاد الأفريقي. وبموجب أحكامها، تم مؤخرًا تعيين السفير الدكتور كامل إدريس رئيسًا للوزراء. وقد اعترفت به الامم المتحدة رئيسًا للسلطة التنفيذية، وأتاحت له مخاطبة أجهزتها والمشاركة في أعمالها بوصفه الممثل الرسمي للدولة السودانية.

وهنا يبرز سؤال جوهري: إذا كان رئيس الجهاز التنفيذي المدني في السودان معترف به في أكبر منظمة دولية، فما الذي يحول دون شغل السودان مقعده في المنظمة الإقليمية؟ ولماذا يستمر التعليق وتعمد تجاهل وجود إطار دستوري انتقالي معدل ورئيس وزراء مدني معترف به دوليًا؟

من الناحية القانونية، يستند الاتحاد الأفريقي إلى المادة (30) من قانونه التأسيسي، التي تنص على تعليق مشاركة أي حكومة تصل إلى السلطة بوسائل غير دستورية. كما يستأنس بإعلان لومي لعام 2000 وميثاق الديمقراطية والانتخابات والحكم لعام 2007 في تعريف “التغيير غير الدستوري”، الذي يشمل الانقلابات العسكرية الصريحة أو الإطاحة بحكومة منتخبة دون سند دستوري.

غير أن التطبيق العملي لهذا المعيار يكشف عن تباين في السوابق الأفريقية. ففي مالي (2020 و2021)، عُلّقت العضوية عقب انقلاب عسكري أطاح برئيس منتخب، وفُرضت جداول زمنية للانتقال. ورغم وقوع انقلاب ثانٍ خلال المرحلة الانتقالية نفسها، تعامل الاتحاد مع السلطة القائمة كواقع انتقالي ينبغي تنظيمه بآجال انتخابية، لا بإقصاء الدولة إلى أجل غير مسمى.

وفي غينيا في (2021)، جرى تعليق العضوية بعد الإطاحة بالرئيس ألفا كوندي، غير أن مجلس السلم والأمن ركّز لاحقًا على التفاوض بشأن فترة انتقالية وجدول زمني للانتخابات، متعاملًا مع السلطة الانتقالية كفاعل قائم بحكم الأمر الواقع.

أما في النيجر في (2023) ، فقد عُلّقت العضوية عقب الانقلاب على الرئيس محمد بازوم، وصاحب ذلك ضغط إقليمي واسع، إلا أن النقاش انصبّ على آليات الانتقال ومدته، لا على إنكار وجود سلطة تنفيذية فعلية أو منعها من تمثيل الدولة في المنابر الدولية الأخرى.

أما الحالة التشادية فقد أُثيرت في الخطاب التاريخى لوزير الخارجية السوداني السفير محيي الدين سالم أمام مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي في أديس أبابا بتاريخ 12 فبراير 2026، بوصفها مثالًا على ما يُنظر إليه كازدواجية في المعايير. فقد تولى الجنرال محمد ادريس دبي السلطة بدعم من الجيش عقب وفاة والده، دون مسار دستوري مكتمل أو خارطة طريق ديمقراطية واضحة في بدايات المرحلة. ومع ذلك، لم تُعلّق عضوية تشاد، بينما كانت عضوية مالي بالقابل قد عُلّقت قبل أسابيع احتجاجًا على انقلابها العسكري. ويرى منتقدون أن مثل هذا التباين لا يمكن فصله عن اعتبارات المصالح والتوازنات والضغوط الإقليمية والدولية.

وقد قيل إن عدم تعليق عضوية تشاد كان مدفوعًا بمخاوف دولية من احتمال سيطرة جماعات إرهابية أو متمردة على البلاد. غير أن هذا التبرير يضعف أمام حقيقة أن مالي كانت ولا تزال تواجه تهديدات مماثلة، وهو ما دفع الأمم المتحدة إلى إنفاق نحو 1.2 مليار دولار على جهود حفظ السلام هناك.

ولا يقتصر تباين المواقف تجاه الانقلابات العسكرية على الاتحاد الأفريقي وحده. ففرنسا، على سبيل المثال، عارضت بشدة الانقلاب في مالي، لكنها سارعت إلى تأييد السلطة الانتقالية في تشاد. ويبدو أن المصالح، إلى جانب التوازنات والضغوط الإقليمية والدولية، أصبحت عوامل حاسمة في تحديد المواقف.

وتُظهر هذه السوابق أن معيار “التغيير غير الدستوري” لم يُطبّق دائمًا بقراءة جامدة للنصوص، بل خضع في كثير من الأحيان لاعتبارات التدرّج، والاعتراف بالسلطات الانتقالية القائمة، والسعي لإعادة إدماج الدول ضمن جداول زمنية سياسية متفق عليها. ومن ثم يبرز سؤال ملحّ: لماذا يستمر تجاهل هذا التطبيق المرن في الحالة السودانية؟

في الوضع الراهن في السودان، من المهم التأكيد على أن الوثيقة الدستورية لم تُلغَ بل عُدّلت، وأن تعيين رئيس وزراء مدني جديد تم في إطار ذات الأساس الدستوري الذي سبق أن اعترف به الاتحاد الأفريقي في العام 2019، كما اعترفت الأمم المتحدة بالسفير إدريس ومكّنته من تمثيل السودان رسميًا. ومن منظور القانون الدولي العام، فإن الاعتراف بالحكومات يقوم غالبًا على معيار الفعالية واستمرارية الدولة، لا على تقييم سياسي تفصيلي لملابسات الصراع الداخلي.

وبفذلكة تاريخية سريعة فان إجراءات 25 أكتوبر 2021، التي وصفتها الحكومة انذاك بأنها “خطوات تصحيحية” فرضتها الانقسامات الحادة بين الشركاء المدنيين والعسكريين، ومخاوف الانزلاق نحو الفوضى. ، أعلن رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان بموجبها حالة الطوارئ، وحلّ مجلسي السيادة والوزراء، وجمّد بعض أحكام الوثيقة الدستورية.

غير أن الرئيس البرهان أكد في الوقت ذاته، التزامه بالوثيقة الدستورية وباتفاق جوبا للسلام، وتعهد باستكمال مؤسسات المرحلة الانتقالية، بما في ذلك تشكيل مجلس تشريعي وتعيين حكومة كفاءات بدلًا عن نظام المحاصصات. ووفقاً لهذا الطرح، قُدّمت الإجراءات باعتبارها إعادة ضبط لمسار الانتقال لا قطيعة معه — أي استمرارًا في الالتزام بالإطار العام للعملية الانتقالية بصيغة معدّلة، مع إعادة تعريف دور المكون العسكري.

وبصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا التفسير، يرى منتقدو قرار التعليق أن هذا الموقف لم يُتح له اختبار كافٍ عبر آليات الاتحاد الأفريقي المعتادة، كما في الحالات الاخري التى اشرنا اليها اعلاه ، بل إن الاتحاد الأفريقي لم يُوفد حتى بعثة لتقصي الحقائق إلى السودان، كما جرت العادة في الحالات المشابهة. وهذا ما يعزّز الانطباع بوجود انتقائية في التعاطي مع الأزمة السودانية.

وفي الواقع، يعتقد قطاع واسع من السودانيين اليوم أن قرار تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي عقب أحداث 25 أكتوبر 2021 لم يكن معزولًا عن سياق التوازنات والضغوط التي مارستها — وما تزال تمارسها — قوى إقليمية ودولية لفرض نخبة سياسية معينة بات معروف للقاصى والداني، انها نخبة معزولة وضعيفة الحاضنة الشعبية.

ومن المهم التركير هنا أن مصداقية تلك الإجراءات التصحيحية قد تعزّزت أكثرعندما عاد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك إلى منصبه بموجب اتفاق سياسي في 21 نوفمبر 2021، نصّ على تشكيل حكومة كفاءات واستكمال المسار الانتقالي، قبل أن يستقيل لاحقًا تحت وطأة ضغوط داخلية وخارجية معروفة للجميع . وشاهد الجميع كيف اسهمت وما زالت تسهم هذه التفاعلات الإقليمية والدولية في تعقيد المشهد السودانى ، محولة مسألة الشرعية لموضع تجاذب سياسي يتجاوز الإطار القانوني والبحت.

وعليه، فإن الجدل اليوم لا يقتصر على شرعية شخص أو حكومة بعينها، بل يختبر مدى اتساق المنظومة الأفريقية في تطبيق معاييرها: هل تستند إلى مبدأ قانوني موحّد، أم إلى مقاربة سياسية مرنة تتأثر بموازين القوى الاقليمية والدولية من حولها ؟ وفي السياق السوداني، يتجاوز السؤال حدود العضوية في منظمة إقليمية، ليصبح جزءًا من نقاش أوسع حول تعريف الشرعية في ظل هشاشة الدولة والحرب المفتوحة.

وهكذا تمثل القضية اختبارًا مزدوجًا: اختبارًا للسودان في قدرته على استكمال انتقال مدني حقيقي في ظل ظروف بالغة التعقيد — وهو مسار بدأه بالفعل وبنجاح كبير بتعيين رئيس وزراء شكّل حكومة مدنية كاملة تمارس اليوم صلاحياتها على الارض— وفي المقابل اختبار للاتحاد الأفريقي في مدى اتساق ومرونة تطبيق معاييره بما يعزز الاستقرار بدلًا من تعميق حالة الاستقطاب.

Back to top button