
تدشين شبكة الإعلاميين المصريين والسودانيين “شمس” بناء جسور لإثراء العلاقات بين الشعوب”
خاص براون لاند
الإعلام أداةً وركيزة أساسية في تعزيز العلاقات بين الشعوب، ليس فقط بوصفه ناقلاً للأخبار، بل كصانع للرأي العام وجسر للتواصل الثقافي والحضاري. يمكن للإعلام أن يكون أداة للتقارب كما يمكن أن يكون سبباً للتباعد، بحسب طريقة المعالجة وتناول القضايا. لذلك يصبح الالتزام بخطاب إعلامي مسؤول يركز على المشتركات ويبتعد عن الإثارة أو تضخيم الخلافات أمراً ضرورياً، خاصة بين الشعوب ذات الروابط التاريخية العميقة مثل مصر والسودان.
وتؤكد التجربة السودانية المصرية أن التغطيات الإعلامية المشتركة، والبرامج الحوارية، وتبادل الخبرات المهنية بين الصحفيين أسهمت في تعزيز فهم أعمق للقضايا المشتركة، لا سيما في مجالات الأمن الإقليمي، والتكامل الاقتصادي، والتعليم، والاستثمار. يقول الأستاذ السماني عوض الله لبراون لاند :
“الإعلام يعتبر من الوسائل المهمة جداً في تعزيز العلاقات بين الدول والشعوب، وأيضاً وسيلة لتدميرها وخلق التوترات، لذلك يتوجب توجيه الإعلام بصورة إيجابية لخلق علاقات أيجابية بين الشعوب، وأشار الى ان الشعب هو أساس أي خطوة.”
“للإعلام دور مهم ليس في تأطير العلاقات فقط، بل في بناء مستقبل العلاقات ورسم خارطة طريق في العلاقات بين الشعوب، وكلما كانت هذه العلاقة جيدة فإنها تسهم كثيراً في خلق التعاون بين الدول، وبالتالي تشجيع الدول لخلق علاقات تخدم الشعبين.”
العلاقات بين مصر والسودان ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لتاريخ طويل من التداخل الاجتماعي والثقافي والتعليمي. ويضيف أ.السماني عوض الله:
“العلاقات بين الشعوب، خاصة بين مصر والسودان، تتطلب إعلاماً واعياً وواعداً، ينظر إلى الجزء الممتلئ من الكوب. مصر لعبت دوراً إيجابياً وفتحت منافذها للسودانيين الفارين من الحرب، ولم تفتح لهم معسكرات لجوء بل ظلت تعاملهم معاملة كريمة. وهذا الموقف وحده يدفعنا لعكس هذه الصورة ولا ننسي فضلها علينا.”
على مر العقود، أسهم الإعلام في نقل روابط البلدين إلى الجمهور، وتعزيز فهم أعمق للتاريخ المشترك والمصالح المتبادلة. من أبرز التجارب التاريخية في التعاون الإعلامي المصري السوداني كانت إذاعة وادي النيل، التي بدأت باسم “ركن السودان” عام 1949 ببرنامج نصف ساعة أسبوعياً، ثم توسعت إلى نصف ساعة يومياً، وتحولت عام 1984 إلى إذاعة مستقلة تحت ملكية مشتركة بين مصر والسودان. وتناولت برامجها موضوعات سودانية مصرية متنوعة، ونشرات الأخبار، وأغانٍ تراثية، حيث كان الإنتاج موزعاً بين مصر والسودان. ويعلق أ.السماني على هذه التجربة:
“هنالك تعاونيات كبيرة في مجال الإعلام، وكانت تلك الفترة شهدت ازدهاراً كبيراً في العلاقات ومن أبرز تلك التعاونيات إذاعة وادي النيل والتي كانت تسمع في البلدين بأصوات مذيعين مصريين وسودانيين، وكذلك طباعة عدد من الصحف المصرية في الخرطوم والتي توقفت أيضاً. ونحن في شمس نسعى جاهدين للدعوة لإعادة تشغيل إذاعة وادي النيل، وكذلك أن يقوم الكتاب السودانيين للكتابة في كبريات الصحف المصرية، والمصريين بالكتابة وتبادل الأفكار في الإعلام السوداني، بجانب تنفيذ برامج إعلامية مشتركة وتبادل إعلامي وتنفيذ دورات تدريبية في الخرطوم وفي القاهرة.”
وفي هذا الإطار، وترسيخا لهذه الروابط انطلقت شبكة الإعلاميين المصريين والسودانيين “شمس” كأول كيان إعلامي مشترك يجمع إعلاميي البلدين، بحضور مفوض مفوضية السلام الدكتور سليمان الديبلو وعدد من الشخصيات الإعلامية والدبلوماسية. ويقول الدكتور عبد الله محمد علي بلال، رئيس الشبكة:
“تأسيس شمس جاء ثمرة جهود مشتركة بذلها إعلاميون من مصر والسودان، بهدف تعزيز المشتركات بين الشعبين ودعم العلاقات الاستراتيجية بين الخرطوم والقاهرة. الشبكة ستعمل على ترسيخ خطاب إعلامي يعكس عمق الروابط التاريخية والثقافية بين البلدين.”
تتمثل أهداف شبكة “شمس” في تعزيز التعاون الإعلامي المشترك بين البلدين، ودعم البرامج التدريبية والتأهيل المهني للإعلاميين في القاهرة والخرطوم، وفتح آفاق جديدة لتبادل الخبرات والمعرفة المهنية، وتنظيم فعاليات ومنتديات مشتركة تخدم القضايا الثنائية. ويضيف السماني عوض الله:
“شمس بدأنا التفكير فيها منذ يوليو العام الماضي، نحن كإعلاميين ظللنا نتابع الدور الإيجابي الذي تقوم به مصر، وفي ذات الوقت تابعنا بقلق شديد حملات مضادة للإضرار بهذه العلاقة وإيقاع الفتنة بين الشعبين. ففكرنا في أغسطس الماضي بشبكة شمس من الإعلاميين في البلدين المؤمنين بوحدة المصير المشترك والمنافع المتبادلة، بجانب أن العلاقة الشعبية تعمقت بصورة كبيرة، فكان لابد من إيجاد كيان إعلامي مشترك وقدنا تحركات هنا وهناك على المستوى الرسمي، حيث وجدنا الضوء الأخضر من الجهات الرسمية في البلدين. تكمن أهمية شمس في كونها أداء إعلامية مشتركة، وبالتالي فإن ما تبذله من جهود يكون أكثر صدقاً وأنبل توجها لأنه خارج من منصة مشتركة هدفها الدفاع عن الحملات المضللة التي تهدف للوقيعة بين البلدين.”
والجدير بالذكر ان هذا التعاون لا يقتصر على الجانب الإعلامي فقط فهنالك الكثير منه على مختلف الأصعدة الأقتصادية والسياسية والأكاديمية والفنية فقد لعب الفن دوراً محورياً في تعزيز روابط الشعبين عبر تاريخ طويل الأمد وتجارب مختلفة من أبرزها زيارة أم كلثوم للسودان والمهرجانات المشتركة.كذلك المسرحيات التي تركت بصمة مثل مدرسة المشاغبين فمثل هذه الفعاليات تسهم في إثراء المعرفة والثقافات . وفي هذا السياق، يبرز اتحاد تجمع الفنانين السودانيين في مصر، الذي نظم مؤخراً فعاليات تحت عنوان “في حضرة النيل” بالشراكة مع شركة “سوداني” للاتصالات واتحاد الفنانين العرب، تهدف لنشر الثقافة السودانية وتحويل المكان إلى ملتقى فني واجتماعي. شاركت كوكبة من الفنانين والمثقفين والموسيقيين السودانيين والمصريين في هذه الفعاليات، مع عروض موسيقية وفنية وورش عمل، وبث مباشر لتعم الفائدة على الجمهور. كما نظم الاتحاد احتفالاً تكريمياً للفنانين السودانيين المقيمين في مصر، ما يعكس التعاون والتواصل الفني والثقافي، ويبرز التنوع الفني للسودان.
ويعمل الاتحاد على تنظيم فعاليات مشتركة مع نظرائهم المصريين، ودعم الفنانين السودانيين في التدريب والتطوير المهني والترويج لأعمالهم، وتعزيز التواصل مع المؤسسات الفنية والثقافية في السودان. وهدف الاتحاد الأساسي هو تعزيز الوحدة والتضامن بين الفنانين، إبراز التنوع الثقافي والفني للسودان، وترسيخ التفاهم والتعاون بين الثقافات المختلفة بما يعكس أواصر الصداقة بين الشعبين على المستويين الفني والثقافي.
ونشير الى ان مثل هذه المبادرات الإعلامية والفنية وغيرها مهمة في وقت يواجه فيه الإعلام تحديات كبيرة لمواجهة التضليل وخطاب الكراهية، خاصة بعد انتشار المعلومات المضللة عبر منصات التواصل الاجتماعي عقب الأزمات الأخيرة.ونجد المنصات الإعلامية الرسمية دائما تحارب هذه الظواهر وتأكد على أهمية وعمق وطيب العلاقات بين مصر والسودان في تأكيد مستمر من مختلف المسؤولين ونرى ذلك في تصريح رئيس الوزراء السوداني كامل أدريس في الخطاب اللذي القاه عقب عودته من مصر اللذي يعبر فيه عن تقدير السودان لمصر لاستضافتها أبناء السودان، مشدداً على متانة العلاقات الثنائية، بينما أشار خالد الإعيسر، وزير الثقافة والإعلام السوداني، إلى أن العلاقات بين مصر والسودان تمتد إلى أواصر شعبية وثقافية واجتماعية، ويجب العمل على تنميتها بما يخدم مصالح الشعبين. ويضيف الأستاذ السماني في هذا الشأن :
“المنصات الإعلامية في السودان أصبحت تلعب دوراً مهماً بعد أبريل 2023، حيث أوقفت الحرب كل وسائل الإعلام الرسمية والشعبية عدا منصات التواصل، والتي ظلت تلعب دوراً مهماً في دحض الشائعات ونشر الإيجابيات. والإعلام، حين يلتزم بالمعايير المهنية، يصبح أداة لبناء الجسور، لا لهدمها، ومصدرًا للطمأنينة لا للقلق.”
وبذلك يمكننا الأشارة الى أن المبادرات المشتركة مثل شبكة “شمس”، وإذاعة وادي النيل، واتحاد الفنانين السودانيين في مصر، تسهم في ترسيخ روابط ثقافية وإنسانية، وتعزيز التفاهم المشترك، وضرورة الالتزام بالمهنية والوعي التاريخي بدور الإعلام والفن يثبت أنهما يمكن أن يكونا أدوات فعّالة لبناء الثقة والتقارب، وتحويل التحديات إلى فرص للتعاون، وترسيخ أواصر الصداقة بين الشعوب.



