
من الملكات إلى خطوط المواجهة: صمود المرأة السودانية الذي لا ينكسر
السفير: مبارك محجوب موسى
على مدى آلاف السنين، أسهمت المرأة السودانية في صناعة التاريخ—من ملكات محاربات في الممالك القديمة إلى بطلات اليوم في الخطوط الأمامية—مؤكدة أن الصمود جزء أصيل من هويتها.
وفي اليوم العالمي للمرأة، وبينما يحتفي كثير من أنحاء العالم بإنجازات رمزية، تذكّرنا قصة المرأة السودانية بأن الشجاعة والقيادة ليستا مجرد حواشٍ في كتب التاريخ، بل واقع يُعاش يومياً في وطن اختبرته الحروب والمحن.
الكنداكات: ملكات صنعن التاريخ.
لم يكن السودان مجرد أرض شاركت فيها النساء في الحياة العامة، بل كان أرضاً قادت فيها النساء وصنعن التاريخ. ففي مملكة كوش القديمة، حكمت الكنداكات—وهن الملكات الأمهات—وقُدن الجيوش وتفاوضن مع الإمبراطوريات.
ومن بينهن تبرز الملكة أماني ريناس، التي قادت شعبها في مقاومة الإمبراطورية الرومانية، مدافعةً عن استقلال مملكتها، تاركةً إرثاً خالداً من القيادة والشجاعة والحنكة الاستراتيجية.
كما تركت ملكات أخريات، مثل أماني شخيتو وأماني توري، إرثاً معمارياً وثقافياً مدهشاً، لا تزال آثاره محفوظة حتى اليوم في مدينة مروي الأثرية،العاصمة الثانية لـ “مملكة كوش” (حوالي 300 ق.م-300م) والتي تميزت بـ أهراماتها المميزة (أكثر من 200 هرم) في البجراوية.
لم تكن هؤلاء النساء استثناءً؛ بل كنّ تجسيداً لثقافة كان فيها دور المرأة القيادي ومسؤوليتها وصمودها عناصر أساسية في بقاء الأمة وازدهارها.
الصحوة الحديثة: التعليم والوعي الوطني ونهوض العمل النسوي المنظم:
مع توسع التعليم وبروز الوعي الوطني في النصف الأول من القرن العشرين، دخلت المرأة السودانية المجال العام بصورة متزايدة. فقد نظّمت الممرضات والمعلمات وغيرهن من المهنيات أنفسهن عبر النقابات والجمعيات، محوّلات الجهود الفردية إلى عمل جماعي منظم.
وتوّج هذا الحراك بتأسيس الاتحاد النسائي السوداني عام 1952، في منعطف تاريخي مهم؛ إذ انتقل نشاط النساء للمرة الأولى من العمل الخيري والاجتماعي إلى العمل السياسي المنظم، للمطالبة بالحقوق والتمثيل والمساواة.
التمكين السياسي المبكر
حصلت المرأة السودانية على حقوقها السياسية في وقت مبكر نسبياً مقارنة بالعديد من الدول العربية والأفريقية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، نالت حق التصويت عام 1953، وحق الترشح للانتخابات عام 1963.
وبلغت مشاركتها السياسية محطة تاريخية بعد ثورة أكتوبر 1964، عندما دخلت النساء البرلمان السوداني لأول مرة.
وقد أرست هذه المكاسب سابقة مهمة للمشاركة المدنية، وأسست لروح الصمود في المجالين العام والخاص.
معركة الكرامة: المرأة في خطوط المواجهة اليوم:
وإذا انتقلنا إلى الحاضر، نجد أنه في ظل حرب العدوان الدائرة في السودان، تجسد النساء مرة أخرى قيادة وصمود أسلافهن.
ففي ما أصبح يُعرف وطنياً باسم معركة الكرامة، برزت المرأة السودانية كركيزة لا غنى عنها في المجتمع.
لقد تجاوزت النساء الأدوار التقليدية بكثير؛ فساهمن في تنظيم الإغاثة الإنسانية، ودعم الأسر النازحة، وحماية الأحياء، والحفاظ على معنويات المجتمعات المحاصرة.
وفي المستشفيات والعيادات الميدانية، عالجت الطبيبات والممرضات الجرحى وأدرن مراكز الإيواء تحت تهديد دائم. كما انخرطت أخريات في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وكشفها للعالم، لضمان بقاء الحقيقة والعدالة حاضرتين.
بطلات العصر: د. صفاء علي محمد يوسف ود. هنادي النور:
ومن بين أبرز هذه النماذج الملهمة الدكتورة صفاء علي محمد يوسف، طبيبة النساء والتوليد في أم درمان، التي حظي تفانيها في خدمة النساء الحوامل خلال الحرب بتقدير دولي.
فقد اختارتها هيئة الإذاعة البريطانية ضمن قائمة البي بي سي BBC، لأكثر النساء إلهاماً في العالم للعام 2024.
واصلت الدكتورة صفاء إجراء عمليات الولادة، بل وأسست جناحاً جديداً للولادة في مستشفى النو رغم القصف المتعمد ونقص الإمكانات والخطر الشديد—لتؤكد أن الحياة يمكن أن تستمر حتى في أحلك ظروف الحرب.
ولا يقل عنها بطولة الراحلة الدكتورة هنادي النور، المعروفة بـ “بنت الفاشر”، التي اختارت البقاء في مدينة الفاشر لمعالجة الجرحى وخدمة المدنيين، ثابتة في مواجهة واحدة من أسوأ حالات استخدام التجويع كسلاح في العصر الحديث.
وقفت الدكتورة هنادي في الصفوف الأمامية حتى دفعت حياتها ثمناً لذلك، لتصبح رمزاً وطنياً للتضحية والصمود.
هذه القصص ليست استثناءً؛ بل تعكس واقع آلاف النساء السودانيات اللواتي يواصلن، مثل أسلافهن، الصمود والحماية والقيادة في أوقات الأزمات.
استمرارية عبر القرون:
من الكنداكات في التاريخ القديم، إلى الحركات النسوية في القرن العشرين، وصولاً إلى البطلات في خطوط المواجهة اليوم، يبرز خيط واحد واضح; الصمود والشجاعة والقيادة تجري في عروق المرأة السودانية كنبض الحياة.
فهي الأم والمهنيّة والمتطوعة والناشطة التي تحافظ على الحياة، وتدافع عن الكرامة، وتسهم في تشكيل مستقبل وطنها. وهي الحلقة الحية التي تربط بين ماضي السودان المجيد وإمكانات مستقبله.
ورغم قسوة الظروف، أثبتت المرأة السودانية مراراً أنها العمود الفقري للأمة، قادرة ليس فقط على الصمود في وجه الشدائد، بل أيضاً على إعادة بناء المجتمع وبعث الأمل في نفوس الأجيال القادمة.
وبين أمجاد الماضي وتحديات الحاضر، تبقى حقيقة واحدة واضحة:
إن الأرض التي أنجبت الكنداكات لا تزال تنجب نساءً يجسدن الصمود، ويحفظن الكرامة، ويكتبن التاريخ من جديد.
فالتحية والتجلة للمرأة السودانية الصامدة والمثابرة في يوم عيدها .



