
التحذير الأمريكي لروسيا: خفايا محتملة
المبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف يُعد بالفعل أحد الشخصيات التي تدير قنوات الاتصال الحساسة في إدارة الرئيس دونالد ترامب. وقد أشارت تقارير إعلامية إلى أن واشنطن نقلت عبر قنوات دبلوماسية تحذيرات إلى موسكو بشأن أي دعم عسكري أو استخباراتي مباشر لإيران. ورغم أن ترامب نفى وجود هذا الأمر، قائلاً إنه لا يملك معلومات عن التعاون بين موسكو وطهران من هذا النوع، إلا أن ويتكوف حسب التسريبات الإعلامية نقل رسالة ذات الصلة إلى الجانب الروسي بالفعل. فيما قال وزير الخارجية الأمريكي إن واشنطن تأخذ المعلومات بعين الاعتبار في خططتها العسكرية.
وفي هذا السياق تنبغي الإشارة إلى ما يلي:
1) هذا النوع من الرسائل ليس غير مألوف في العلاقات الدولية. خلال الحرب في أوكرانيا تبادلت موسكو وواشنطن تحذيرات حول حدود الدعم العسكري غير المباشر. ومع ذلك، لا يوجد حتى الآن دليل علني موثق يؤكد صدور تحذير أمريكي رسمي بهذا الشكل العلني، كما لم تعترف روسيا بتلقي مثل هذه الرسالة.
2) احتمال وجود تعاون استخباراتي روسي إيراني
تقنياً يبقى هذا الاحتمال ممكناً جزئياً لعدة أسباب. روسيا تمتلك منظومات استطلاع فضائي وراداري قادرة على مراقبة مساحات واسعة من الشرق الأوسط، بينما طورت إيران خلال السنوات الأخيرة شبكة واسعة من الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة. تبادل البيانات بين الطرفين يمكن أن يشمل ثلاثة أنواع رئيسية من المعلومات:
– صور الأقمار الصناعية بدقة متوسطة أو عالية،
– بيانات الرصد الراداري لحركة الطيران أو السفن،
– تحليل الإشارات الإلكترونية (SIGINT).
مع ذلك، فإن تقديم بيانات استهداف فورية في حرب مباشرة ضد الولايات المتحدة يمثل خطوة شديدة الخطورة لأنه يضع موسكو عملياً في موقع الطرف المشارك في الحرب. الدول الكبرى عادة تتجنب هذا المستوى من الانخراط المباشر بسبب مخاطر التصعيد الاستراتيجي.
3) دقة الضربات الإيرانية الأخيرة
حتى من دون دعم روسي مباشر، توجد عدة عوامل يمكن أن تفسر تحسن دقة الضربات الإيرانية، من بينها ما يلي:
– تطور برنامج الصواريخ الإيراني خلال العقد الأخير،
– استخدام الطائرات المسيّرة الاستطلاعية قبل تنفيذ الضربات،
– وجود شبكات مراقبة إقليمية لحلفاء إيران،
– ضعف الدفاعات في بعض القواعد أو تعرضها للتشبع الصاروخي.
لهذا فإن ربط كل الدقة العملياتية بالدعم الروسي يبقى أقرب إلى فرضية سياسية منه إلى استنتاج مؤكد، إلا أن نفي الدعم الروسي لإيران من هذا النوع أمر غير صائب أيضاً نظراً للعلاقات القوية بين البلدين.
4) قدرة واشنطن على الضغط على موسكو
تمتلك الولايات المتحدة أدوات ضغط متعددة تشمل العقوبات المالية، والقيود التكنولوجية، والضغط الدبلوماسي، إضافة إلى توسيع الدعم العسكري لأوكرانيا. غير أن فعالية هذه الأدوات تبقى محدودة في هذه الحالة لسببين رئيسيين.
السبب الأول أن العلاقة الروسية الإيرانية تعمقت كثيراً منذ اندلاع حرب أوكرانيا وأصبحت تقوم على تبادل مصالح عسكرية واقتصادية متزايدة، ما توج بإبرام البلدين اتفاقية الشراكة الشاملة (وُقِّعت في موسكو يوم 17 يناير 2025، وهي معاهدة مدتها 20 عامًا قابلة للتجديد تهدف إلى تعزيز التعاون السياسي، الاقتصادي، والعسكري بين البلدين، خاصة في ظل العقوبات الغربية. الاتفاقية تضم 47 بندًا تغطي مجالات الدفاع، الاستخبارات، الطاقة، التجارة، والثقافة وتشكل إطارًا استراتيجيًا طويل الأمد للعلاقات الثنائية).
والسبب الثاني أن موسكو تنظر إلى أي استنزاف أمريكي في الشرق الأوسط بوصفه عاملاً يخفف الضغط عنها في الجبهة الأوروبية.
5) السيناريو الأكثر واقعية
الاحتمال الأقرب يتمثل في تعاون استخباراتي غير مباشر أو محدود إلى حد ما مثل تبادل تقييمات أو صور فضائية غير آنية، أو نقل خبرات تقنية، مع حرص روسي واضح على تجنب الظهور كطرف مباشر في الحرب. هذا النمط من التعاون يسمح لموسكو بدعم طهران دون تجاوز الخط الأحمر الذي قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
ولا بد من التذكير كذلك بأن روسيا سبق أن قدمت لإيران مختلف أنظمة الدفاع الجوي وبعض التقنيات العسكرية المتطورة الأخرى لوضعها في الأراضي الإيرانية تحت تصرف القيادة العليا للبلاد، علماً أن بعض تلك التقنيات لا تزال مجهولة.
براون لاند



