
المرأة السودانية: قوة وإلهام بين النزاع والإنجاز
في الوقت الذي يواجه فيه السودان أسوأ أزمة إنسانية وفقًا لتقارير أممية، وتحمل فيه المرأة السودانية على عاتقها الكثير من المسؤوليات، يأتي اليوم العالمي للمرأة لتسليط الضوء على إنجازاتها المتميزة. وفي ظل تداعيات حرب أبريل 2023 وما خلفته من مأساة، واصلت المرأة السودانية إظهار قدراتها في شتى المجالات، من الصحافة والإعلام إلى الطب والعمل الإنساني وحقوق الإنسان والفنون، لتكون مثالًا للصمود والإبداع في أصعب الظروف.
خلال هذه الفترة، وتمكينًا للصحافة التي تعكس الواقع وتسليط الضوء على آثار الحرب، تم تتويج ثلاث صحفيات سودانيات على مستوى العالم تقديرًا لتقاريرهن وقصصهن الإنسانية المؤثرة. فازت الصحفية السودانية البريطانية يسرا الباقر بجائزة أفضل صحفي تلفزيوني لعام 2026 من Royal Television Society في المملكة المتحدة، وهي واحدة من أبرز الجوائز الدولية التي تركز على التغطيات الميدانية والتحقيقات الاستقصائية والتقارير الإنسانية. حصلت يسرا على الجائزة تقديرًا لتقاريرها الشجاعة التي سلطت الضوء على أزمة إنسانية كبيرة غالبًا ما يغفلها الإعلام العالمي، بما في ذلك معاناة المدنيين واللاجئين في مناطق النزاع بالسودان.
كما فازت سلمى عبد العزيز بجائزة محمد حسنين هيكل للصحافة العربية 2025، التي تأسست عام 2007 لتكريم أفضل الصحفيين الشباب في العالم العربي وتسليط الضوء على التحقيقات الاستقصائية. حصلت سلمى على الجائزة تقديرًا لتغطيتها الاستقصائية لتداعيات الحرب، خاصة ملف الجوع وانتهاكات المدنيين وملفات الفساد، ومن أبرز أعمالها تقرير “10 أشهر من القتال: كارثة جوع تقترب بالسودان” لصالح شبكة سي إن إن الأمريكية، وتحقيق “المصيدة البشرية” الذي وثق معاناة اللاجئين السودانيين .
أما الصحفية إنعام النور صالح فقد تم تتويجها بجائزة أفضل قصة صحفية إنسانية من Al Jazeera Media Institute 2025، التي تهدف لتكريم الأعمال الصحفية الإنسانية التي توثق النزاعات والكوارث والأزمات الإنسانية. شارك في الدورة أكثر من 130 صحفيًا وصحفية من مختلف الدول العربية، وفازت إنعام بالمرتبة الثانية تقديرًا لمهاراتها في تقديم قصة صحفية متكاملة تعكس معاناة المدنيين، وتوثق الألم وتمنح صوتًا لمن لا صوت لهم. وأكدت النقابة أن هذا الفوز يعكس صورة مشرقة للصحفي السوداني الذي يعمل تحت وطأة أصعب الظروف وينقل معاناة الضحايا ويحفظ الذاكرة الجماعية من النسيان.
ولم يقتصر عطاؤ المرأة السودانية على مجال الصحافة، بل امتد إلى الطب والعمل الإنساني والمجتمعي. ففي المجال الطبي، تبرز صفاء علي يوسف التي استمرت رغم الظروف القاهرة في تقديم خدماتها الطبية للنساء، محافظًة على الأمل وحياة المرضى في مناطق الحرب، وتم إدراجها ضمن قائمة BBC 100 Women 2024 تقديرًا لجهودها الاستثنائية.
كما لعبت النساء السودانيات دورًا بارزًا على الأرض من خلال المبادرات الإنسانية المباشرة، مثل سوهندا عبد الوهاب التي عملت في مطابخ التكايا الخيرية لتوفير الطعام للمتضررين من الحرب في أم درمان، وقدمت المساعدات للمجتمع المحلي بكل تفانٍ، بعيدًا عن أدوارهن المعروفة مسبقًا في الثقافة أو الإعلام. هذه المبادرات تعكس قدرة المرأة السودانية على مواجهة أصعب الظروف وملء الفراغ الإنساني الذي تفرضه الحرب على المجتمع.
ظل اسم المرأة السودانية حاضرًا أيضًا في مختلف المجالات الثقافية والفنية والأدبية، وهو امتداد لتاريخ طويل من العطاء والمعرفة. فقد برزت نساء السودان منذ زمن بعيد كأول امرأة تدخل البرلمان في العالم العربي، وأسسن حركات نسوية، وروائيات حصلن على جوائز عالمية تُرجمت أعمالهن إلى لغات متعددة، لتكون نموذجًا للإبداع والتأثير.
تمثل هذه الإنجازات قدرة المرأة السودانية على الصمود والإبداع حتى في أصعب الظروف. ورغم أن الأسماء التي حصدت جوائز عالمية تشكل مصدر إلهام، فإن ملايين النساء اللواتي يعملن بصمت يوميًا في مواجهة الحرب والنزوح والفقر يواصلن تقديم التضحيات، مؤكدات أن المرأة السودانية قوة محورية في بناء المجتمع وصناعة الأمل.





