
براون لاند
تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الاضطراب تتجاوز حدود المواجهات التقليدية بين الدول وتمتد آثارها إلى بنية النظام الدولي نفسه. الصراع الدائر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يرتبط بتوازنات أوسع تتقاطع مع التنافس العالمي بين واشنطن وكل من موسكو وبكين. في هذا السياق تكتسب إيران أهمية جيوسياسية خاصة، فهي تقع عند عقدة جغرافية مركزية في شبكة الطرق البرية والبحرية التي تعمل الصين على تطويرها ضمن مشروع «الحزام والطريق»، وهو ما يجعل موقعها عاملاً مؤثراً في الحسابات الاستراتيجية الكبرى.
ضمن هذه المعادلة، اعتمدت المقاربة المقابلة على فرضية ترتكز إلى استهداف القيادة العليا للنظام الإيراني باعتباره مدخلاً لإرباك منظومة القرار السياسي والعسكري، بما يفتح الطريق أمام اهتزاز داخلي واسع. تنطلق هذه الفرضية من تصور تقليدي في إدارة الصراعات يرى أن ضرب قمة الهرم القيادي ينعكس مباشرة على قدرة المنظومة بأكملها على العمل. غير أن تطورات المواجهة أظهرت أن منظومة القرار في إيران تمتلك درجة عالية من التماسك المؤسسي والتنظيمي، إذ واصلت المؤسسات العسكرية والأمنية عملها بسرعة وانتظام في مؤشر واضح على قدرة النظام على امتصاص الصدمات الكبرى والمحافظة على استمرارية القرار.
يرتبط هذا التماسك أيضاً بطبيعة الثقافة السياسية التي تشكلت داخل النخبة الحاكمة منذ قيام الثورة الإسلامية. فهذه الثقافة تنظر إلى الصراع بوصفه مواجهة طويلة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والعقائدية وتمنح فكرة التضحية موقعاً مركزياً في معادلة الصمود. لذلك تتحول الضغوط الخارجية القاسية إلى عنصر يدفع نحو تعزيز الإرادة السياسية وترسيخ خيار المواجهة.
في الميدان العسكري تتخذ المواجهة شكلاً متعدد المحاور يقوم على توزيع الضغط على الخصم في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه. ويمكن فهم البنية العسكرية للصراع بوصفها منظومة ضغط تعمل عبر أربع منصات رئيسية تتكامل فيما بينها لتشكّل استراتيجية استنزاف شاملة. المحور الأول يتمثل في مضيق هرمز الذي يشكل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. أي تهديد لحركة الملاحة في هذا الممر ينعكس مباشرة على أسواق النفط وعلى الاقتصاد الدولي، الأمر الذي يمنح طهران أداة تأثير واسعة تتجاوز حدود ساحة القتال.
المحور الثاني يتعلق بالقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في دول الجوار. إظهار هشاشة هذه القواعد عبر استهداف الرادارات أو البنى العسكرية المرتبطة بها يهدف إلى إعادة صياغة معادلة الردع، وإلى إبراز أن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة يحمل معه مخاطر مباشرة على الدول التي تستضيفه.
المحور الثالث يظهر في الساحة البحرية، حيث يشكل الضغط على الأساطيل وحاملات الطائرات الأمريكية جزءاً من محاولة تقليص حرية الحركة العسكرية في الخليج والبحار المحيطة. أما المحور الرابع، فيتصل بالعمق الإسرائيلي، حيث تؤدي الصواريخ الباليستية بعيدة المدى دوراً أساسياً في استنزاف منظومات الدفاع الجوي وفرض معادلة ردع متبادل.
هذه التطورات تضع الدول العربية، وخصوصاً الخليجية منها، أمام معادلة دقيقة تتعلق بالعلاقة بين الأمن والسيادة. وجود قواعد عسكرية أجنبية على أراضي بعض هذه الدول يجعلها جزءاً من البيئة العملياتية للصراع في حال تحولت تلك القواعد إلى أهداف مباشرة للرد العسكري. في هذا الإطار يبرز نقاش متزايد حول إمكان تحييد أراضي هذه الدول عن ساحة المواجهة عبر إعادة تقييم دور القواعد الأجنبية خلال فترات التصعيد.
في لبنان يتخذ المشهد طابعاً خاصاً نظراً لحساسية موقعه في توازنات المنطقة. عمليات إطلاق الصواريخ على الجبهة الشمالية تعكس رسائل ردع تهدف إلى تثبيت قواعد الاشتباك القائمة. هذه العمليات تندرج ضمن شبكة توازنات إقليمية مترابطة تجعل أي تهديد وجودي لأحد أطرافها عاملاً قد يؤدي إلى اتساع دائرة المواجهة.
وتبقى الحرب البرية من أكثر السيناريوهات حساسية في الحسابات العسكرية الإسرائيلية بسبب الكلفة البشرية المرتفعة التي يمكن أن تترتب عليها. التجارب السابقة أظهرت أن العمليات البرية في بيئات جغرافية وبشرية معقدة تتحول غالباً إلى معارك طويلة يصعب حسمها بسرعة.
مع مرور الوقت تتضح طبيعة الحرب بوصفها مواجهة استنزاف متبادل تعتمد على القدرة على الاستمرار أكثر مما تعتمد على الحسم السريع. المخزون الصاروخي الإيراني يقابله مخزون منظومات الدفاع الجوي لدى إسرائيل وحلفائها، وهو ما يحوّل الصراع إلى سباق بين قدرة الهجوم على مواصلة الضغط وقدرة الدفاع على الصمود.
كما يكتسب عامل الزمن أهمية كبيرة في الحسابات الاستراتيجية. الحروب الطويلة تولد ضغوطاً سياسية واقتصادية متزايدة على الأطراف المنخرطة فيها، خاصة مع ارتفاع الخسائر البشرية واتساع آثار الحرب الاقتصادية. توسع نطاق التدخل الدولي قد يدفع الصراع إلى مستويات أعلى من التصعيد الجغرافي والتقني.
تبدو المنطقة اليوم عند مفترق تاريخي حساس. التطورات الجارية تحمل احتمال نشوء معادلة ردع إقليمية جديدة تعيد رسم توازنات القوة في الشرق الأوسط، وقد تمتد آثارها إلى شكل النظام الدولي في السنوات القادمة. وفي الوقت نفسه يظل احتمال استمرار حرب استنزاف طويلة قائماً، بما يحمله ذلك من تحولات عميقة في البنية السياسية والأمنية للمنطقة.



