آراءبراون لاند – عربي

روسيا قد تكون أكبر المستفيدين من حرب الخليج

براون لاند

التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى يمتد أثره إلى ما هو أبعد من ساحة المواجهة المباشرة، إذ ينعكس بسرعة على التوازنات الاقتصادية والاستراتيجية في النظام الدولي. فالحروب التي تدور في مناطق إنتاج الطاقة الكبرى تتحول بطبيعتها إلى أحداث ذات أثر عالمي لأن الطاقة تمثل أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الدولي. وفي هذا السياق يبرز موقع روسيا بوصفها إحدى القوى التي يمكن أن تحقق مكاسب غير مباشرة من الاضطراب الجيوسياسي، سواء في سوق الطاقة العالمية أو في البيئة الاستراتيجية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا.

يتجلى البعد الاقتصادي لهذه المعادلة بوضوح في سوق الطاقة الدولية. فروسيا تُعد من أكبر مصدري النفط والغاز في العالم، وتعتمد موازنتها بدرجة كبيرة على عائدات صادرات الطاقة. قبل اندلاع التصعيد العسكري الأخير كانت موسكو تواجه ضغوطاً مالية كبيرة نتيجة العقوبات الغربية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا. وقد انعكس ذلك في تراجع إيرادات النفط والغاز الروسية خلال عام 2025 بنحو أربعة وعشرين في المئة مقارنة بعام 2024، وهو انخفاض ملحوظ شكّل عبئاً حقيقياً على الميزانية الروسية.

خلال تلك المرحلة اضطرت الشركات الروسية إلى بيع جزء كبير من نفطها بخصومات كبيرة من أجل الحفاظ على حصتها في الأسواق الدولية، خصوصاً في الأسواق الآسيوية. وقد بلغ الخصم في بعض الفترات نحو ثلاثة عشر دولاراً للبرميل مقارنة بالسعر العالمي. هذا الأسلوب مكّن موسكو من الحفاظ على تدفق صادراتها رغم القيود الغربية المفروضة على النقل والتمويل والتأمين، لكنه في الوقت نفسه قلّص العائدات الفعلية للخزينة الروسية.

اندلاع الحرب في الشرق الأوسط وما رافقه من اضطراب واسع في منطقة الخليج أعاد تشكيل معادلة الأسعار في سوق الطاقة العالمية. فالمخاوف من تعطل الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين أدت إلى قفزة كبيرة في الأسعار، حيث تجاوز سعر البرميل مستوى تسعين دولاراً للمرة الأولى منذ حوالي عامين. ومع استمرار التوتر العسكري في المنطقة ظهرت توقعات في بعض الأسواق بإمكانية وصول الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير قد تتراوح بين مئة وخمسين ومئتي دولار للبرميل إذا استمرت الأزمة أو توسعت رقعتها.

هذا الارتفاع الكبير في الأسعار غيّر موقع النفط الروسي في السوق الدولية. فالمورد الذي كان يُباع بخصومات كبيرة تحت ضغط العقوبات أصبح في ظروف اضطراب السوق العالمية مورداً مطلوباً بشدة. وبهذا المعنى تحولت معادلة التسعير من مرحلة الخصم الكبير الذي كان يصل إلى ثلاثة عشر دولاراً للبرميل إلى مرحلة جديدة بات فيها النفط الروسي قادراً في بعض الصفقات على أن يُباع بعلاوة فوق السعر العالمي تتراوح بين أربعة وخمسة دولارات للبرميل.

توضح التطورات الأخيرة في السوق الآسيوية هذا التحول بصورة ملموسة. فالهند التي كانت قد تباطأت في شراء النفط الروسي خلال بعض الفترات تحت ضغوط الإدارة الأمريكية، عادت إلى توسيع مشترياتها نتيجة الحاجة إلى تأمين إمدادات مستقرة للطاقة بعد اضطراب الإمدادات القادمة من الخليج. وتشير تقارير السوق إلى أن بعض الشحنات الروسية التي تتجه إلى السوق الهندية باتت تُباع في هذه الظروف بأسعار أعلى من السعر العالمي بعدة دولارات للبرميل، وهو تحول يعكس التغير الكبير في ميزان العرض والطلب داخل سوق الطاقة العالمية.

إلى جانب العامل السعري يظهر عامل جيوسياسي بالغ الأهمية يتعلق بإمدادات الطاقة ومسارات نقلها. فالإغلاق الحالي لمضيق هرمز أدى إلى شلل فعلي في أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز من دول الخليج إلى الأسواق العالمية. هذا الإغلاق يعني عملياً شبه حصار للطاقة الخليجية داخل المنطقة ويمنع جزءاً كبيراً من صادرات النفط والغاز من الوصول إلى الأسواق الدولية. في مثل هذا الوضع تتغير بنية سوق الطاقة العالمية بصورة جذرية لأن الموردين الذين لا تعتمد صادراتهم على هذا الممر البحري يكتسبون وزناً استثنائياً في السوق الدولية. بالنسبة لروسيا يخلق هذا الوضع موقعاً قريباً من الاحتكار في سوق الطاقة العالمية في ظل تعطل جزء كبير من الإمدادات المنافسة القادمة من الخليج.

في هذا السياق يكتسب الصمود الإيراني في وجه الضغوط العسكرية والاقتصادية بعداً استراتيجياً إضافياً في حسابات سوق الطاقة. فاستمرار قدرة إيران على تعطيل أو تقييد حركة الطاقة القادمة من الخليج يحول هذا الصمود إلى عامل مؤثر في إضعاف الإمدادات المنافسة في السوق العالمية، وهو ما يعزز بصورة غير مباشرة موقع الموردين الآخرين خارج هذه المنطقة، وفي مقدمتهم روسيا.

هذا التحول يمنح موسكو فرصة مهمة لتعويض الخسائر المالية الكبيرة التي تكبدتها خلال سنوات الحرب في أوكرانيا والعقوبات الاقتصادية الغربية.

فكل ارتفاع في أسعار النفط والغاز يترجم مباشرة إلى زيادة كبيرة في العائدات الحكومية، وهو ما يسمح للاقتصاد الروسي بتخفيف أثر الضغوط الاقتصادية التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة.

إلى جانب البعد الاقتصادي يظهر بعد عسكري غير مباشر يرتبط باستنزاف الموارد العسكرية الغربية. فالتصعيد العسكري في الشرق الأوسط يفرض على الولايات المتحدة وإسرائيل استخدام كميات كبيرة من الصواريخ الاعتراضية وأنظمة الدفاع الجوي للتصدي للهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة. هذه الأنظمة تعتمد على مخزون محدود نسبياً من الصواريخ مرتفعة الكلفة، ويؤدي استخدامها المكثف إلى استنزاف هذا المخزون بسرعة.

كل صاروخ اعتراضي يُستخدم لاعتراض هجوم في الشرق الأوسط يُسحب عملياً من المخزون الذي يمكن أن يُخصص لجبهات أخرى. وبهذا المعنى فإن كل عملية اعتراض صاروخي في هذه الحرب تقلل بصورة مباشرة من عدد الصواريخ المتاحة لدعم الدفاعات الأوكرانية.

تبرز هذه المعادلة بوضوح في حالة منظومات الدفاع الجوي باتريوت التي تشكل أحد الأعمدة الرئيسية في الدفاعات الأوكرانية في مواجهة الطيران الروسي والهجمات الصاروخية. الاستخدام المكثف لهذه الصواريخ في الشرق الأوسط يؤدي إلى استنزاف المخزون الغربي منها بسرعة. كل صاروخ يُستهلك في جبهة الشرق الأوسط يخفف الضغط العسكري على القوات الروسية في أوكرانيا، بينما يمثل بالنسبة لأوكرانيا خسارة مباشرة في الموارد الدفاعية التي تحتاجها بصورة ملحة لحماية المدن والبنية التحتية الحيوية.

في ضوء ذلك يتضح أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط يخلق تداخلاً بين عدة ساحات جيوسياسية في وقت واحد. ارتفاع أسعار الطاقة يمنح روسيا انتعاشاً مالياً كبيراً يخفف أثر العقوبات الغربية، وتعطل جزء كبير من الإمدادات الخليجية نتيجة الإغلاق الحالي لمضيق هرمز يمنح صادراتها النفطية والغازية موقعاً قريباً من الاحتكار في السوق العالمية، واستنزاف الذخائر الدفاعية الغربية في الشرق الأوسط يقلل الموارد العسكرية المتاحة لدعم أوكرانيا.

كما تجدر الإشارة في هذا السياق إلى موقف مهم آخر، وهو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعلن بداية الشهر أن روسيا قد توقف تصدير الغاز إلى أوروبا بشكل فوري كرد محتمل على محاولات الاتحاد الأوروبي فرض حظر على واردات الغاز الروسي، وذلك وسط أزمة الطاقة المتفاقمة بسبب الحرب في إيران.

تعتمد أوروبا بشكل كبير على الغاز الروسي، خصوصًا دول مثل ألمانيا وإيطاليا والنمسا وغيرها. أي توقف مفاجئ سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء بشكل كبير فيها.

أما بالنسبة لروسيا، فالتهديد ليس فقط اقتصاديًا، بل هو ورقة ضغط سياسية على الاتحاد الأوروبي في ظل العقوبات. تبحث القيادة الروسية حالياً في إمكانية إعادة توجيه صادراتها من الغاز نحو آسيا (الصين والهند) لتعويض أية خسائر محتملة. ويزداد هذا التهديد قوة على ضوء الحرب الخليجية.

Back to top button