
العين التي عَمِيت: واشنطن والسودان بين براغماتية الاستخبارات وهندسة الإقليم
المدخل: صكّ الإعدام السياسي ومقامرة “واشنطن”
في التاسع من مارس 2026، لم تكتفِ وزارة الخارجية الأمريكية بإدراج “جماعة الإخوان المسلمين” في السودان على قوائم الإرهاب، بل كانت تخطّ فعلياً ملامح “هندسة قسرية” للمستقبل السوداني. هذا القرار، الذي غُلِّف برداء مكافحة الإرهاب التقني، ليس مجرد إجراء قانوني روتيني؛ بل هو “سلاح سياسي” عابر للحدود، يُستخدم لإعادة تعريف خارطة الشرعية في بلد ينهشه الرصاص منذ أبريل 2023.
بينما يتفتت السودان تحت وطأة حرب وجودية، تبدو واشنطن وكأنها تستخدم “المشرط الأمني” لتشريح جسد منهك أصلاً، متجاهلةً تعقيدات الصراع الجيوسياسي المحموم على ضفاف البحر الأحمر والقرن الإفريقي. إننا لسنا أمام تفعيل لآليات الحرب العالمية على الإرهاب، بل أمام محاولة أمريكية لإعادة تدوير الفاعلين وتطويع المشهد السوداني المضطرب، ضمن رؤية براغماتية ترى في “تفكيك القديم” وسيلة وحيدة لبناء “إقليم مطيع”.
مفارقة الوظيفية: السودان بين الضرورة الأمنية والعزل السياسي
تكمن المفارقة التاريخية في أن العلاقة بين واشنطن والخرطوم لم تكن دائماً محكومة بقطيعة مطلقة، بل خضعت لما يمكن تسميته بـ “البراغماتية الوظيفية”. ففي أعقاب التحولات الكبرى التي شهدها النظام العالمي بعد الحادي عشر من سبتمبر، فُرض على السودان موقع محوري ضمن بنية الأمن الإقليمي والدولي. خلال تلك الحقبة، تحولت الخرطوم إلى “مستودع خبرة” ميداني ومعلوماتي لا يمكن تجاوزه في منطقة القرن الأفريقي ووادي النيل، مما دفع القوى الدولية للتعامل مع المؤسسات السودانية كشريك تقني عابر للأيديولوجيا.
هذه الشراكة، التي وثقتها لاحقاً أروقة صنع القرار في واشنطن والتقارير المرفوعة للكونغرس، لم تكن تحالفاً سياسياً بقدر ما كانت “تبادلاً اضطرارياً للمصالح”؛ حيث استثمرت الأطراف الدولية في المعرفة العميقة التي يمتلكها الجانب السوداني حول تعقيدات شبكات العنف في البيئات الهشة. غير أن هذه العلاقة ظلت محكومة بـ “انفصام استراتيجي” حاد؛ إذ تم الفصل بين “القيمة المعلوماتية” للمؤسسات السودانية وبين “الشرعية السياسية” للنظام الحاكم آنذاك.
لقد أفرز هذا الواقع ازدواجية بنيوية؛ تعاوناً تقنياً وثيقاً في ملفات الاستقرار الإقليمي، يقابله حصار دبلوماسي علني. وهي معادلة تعكس جوهر البراغماتية الدولية التي لا تجد حرجاً في توظيف “الأدوات الأمنية” لدولة ما، مع الاستمرار في عزل “خيارها السياسي”، مما جعل السودان ساحة لتطبيق نموذج فريد من الإدارة الدولية للصراعات: استنزاف الخبرات المحلية في خدمة الأمن العالمي، مع إبقاء الدولة تحت ضغط العزل والوصم الاستراتيجي.
عقيدة “ابوظبي” : إعادة هندسة الإقليم عبر تصفية الإسلام الساسي
هذه الازدواجية خلقت للسودان موقعاً إشكالياً ضمن منطقة رمادية بين الشراكة الأمنية والعزلة السياسية. ومع التحولات الجيوسياسية التي أعقبت ما سمي بـ”الربيع العربي”، تحول هذا الفراغ تدريجياً إلى مساحة مفتوحة لتنافس القوى الإقليمية على إعادة تشكيل موازين القوى. في هذه اللحظة المفصلية، صاغت “ابوظبي” عقيدة أمنية جديدة ترتكز على اعتبار الإسلام السياسي تهديداً استراتيجياً طويل الأمد.
منذ عام 2013 وبعد دعم التحول العسكري في مصر، تحولت هذه العقيدة إلى سياسة إقليمية نشطة امتدت لتشمل ليبيا واليمن، وصولاً إلى السودان. لم يكن هذا التوجه مجرد موقف أيديولوجي ضد التيارات الإسلامية، بل كان مشروعاً جيوسياسياً أوسع يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوة في الإقليم عبر بناء شبكات نفوذ تتجاوز مؤسسات الدولة التقليدية. في هذا النموذج، لا تُدار الصراعات فقط عبر الحكومات المركزية، بل عبر توظيف فاعلين عسكريين وشبه عسكريين يمكن استخدامهم لإعادة صياغة التوازنات الداخلية في الدول الهشة، مما يمثل نموذجاً تفكيكياً للدولة الوطنية.
السودان كعقدة جيوسياسية ومحرك للصراعات البنيوية
في هذا السياق، لا يمثل السودان مجرد دولة تعاني من أزمة سياسية داخلية، بل هو عقدة جيوسياسية مركزية في معادلة البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فموقعه الجغرافي الاستراتيجي يربط بين وادي النيل وشرق إفريقيا وساحل البحر الأحمر، الذي يعد أحد أهم الممرات التجارية والاستراتيجية العالمية. وعليه، فإن الانخراط الإقليمي في المشهد السوداني لم يكن مجرد استجابة ظرفية لأزمة داخلية، بل جزءاً لا يتجزأ من رؤية أوسع تسعى إلى بناء شبكة نفوذ تمتد على طول السواحل والموانئ الاستراتيجية في هذا الممر الحيوي.في مثل هذا السياق، يصبح الاستثمار في الفاعلين العسكريين المحليين أداة فعالة لإعادة تشكيل توازنات القوة داخل الدولة نفسها، مما يؤدي إلى تآكل سيادة الدولة وتفتيت احتكارها للعنف المشروع.
“حميدتي” : الدولة الموازية في مواجهة المركز
ضمن هذه المعادلة المعقدة، برز صعود قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) كأحد أبرز مظاهر التحول في طبيعة السلطة داخل السودان. فقد تحولت هذه القوة، خلال سنوات قليلة، من تشكيل شبه نظامي مرتبط بالدولة إلى فاعل عسكري يمتلك شبكة مالية وإقليمية مستقلة، مدعومة بعوائد تجارة الذهب وشبكات التصدير غير الرسمية.
وقد أشارت تقارير بحثية وإعلامية عديدة إلى الدور المحوري الذي لعبته هذه الشبكات في توفير موارد مالية مستقلة، مكّنت هذه القوات من بناء علاقات إقليمية مباشرة خارج إطار الدولة المركزية. هذا النمط من الاقتصاد الموازي يعكس تحولاً أوسع في طبيعة الصراعات في المنطقة، حيث تتحول الموارد الطبيعية إلى أدوات تمويل للحروب، وتصبح القوى المسلحة قادرة على الاستقلال عن مؤسسات الدولة التي نشأت في ظلها، مما يمثل تحدياً بنيوياً لمفهوم الدولة الحديثة.
حرب الوجود: مواجهة الدولة مع مشاريع التفتيت
عندما اندلعت الحرب في السودان في أبريل 2023، حاولت بعض التحليلات الدولية تبسيط الصراع بوصفه مواجهة بين قوتين عسكريتين متنافستين. غير أن هذا التوصيف يتجاهل البعد البنيوي العميق للأزمة. فالحرب في جوهرها ليست مجرد صراع على السلطة بين جيش نظامي وقوة شبه نظامية، بل هي مواجهة وجودية بين الدولة السودانية ذاتها وبين مشروع يسعى إلى تفكيكها وإعادة تشكيل مراكز القوة داخلها.
إن طبيعة العمليات التي شهدتها العاصمة الخرطوم تقدم دليلاً واضحاً على ذلك؛ فقد تعرضت البنية الإدارية والاقتصادية للدولة لاستهداف واسع النطاق شمل البنوك والمؤسسات الحكومية والبنية التحتية الحيوية. مثل هذه العمليات لا يمكن فهمها فقط في إطار المواجهة العسكرية التقليدية، بل تعكس محاولة ممنهجة لإضعاف مركز الدولة وتحويل الفاعلين المسلحين إلى مراكز قوة بديلة، مما يؤسس لـنموذج جديد من اللادولة أو الدولة الممزقة.
الإسلام السياسي في السودان: تيار الجذور الذي لا تمحوه القرارات
في هذا السياق تبدو القرارات الدولية التي تسعى إلى إعادة رسم المشهد السياسي عبر أدوات التصنيف أقرب إلى محاولة لتبسيط واقع أكثر تعقيداً بكثير. فالتيار الإسلامي في السودان ليس مجرد تنظيم يمكن شطبه بقرار سياسي صادر من الخارج، بل هو تيار اجتماعي وسياسي واسع الجذور تشكل عبر عقود من العمل التنظيمي العميق في الجامعات والنقابات ومؤسسات الدولة.
خلال ثلاثة عقود من الحكم (1989-2019)، راكم هذا التيار خبرة واسعة في إدارة الدولة ومؤسساتها، وطور شبكة واسعة من الكوادر في الإدارة والاقتصاد والتعليم والخدمة المدنية. كما اكتسب خبرة سياسية جعلته أكثر براغماتية وقدرة على التكيف مع التحولات السياسية والاجتماعية. ولهذا، فإن الاعتقاد بإمكانية إخراج هذا التيار من المعادلة السياسية بقرار خارجي لا يعكس سوى قراءة سطحية لطبيعة المجتمع السوداني وبنيته السياسية المعقدة، متجاهلاً بذلك العمق التاريخي والبعد الاجتماعي الذي يتمتع به هذا التيار.
المفارقة الاستراتيجية الأمريكية وغياب المعرفة العميقة.
المفارقة تكمن في أن واشنطن نفسها كانت تدرك هذه الحقيقة خلال سنوات التعاون الأمني الطويلة مع الخرطوم. فقد تعاملت مع مؤسسات الدولة السودانية في ملفات أمنية حساسة، وكانت تدرك حجم النفوذ التنظيمي والسياسي للإسلاميين داخل مؤسسات الدولة والمجتمع. غير أن التحولات التي أعقبت سقوط نظام الإنقاذ دفعت الولايات المتحدة إلى قراءة المشهد السوداني عبر تقارير سياسية ضيقة، كثير منها صاغته دوائر إقليمية لها حساباتها الخاصة في الصراع على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، مما أدى إلى تشوه في الإدراك الاستراتيجي.
اليوم تجد واشنطن نفسها أمام مفارقة استراتيجية واضحة. فالقناة الاستخباراتية التي منحتها لسنوات قدرة نسبية على فهم تعقيدات السودان والقرن الإفريقي اختفت تقريباً بعد انهيار “نظام الإنقاذ” الذي كانت تتعامل معه. ومع اندلاع الحرب وتفكك مركز الدولة، أصبحت الولايات المتحدة أكثر اعتماداً على قراءات توفرها قوى إقليمية أو وساطات سياسية مثل المسار الذي رعته السعودية في جدة.
غير أن هذه القنوات لا تعوض غياب المعرفة العميقة بالبنية الاجتماعية والسياسية للسودان، مما يحد من فعاليتها في صياغة سياسات مستنيرة.
الخلاصة: مقامرة “العين العمياء” وحصاد الرماد
إن ما تمارسه واشنطن اليوم في السودان ليس سياسة، بل هو “مقامرة بالوكالة”. فبينما تظن أنها تعيد رسم الخريطة عبر أدوات التصنيف والإقصاء، فإنها في الحقيقة تشرع الأبواب أمام “تسونامي” من الفوضى العابرة للحدود. إن تجربة السودان المريرة تثبت أن الدول التي تُهدم مؤسساتها تحت ذريعة مكافحة الإرهاب أو إعادة الهندسة الإقليمية، لا تفرز ديمقراطيات ليبرالية، بل تتحول إلى “ثقوب سوداء” تبتلع الأمن الإقليمي وتستنزف استقرار الممرات الدولية. لقد أغمضت واشنطن عينها عن حقيقة أن تفكيك الدولة السودانية لن ينهي خصومها، بل سيخلق فراغاً استراتيجياً لن تملأه إلا الفوضى، ولن يكون البحر الأحمر حينها إلا ساحة لحرائق لا تملك الولايات المتحدة –ولا حلفاؤها– القدرة على إطفائها.
المراجع[1]
“وزارة الخارجية الأمريكية تدرج جماعة الإخوان المسلمين في السودان كمنظمة إرهابية”، بيان رسمي، مارس 2026.
[2] “Sudan, CIA Forge Close Ties, Despite Rights Abuses”, NPR, May 2005. https://www.npr.org/2005/05/02/4627075/sudan-cia-forge-close-ties-despite-rights-abuses
[3] “Official Pariah Sudan Valuable to America’s War on Terrorism”, Los Angeles Times, April 2005. https://www.latimes.com/archives/la-xpm-2005-apr-29-fg-sudan29-story.html
[4] “Sudan: Intelligence Cooperation and Counter-terrorism”, Congressional Research Service (CRS) Reports.
[5] “Securitisation of Islamism in Egypt and Regional Dynamics”, Springer Link, 2024. https://link.springer.com/chapter/10.1007/978-3-031-96459-6_3
[6] “UAE foreign policy and spheres of influence in Africa”, Reuters, 2025.
[7] “Exposing the RSF’s secret financial network”, Global Witness, December 2019. https://www.globalwitness.org/en/campaigns/conflict-minerals/exposing-rsfs-secret-financial-network/
[8] “Final report of the Panel of Experts on the Sudan”, UN Security Council, S/2025/239, April 2025. https://docs.un.org/en/s/2025/239
[9] “Gold and the War in Sudan”, Chatham House / CSF Sudan, March 2025. https://csf-sudan.org/wp-content/uploads/2025/03/2025-03-25-gold-and-the-war-in-sudan-soliman-and-baldo.pdf



