
الاستراتيجية الإيرانية: الاستنزاف العكسي
براون لاند
تقوم المقاربة الإيرانية في هذه المرحلة على إدارة الصراع بإيقاع بطيء ومضبوط، بدلاً من السعي إلى ضربة حاسمة سريعة. الفكرة الأساسية بسيطة: إطلاق ضربات صاروخية محدودة على فترات متباعدة، بما يُبقي الخصم في حالة استنفار دائم، ويضع جبهته الداخلية تحت ضغط مستمر.
هذا النمط يعتمد على الجمع بين قرار مركزي واضح وتعدد في جهات التنفيذ. الجيش، الحرس الثوري، وقوى حليفة، جميعها تعمل ضمن إطار واحد، لكن بأساليب مختلفة وتوقيتات متغيرة. هذا التعدد يمنح مرونة عالية ويجعل من الصعب على الخصم فهم النمط أو التنبؤ به.
مع الوقت، تتحول الضربات من مجرد عمليات عسكرية إلى أداة استنزاف متراكمة. التأثير لا يقتصر على الخسائر المباشرة، بل يمتد إلى الضغط النفسي الناتج عن الإنذار المستمر، وتعطيل الحياة اليومية، واستنزاف الموارد. كل صاروخ منخفض الكلفة نسبياً يدفع الخصم إلى استخدام وسائل اعتراض باهظة، ما يخلق فجوة مستمرة في الكلفة.
على مستوى الدفاع الجوي، المشكلة ليست في ضربة واحدة، بل في الاستمرارية. الأنظمة المتقدمة يمكنها التعامل مع موجات محدودة، لكنها تتعرض للإرهاق عندما يصبح التهديد متكرراً وغير قابل للتنبؤ. ومع تنويع الوسائط بين صواريخ ومسيّرات، تتعقد عملية بناء رد دفاعي ثابت.
هذا الأسلوب لا يحقق حسمًا سريعًا. هو يقوم على الزمن، وعلى القدرة على التحمل. لذلك يبقى عرضة لمحاولات التكيّف من الطرف الآخر، سواء عبر تطوير وسائل اعتراض أقل كلفة أو عبر التكيف مع الضغط النفسي. كما أن استمراره مرتبط بقدرة سياسية على الصبر وتحمل الضغوط.
البعد الأوسع يظهر في محاولة نقل الصراع إلى مستوى يتجاوز الطرفين المباشرين. توسيع نطاق التأثير ليشمل الممرات البحرية والطاقة يرفع كلفة الحرب على أطراف أخرى، ويحوّلها إلى مسألة ذات تأثير دولي. عند هذه النقطة، لا يعود الضغط موجهاً فقط إلى الخصم، بل إلى البيئة المحيطة به أيضاً.
بهذا الشكل، لا تُقاس فعالية هذه الاستراتيجية بحجم الدمار الذي تُحدثه، بل بقدرتها على إبقاء الصراع مفتوحاً، وإجبار الخصم على دفع كلفة مستمرة، والعمل تحت ضغط دائم.
وفي الوقت ذاته، لا تخلو هذه الاستراتيجية من عنصر المفاجآة، أي استخدام وسائل عسكرية جديدة لم يسبق أن دخلت المعركة. وفي الأيام الأخيرة قامت إيران بالفعل بعدد من مثل هذه المفاجآت التي سنتطرق إليها في تقرير منفصل.



