
لماذا تفشل أقوى القنابل الأمريكية في اختراق “مدن الصواريخ” الإيرانية؟
براون لاند
قصفت الولايات المتحدة قاعدة “الإمام الحسين” للصواريخ جنوب يزد في إيران ثلاث مرات خلال ثلاثة أسابيع (1، 6، 17 مارس). وفي 20 مارس، انطلقت صواريخ من المجمع نفسه، ما يثبت أن القاعدة لا تزال تعمل رغم القصف الأمريكي المتكرر، ويعني أن الضرر الذي لحق بها لم يمنعها من أداء مهامها. فكيف نجحت بذلك؟
السر يكمن في شبكة أنفاق تمتد لمئات الكيلومترات، محفورة على أعماق تصل إلى مئات الأمتار داخل الجرانيت الجبلي الصلب.
منذ قيام الثورة، واجهت إيران عداءً غربياً أمريكياً حال دون تطوير سلاح جوي فعال أو الحصول على منظومات دفاع جوي حديثة. فاتجهت مبكراً إلى التدرع بالأرض.
وقد شمل ذلك بُعدين: دفاعياً لحماية المنشآت الاستراتيجية، وهجومياً لإخفاء المنصات والصواريخ بعيدة المدى. فمنشآت الإنتاج ومخازن الصواريخ وقواعد الإطلاق الإيرانية ليست مباني ظاهرة للعيان يمكن تدميرها بالقصف الجوي المكثف كما توهّم الأمريكيون، بل هي مدن كاملة بشبكة مواصلات معقدة نُحتت أسفل الجبال.
وقد أمضى الحرس الثوري عقوداً منذ قيام الثورة في حفر مئات الكيلومترات من شبكة أنفاق معقدة داخل سلاسل الجبال جنوب يزد، وشرق طهران (خجير وبارشين)، وفي شاهرود وأصفهان وربما مناطق أخرى (بعض المنشآت تظل غير عروفة تماماً للجهات المعادية).
تُظهر تحليلات الأقمار الصناعية الأمريكية وجود مداخل مخفية وأخرى ظاهرة، لكنها لا تكشف عن أنظمة معقدة من السكك الحديدية الممتدة تحت الأرض تنقل الصواريخ بين عشرات المخارج الخفية المحصنة دون الحاجة إلى الظهور على السطح.
استهدف الأمريكيون مداخل الأنفاق عدة مرات، لكنهم في كل مرة يُصابون بالإحباط بعد عودة الإطلاق من المواقع نفسها تقريباً. حين تُقصف فتحة نفق، لا يُشلّ عمل المنشأة؛ إذ يتم الإطلاق من مخرج آخر، وبعد الإطلاق ينتقل النشاط إلى مخرج ثالث.
لكل مجمع صاروخي مهمات محددة ومواقع معينة، ولكل مجمع من مجمعات الإطلاق عشرات المخارج التي جرى تدعيمها وتمويهها بالتربة لامتصاص الضربات، مع قدرة على إعادة فتح الممرات من الداخل.
أكبر تحدٍ بالنسبة لإيران كان قنبلة GBU-57 (MOP) التي تعتبر أضخم قنبلة خارقة للتحصينات في العالم، قادرة نظرياً على اختراق نحو 60 متراً من الخرسانة المسلحة أو 40 متراً من الصخور متوسطة الصلابة، مع تفاوت فعلي بحسب كثافة الطبقات الجيولوجية وبنيتها وزوايا الاختراق.
وكان الأمريكيون يعوّلون عليها لقدرتها الفائقة على اختراق التحصينات. وقد أُلقيت عدة قنابل متتالية منها على مجمع فوردو النووي خلال حرب الإثني عشر يوماً في محاولة لتدميره، لكنها فشلت.
فقد تحسّب الإيرانيون مبكراً لهذا السيناريو؛ فلم يقتصر التصميم على شبكة الأنفاق، بل جرى تعميقها بدرجات تتجاوز حدود الاختراق المعروفة لمثل تلك الذخائر. وفي بيئات من الجرانيت الصلب الذي تتكون منه جبال إيران، تنخفض فعالية الاختراق، ما يقيّد تأثير هذه الذخائر الخارقة للأعماق.
تُقدَّر الأجزاء الأعمق من “مدن الصواريخ” الإيرانية بعمق يفوق قدرات الاختراق المتاحة بهامش كبير، ما يجعل الوصول المباشر إلى قلب المنشآت محدوداً. لكن الضربات الأمريكية والإسرائيلية قد تُصيب ما هو ظاهر فوق الأرض، مثل فتحات التهوية والمنصات السطحية، بينما تبقى غرف التجميع ومخازن الصواريخ في عمق الجبال خارج مدى التأثير المباشر.
كذلك اعتمد الإيرانيون تكتيك المنصات المتحركة: شاحنات تبدو اعتيادية، لكنها منصات إطلاق تخرج من الأنفاق، تطلق الصاروخ، ثم تنسحب أو تغيّر موقعها خلال دقائق. المنصة المتحركة يصعب رصدها، فيما تبقى الصوامع الثابتة أكثر عرضة للاستهداف.
صمود المنظومات المرتبطة بيزد ومناطق أخرى نابع من صلابة الصخور العميقة التي تتجاوز في كثير من الحالات قدرة الرؤوس الحربية المصممة للاختراق.



