براون لاند – عربيمقالات

امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في ظل الأزمة: نبراس للوحدة والصمود والتعافي التعليمي

السفير/ مبارك محجوب موسى

في أجواء اتسمت بالهدوء والانضباط، ومفعمة بترقب مشوب بالأمل في مستقبل أفضل، انطلقت امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في الثالث عشر من أبريل الجاري . حيث يجلس لأدائها أكثر من 600 ألف طالب وطالبة، موزعين على 3,333 مركزًا داخل السودان، إضافة إلى 333 مركزًا خارج البلاد.

إن الزيادة الملحوظة في أعداد الجالسين لهذا العام مقارنة بالسنوات السابقة، تعكس بجلاء مؤشرات إيجابية على الاستقرار، وتعافيًا ملحوظًا في قطاع التعليم، لا سيما بعد العدوان الوحشي والإرهابي ضد البلاد في أبريل 2023، والذي استهدف بشكل مباشر البنية التحتية، وفي مقدمتها المؤسسات التعليمية.

وهنا في عاصمة جمهورية جنوب السودان ، شهد مركز الامتحانات حضورًا رسميًا رفيع المستوى، تقدمه سفير السودان لدى جنوب السودان، إلى جانب عدد من المسؤولين في وزارة التعليم العام بجمهورية جنوب السودان، حيث عبّر الجميع عن تقديرهم لحسن التنظيم والجهود الكبيرة المبذولة لإنجاح هذا الحدث التعليمي المهم.

تجدر الإشارة إلى أن نحو 1,330 طالبًا وطالبة يجلسون للامتحانات في مركز جوبا هذا العام ، يشكل طلاب جنوب السودان الغالبية وسطهم، وهو ما يعكس عمق التعاون والتكامل بين البلدين في المجال التعليمي، وتحد للتحديات الاستثنائية التي تفرضها الظروف الراهنة.

ان هذا الإنجاز لم يكن ليتحقق لولا المبادرة الكريمة من حكومة السودان، والتي وللعلم الثاني على التوالي، خفّضت رسوم الامتحانات بصورة استثنائية لجميع طلاب جنوب السودان بنسبة 90٪، تقديرًا منها للظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها جمهورية جنوب السودان، وتجسيدًا للعلاقات الاجتماعية المتينة والروح التضامنية بين البلدين.

وبذات روح التضامن، يجلس أكثر من 1,200 طالب وطالبة من لاجئ جمهورية جنوب السودان بجمهورية السودان لامتحانات هذا العام بمدينة كوستي السودانية، بما يؤكد الطابع التبادلي للدعم بين السودان وجنوب السودان، ويبرز كيف يتجاوز التعاون التعليمي الحدود والتحديات الإنسانية، معززًا الصمود المشترك والمسؤولية المتبادلة.

ولا يفوتنا هنا أن نشيد بالدعم الكبير الذي قدمته حكومة وشعب جمهورية جنوب السودان، والذي كان له بالغ الأثر في تجاوز التحديات وضمان نجاح سير الامتحانات، في تجسيد عميق لروابط الأخوة وروح التعاون بين البلدين الشقيقين.

ولعل أكثر ما يبعث على الإلهام في امتحانات هذا العام بجوبا، هو الاستقبال والاستضافة اللافتة للطلاب السودانيين القادمين من ولايات دارفور، في مشهد يجسد وحدة السودان وسلامة أراضيه. فقد وصل بعض هؤلاء الطلاب، وبعد رحلة برية امتدت لايام، وصلو قبيل ساعات قليلة من بدء الامتحانات، ولكنهم مع ذلك وجدوا كافة الترتيبات اللازمة التي مكنتهم من الجلوس للامتحان دون تأخير.

وفي لفتة إنسانية تعكس الرسالة العميقة للتعليم، وفرت سفارة السودان في جوبا، وبالتنسيق مع مدارس الأحلام بجوبا ، وفرت لهؤلاء الطلاب القادمين من دارفور، المأوى و الآمن والإقامة وحتى الوجبات، وبما يمكنهم من مواصلة مسيرتهم التعليمية ، والتغلب على الظروف التي حالت دون جلوسهم للامتحانات داخل السودان في الأعوام الماضية، فاتحة أمامهم طريقًا جديدًا نحو مستقبل أكثر إشراقًا.

وعلى حد وصف الكاتب الصحفي الاستاذ حسن جعفر ، فإن المشهد الملحمي لتدفق الطلاب من ولايات دارفور وكردفان، متجاوزين الصعاب والتحديات اللوجستية لأداء امتحاناتهم في الدول المجاورة والولايات الآمنة، يعد دليلاً قاطعًا على أن هذه الشهادة السودانية ستظل تمثل “العروة الوثقى” التي تجمع شتات الوطن في بوتقة واحدة.

لقد حمل هؤلاء الطلاب أقلامهم، ومعها إرادة جيل كامل، يرفض أن يُكتب تاريخه بفوهات البنادق، ويصر على أن يُكتب بنور العلم والمعرفة.

وفي الختام، فإن النجاح والتنظيم المحكم لهذه الامتحانات يبعث برسالة قوية إلى العالم مفادها أنه رغم الجراح، لا يزال السودان يمتلك البوصلة التي تهدي أجياله نحو الأمل والنور.

إن الشهادة السودانية ستظل “ انشودة عبور” تعلو فوق ضجيج الفوضى، ودليل صادق على أن الأمة التي تكرم التعليم وتحمي مدارسها هي أمة عصية على الانهيار، وقادرة على النهوض من جديد بكفاءة وعزيمة أبنائها.

Back to top button