
دبي : الرئة التي يتنفس منها الدعم السريع
التوثيق الدولي لشبكة التمويل والتسليح
مقدمة: حرب تُدار من بُعد ألف ميل
بينما تحترق قرى دارفور وتُهجَّر الأسر السودانية من منازلها في الخرطوم وأم درمان، تجري في أروقة شركات دبي الفارهة صفقات تُحدد مسار هذه الحرب أكثر مما تفعله المعارك الميدانية، هذه الصورة – المثيرة للاستنكار والمدعومة بأدلة دامغة من تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان والصحافة الاستقصائية الدولية – تجعل من الإمارات العربية المتحدة لاعباً محورياً في ما بات أحد أشد النزاعات الإنسانية مأساويةً في القرن الواحد والعشرين.
وفق تقديرات مشروع ACLED (مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح والأحداث) الذي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً له، قُتل ما لا يقل عن 59 ألف شخص في السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وتشرّد أكثر من اثني عشر مليون إنسان في أكبر موجة نزوح في العالم، فضلاً عن خمسة عشر مليوناً يعيشون في مناطق تتهددها المجاعة.
أولاً: ما قالته الأمم المتحدة
في يناير 2024، نشر فريق خبراء مجلس الأمن الدولي تقريره الذي أكد وجود «جسر جوي» لنقل الأسلحة من الإمارات إلى قوات الدعم السريع عبر مطار «أمجرس» في شرق تشاد، وقد دعم هذا التقرير لاحقاً بأبحاث مستقلة أجراها «مرصد الصراعات» بتمويل من وزارة الخارجية الأمريكية، خلصت إلى أنه «بشبه يقين» جرى نقل أسلحة إماراتية إلى الدعم السريع عبر تشاد.
وفي أكتوبر 2025، صنّفت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق ما ارتكبته قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر بين أكتوبر 2025 وما سبقه بوصفه يحمل «سمات الإبادة الجماعية»، مستندةً إلى ما وصفته بـ«الدعم الخارجي الذي مكّن هذه القوات من تنفيذ انتهاكات جماعية»، وفي أبريل 2026، أكدت منظمة «ريفيوجيز إنترناشيونال» وجود «أدلة جديدة دامغة» على استمرار الإمارات في تسليح الدعم السريع بما فيها نشر مرتزقة كولومبيين عملوا طيارين للطائرات المسيّرة وأساتذة عسكريين في الفاشر لحظة سقوطها.
ثانياً: شبكة الشركات الواجهة
لا تُدار شبكة الدعم العسكري والمالي بشكل مكشوف، بل عبر منظومة من الكيانات التجارية التي ترصدها تقارير الخبراء الأمميين وقرارات الخزانة الأمريكية، وتبرز في هذا السياق شركة «الجنيد» للأنشطة المتعددة التي يعدّها الخبراء «العمود الفقري» لثروة آل دقلو؛ إذ تسيطر على مناجم الذهب في جبل عامر وتُصدّر عائداتها إلى دبي لاستخدامها في شراء الأسلحة وقد أدرجتها كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على قوائم العقوبات.
وعلى الشاكلة ذاتها، تعمل شركة «ترايدف للتجارة العامة» المقيمة في دبي، والتي يسيطر عليها القوني حمدان دقلو شقيق قائد الميليشيا، والمتهمة باستيراد سيارات بيك-آب تُعاد تهيئتها لاستخدامها مركبات قتالية، فضلاً عن أجهزة اتصالات عسكرية وطائرات مسيّرة، وفي عام 2025، مددت الأمم المتحدة نظام العقوبات الخاص بالسودان وحظر الأسلحة حتى سبتمبر 2026، في حين طالبت منظمات حقوقية بتوسيع هذا الحظر ليشمل سائر أراضي السودان.
ثالثاً: الذهب السوداني يُموّل حرب السودانيين
ثمة مفارقة مؤلمة تكشف عنها التقارير المالية: فثروات السودان الذهبية، التي كان يُفترض أن تكون رافداً للتنمية والرخاء، تحوّلت إلى وقود لحرب إبادة، وقد كشف البنك المركزي السوداني أن نحو 97 بالمئة من صادرات الذهب الرسمية من المناطق التي يسيطر عليها الجيش في عام 2024 ذهبت إلى الإمارات بقيمة بلغت ملياراً وخمسمائة وعشرين مليون دولار أما في مناطق الدعم السريع فالأمر أشد وطأة، إذ يُهرَّب الذهب خارج أي إطار رقابي رسمي.
وقد رصد البرلمان الأوروبي هذا الملف بعين ناقدة، مطالباً بمراقبة صارمة لشبكات تهريب الذهب السوداني إلى دبي ومعتبراً أن «ذهب السودان يُموّل حرب الدعم السريع»، بينما وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش الإمارات بأنها تُوفّر «شريان الحياة العسكري والمالي» لمليشيا متهمة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
رابعاً: الصحافة العالمية ودورها في كشف الستار
تتوافق كبريات المؤسسات الإعلامية العالمية على توثيق هذا الدور الإماراتي بصورة غير مسبوقة. فقد نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» صوراً التقطتها أقمار اصطناعية تُظهر طائرات شحن إماراتية في مطار «أمجرس» التشادي، ووثّقت «وول ستريت جورنال» وصول أسلحة نوعية متطورة للمليشيا في أكتوبر 2025، فيما كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية في مارس 2026 عن تورط شركات طيران أفريقية وسيطة، وركّزت «الغارديان» البريطانية على ملف «الذهب الملطّخ بالدماء» وآليات غسيله في أسواق دبي.
وفي أبريل 2026، نشرت مجموعة «كونفليكت إنسايتس» تقريراً دقيقاً استخدمت فيه بيانات الهواتف لتتبّع خمسين جهازاً استخدمه مرتزقة كولومبيون بين أبريل 2025 ويناير 2026، أظهرت وجودهم في نقاط تمركز تشمل منشأة تدريب عسكرية في أبوظبي، في ما وصفه معدّو التقرير بأنه «رابط مباشر بين أبوظبي وقوات الدعم السريع».
خامساً: الموقف الإماراتي والردّ الدبلوماسي
تنفي الإمارات هذه الاتهامات جملةً وتفصيلاً، وقد نشرت سفارتها في واشنطن بياناً في ديسمبر 2025 أكدت فيه أن «تقرير لجنة الخبراء الأممية الصادر في أبريل 2025 لا يتضمن أدلة موثّقة على دعم إماراتي لأي طرف»، مضيفةً أن جهودها في السودان تنحصر في «العمل الإنساني ودعم جهود السلام»، كما أعلنت في فبراير 2026 عن تعهد بخمسمائة مليون دولار لدعم المنظومة الإنسانية الأممية.
بيد أن المنظمات الحقوقية وصفت هذا التعهد الإنساني بأنه «غسيل المساعدات» (Aid-washing)، مشيرةً إلى أن الضرر الذي تتسبب فيه الإمارات للمدنيين السودانيين – بالتمويل والتسليح والمرتزقة – يتجاوز بمراحل ما تقدمه من مساعدات إنسانية، وقد تقدمت السودان في مارس 2025 بشكوى ضد الإمارات أمام محكمة العدل الدولية، وإن كانت المحكمة لم تقبل الطعن بالولاية القضائية بسبب تحفظ إماراتي على اتفاقية الإبادة الجماعية.
خاتمة : حين يصبح الحياد جريمة
المجتمع الدولي أمام استحقاق أخلاقي وقانوني واضح: لا يمكن للدول والمؤسسات الدولية أن تُلزم السودانيين بالسلام بينما تسمح لدولة عضو فيها بأن تُغذّي الحرب، الاستثناءات الدبلوماسية والتوازنات الاقتصادية مع الإمارات لا تُبرر التقاعس عن اتخاذ إجراءات رادعة، وبينما تواصل الأمم المتحدة تجديد حظر الأسلحة وتُصدر تقاريرها، يواصل المدنيون السودانيون دفع الثمن وحدهم.



