
الاتجار بالبشر وتهريب الضحايا السودانيين: شبكات الاتجار من دارفور إلى النيجر والكاميرون
براون لاند — فريق التحقيق الاستقصائي
رصد فريق التحقيق الاستقصائي في براون لاند خلال الفترة الممتدة من أواخر عام 2025 وحتى مايو 2026 نمطاً منظماً ومتصاعداً من عمليات الاتجار بالبشر الناجمة عن النزاع المسلح في السودان، وتتمحور هذه العمليات حول اختطاف النساء والفتيات من مناطق الصراع في غرب السودان ، ثم نقلهن عبر مسارات تهريب متشعبة وممنهجة تعبر الحدود السودانية نحو تشاد، ثم تتفرع إلى النيجر والكاميرون.
يستند هذا التقرير إلى مواد توثيقية جمعها فريق التحقيق في براون لاند، تشمل: شهادات ميدانية لمواطنين تشاديين ونيجريين، وتصريحات الأمين العام للمجلس القومي للطفولة السودانية، ومعطيات منظمتَي المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، فضلاً عن تقارير منظمات حقوقية محلية في النيجر وتشاد والكاميرون.
| وثّق فريق التحقيق في براون لاند حالات بيع ما لا يقل عن 350 فتاة سودانية في النيجر والكاميرون ومناطق حدودية بين السودان وتشاد، وفق تصريح الأمين العام للمجلس القومي للطفولة السودانية |
السلطات والمنظمات الدولية المعنية بملف الاتجار والهجرة في النيجر
1/ الحكومة النيجرية والأجهزة الأمنية
تحتفظ اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر (ANLTP) في النيجر بملفات موثقة تتعلق بنشاط شبكات التهريب العابرة للحدود مع تشاد. ورصدت الأجهزة الأمنية في منطقتَي ديفا وأغاديز تدفقاً منتظماً لشاحنات مغلقة قادمة من ليبيا وتشاد تحمل مهاجرين وضحايا اتجار؛ وقد ضُبطت خلال هذه الفترة عدة شبكات تضم أفراداً من جنسيات سودانية وتشادية.
وعلى الصعيد الإقليمي، تتبادل النيجر — بوصفها عضواً في تحالف دول الساحل — معلومات استخباراتية تتعلق بحركة المليشيات العابرة للحدود. غير أن التحرك الرسمي يظل مقيداً بسبب الحساسيات السياسية المرتبطة بملف قوات الدعم السريع وعلاقاتها القبلية العميقة في المنطقة.
2/ المنظمات الدولية (IOM & UNHCR)
• المنظمة الدولية للهجرة (IOM): تدير مراكز عبور في أغاديز وديفا، ووثّقت حالات لضحايا سودانيات أُنقذن من مخازن المهربين أو وُجدن في الصحراء بعد تعرضهن للاستغلال.
• مفوضية اللاجئين (UNHCR): ترصد نقل فتيات مختطفات تحت غطاء صفة اللاجئة للتمويه، وتعمل على فرز ضحايا الاتجار عن طالبي اللجوء العاديين عبر مقابلات الحماية المتخصصة.
• وثّق فريق التحقيق في براون لاند حالات لفتيات فُقدن في الخرطوم وولاية الجزيرة، وظهرن لاحقاً في النيجر وجرى تسجيلهن في مركز نيامي للجوء.
3/ منظمات المجتمع المدني النيجري
رصدت المبادرات النسوية في نيامي بلاغات تكشف عن وجود فتيات سودانيات يعملن في ظروف سخرة منزلية داخل منازل شخصيات ثرية أو مرتبطة بالمليشيات، مما يُثبت وصول الضحايا فعلياً إلى العاصمة والمدن الكبرى. كما ترصد جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان (ANDDH) ملفات المفقودين والمحتجزين قسراً في المناطق الحدودية.
مسارات التهريب والجغرافيا العملياتية
رسم فريق التحقيق في براون لاند خريطة تفصيلية للمسارات التي تسلكها شبكات التهريب، وهي مسارات قديمة كانت تستخدم أصلاً لتهريب السلاح والمخدرات وجرى تحديثها لتهريب الضحايا:
المسار الأول : من السودان إلى تشاد
• وادي كجا: الشريان الرئيسي من مدينة الجنينة نحو الحدود التشادية.
• وادي باري: مسار وعر يُستخدم للالتفاف حول نقاط التفتيش الرسمية.
• منطقة أديكونج: قرية حدودية سودانية تعمل كنقطة تجميع رئيسية قبل العبور.
المسار الثاني : داخل تشاد (العبور والترانزيت)
• منطقتا بيضا وهيريبا: قرى حدودية تشادية تُستخدم لإخفاء الضحايا في مخازن تقليدية.
• وادي أم شالوبا: مسار صحراوي للتحرك شمالاً نحو النيجر أو غرباً نحو بحيرة تشاد.
• قرية أمدجراس: وديانها المحيطة بها تُستخدم كممرات للشاحنات حاملة المختطفين.
• منطقتا باغا سولا وبول: تضمان مخازن سرية لاحتجاز الضحايا قبل شحنهن إلى النيجر.
المسار الثالث : نحو النيجر
• منطقة ديفا: مركز حدودي نيجري يقع على حافة بحيرة تشاد، يُستخدم لفرز الضحايا قبل نقلهم إلى أغاديز.
• وادي تلمس: مسار صحراوي بين شمال تشاد وشمال النيجر، بعيداً عن الطرق المعبدة.
• قرية انغيغمي (N’guigmi): المحطة الأولى لدخول الضحايا إلى النيجر، ووديانها الجافة نقاط تجميع للشاحنات.
المسار الرابع : نحو الكاميرون عبر بحيرة تشاد
• ممر دوايا: ممر مائي ضيق بين الجزر التشادية والنيجرية يُستخدم ليلاً لنقل الضحايا في قوارب صغيرة.
• منطقة بلترايم: منطقة تقاطع حدودي ثلاثي (تشاد، النيجر، الكاميرون) تُعرف بـ’منطقة التجارة الحرة’ للعصابات والمليشيات.
• قرية كايغا (Kaïga): البوابة الكاميرونية لدخول الضحايا، يُخفى فيها الضحايا وسط مزارع الأرز والمستنقعات.
• وديان مايو لوتي: طرق برية طبيعية تُستخدم للوصول إلى مدينتَي مروة وغاروا في الكاميرون.
بحيرة تشاد — الثغرة الأمنية الكبرى
تمثل بحيرة تشاد بجزرها الأكثر من 2000 جزيرة ‘الثقب الأسود’ الذي تختفي فيه آثار مئات الضحايا. ووثّق فريق التحقيق في براون لاند آليات التهريب داخل البحيرة وحولها:
• نظام الجزر المعزولة: ينتقل الضحايا من جزيرة إلى أخرى بقوارب صيد صغيرة، وفي كل جزيرة وكيل من المجموعات القبلية (الفولاني أو البودوما) للحماية والتموين.
• غابات البابيروس والمستنقعات: ممرات ضيقة شُقّت داخل الغطاء النباتي الكثيف لا تعرفها إلا القبائل المحلية، مما يُعيق الرصد الجوي.
• التمويه بسوق الأسماك: يُنقل الضحايا في قوارب محملة بالأسماك المجففة، ويُجبرن على الاختباء تحت الشباك أثناء المرور قرب نقاط المراقبة.
• خور يوبيه: يمثل الحدود بين النيجر ونيجيريا ويصب في البحيرة، ويُعد مساراً رئيسياً بعيداً عن الرقابة الرسمية.
يُفضي التداخل بين نفوذ جماعة بوكو حرام في الجانب النيجيري والكاميروني، ومليشيات الدعم السريع عبر حلفائهم، إلى ما يصفه التقرير بـ’الفوضى المنظمة’ التي تُيسّر مرور قوافل التهريب مقابل دفع إتاوات.
“تنشط في هذه المسارات مكونات قبلية عابرة للحدود تمتلك معرفة جغرافية عميقة بالمنطقة وروابط اجتماعية ممتدة عبر دول الساحل، وتضطلع بأدوار متكاملة تشمل التأمين العسكري والحماية الميدانية من جهة، والتوجيه اللوجستي ومعرفة المسارات الصحراوية والمائية من جهة أخرى. ويُفضي هذا التكامل إلى منظومة تهريب متماسكة تعبر الحدود بسلاسة مستفيدةً من الغطاء الاجتماعي والجغرافي في آنٍ واحد.”
أشكال الاستغلال الموثقة:
• الاستغلال الجنسي (السبي) النمط الأكثر شيوعاً، حيث يُعتبر المختطفات ‘سبايا’ أو ‘ملك يمين’ ويُتاجر بهن داخل وخارج السودان.
• العمل القسري (السخرة المنزلية) إجبار الضحايا على الخدمة المنزلية الشاقة دون أجر وتحت التهديد المسلح في دول الجوار.
• العمل في مناجم الذهب وثّق فريق التحقيق في براون لاند حالات إجبار الضحايا على العمل في مناطق التنقيب العشوائي عن الذهب شمال النيجر وتشاد، بما يوفر تمويلاً للمليشيات.
• أسواق البيع المفتوح احتجاز المختطفات في معسكرات أو ‘زريبات’، ثم عرضهن للمساومة: إما دفع فدية ضخمة أو البيع أو الترحيل عبر الحدود.
خطر الاتجار في مخيمات اللاجئين — معسكر أفتيت بإثيوبيا:
لا تقتصر المخاطر على مسارات التهريب عبر تشاد والنيجر؛ إذ رصد فريق التحقيق في براون لاند حوادث متصاعدة الخطورة داخل مخيم أفتيت في إقليم أمهرا الإثيوبي، الذي يأوي نحو 2500 لاجئ سوداني. تعرضت ثلاث لاجئات سودانيات لمحاولة اختطاف داخل المعسكر عند خروجهن لجمع الحطب، فاعترضهن مسلحون حاولوا اقتيادهن بالقوة. أطلق المهاجمون أعيرة نارية في الهواء وهددوا بالعودة قبل انسحابهم، ولم يُوقف أيٌّ منهم. سبق ذلك هجوم بسلاح أبيض على امرأة داخل منزلها في المعسكر، وكان ذلك الهجوم السادس من نوعه خلال الفترة الأخيرة. كما أوقفت السلطات الإثيوبية أحد أعضاء اللجنة المركزية للاجئين في المعسكر على خلفية توترات أمنية.
وصل وفد يُرجَّح أنه تابع للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى مدينة شهيدي المجاورة للمعسكر لتقييم الوضع الأمني، دون صدور بيان رسمي حتى الآن.
عوائق الملاحقة والتدخل الرسمي:
| الصحراء الشاسعة بين تشاد والنيجر (وادي تلمس) تعذر مراقبتها بالكامل | وعورة التضاريس |
| انتماء المهربين لقبائل ذات ثقل في النيجر يوفر حماية اجتماعية ويُخفي الضحايا داخل المجتمعات | التغلغل القبلي |
| دفع مبالغ ضخمة لوسطاء محليين لتمرير الشاحنات تحت غطاء التجارة العادية | الفساد الحدودي |
| أحراش البابيروس والمستنقعات تحول دون الرصد الجوي بالطائرات المسيرة والأقمار الصناعية | الغطاء النباتي |
| اشتراط دفع إتاوات لجماعة بوكو حرام لضمان مرور الشاحنات عبر ممراتها في حوض البحيرة | تداخل النفوذ المسلح |
خلص فريق التحقيق الاستقصائي في براون لاند إلى أن عمليات الاتجار بالبشر القادمة من مناطق النزاع السوداني تتسم بالتنظيم العالي والمنهجية، وتعتمد على بنية تحتية لوجستية راسخة تشمل شبكات قبلية عابرة للحدود، ومسارات جغرافية محددة، وآليات تمويه متطورة.
أعدّ هذا التقرير فريق التحقيق الاستقصائي في براون لاند بناءً على معطيات ميدانية وشهادات موثقة وتصريحات مسؤولين معنيين، يسعى التقرير إلى توثيق الجرائم الموصوفة بالدليل الميداني، ويُرفع إلى الجهات الحقوقية والدولية المعنية لاتخاذ الإجراءات المناسبة. تحتفظ براون لاند بحقوق النشر الكامل لمحتوى هذا التقرير.



