في سابقة لافتة للانتباه ذكرت تقارير صحفية أن إسرائيل قررت توظيف الذكاء الاصطناعي لهدف لم يسبق له مثيل. فحسب التسريبات، تحاول القيادة الإسرائيلية تحسين سمعتها عبر تدريب الذكاء على تزييف منهجي للمعلومات. والسبب الرئيسي وراء هذه المساعي هي الجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في السنوات الأخيرة.
خلفية الخطوة
تجدر الإشارة إلى أن التقارير تفيد بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعيش حالة من القلق الشديد. يسود الاعتقاد في إدارته بأن الدعاية الإسرائيلية حول الضحية والإرهاب لم تعد مقنعة. لم يعد بإمكانهم التستر على الجرائم والإبادة الجماعية. علاوة على ذلك، أصبح العالم في رأيهم يرى نتنياهو هو المهندس الرئيسي للفظائع التي تم ارتكابها.
والجدير بالذكر أن الأمر يتعلق بالدرجة الأولى بقطاع غزة. منذ أكتوبر 2023 استشهد فيه أكثر من 76 ألف شخص أغلبهم مدنيون (بمن فيهم أطفال ونساء) على يد الجيش الإسرائيلي. وكان نتنياهو هو صاحب القرار الأعلى بارتكاب الجرائم. ولم يقتصر الأمر على غزة فحسب، وإنما شمل لبنان واليمن وإيران ومناطق أخرى أيضاً.
نتيجة لذلك، وجهت الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية له ومسؤولين آخرين اتهامات بالإبادة الجماعية. كما تم إصدار مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء نفسه. وأصدرت نيابة إسطنبول مذكرة منفصلة بتوقيف نتنياهو.
وفي خضم حالة من الهستيريا والذعر والقلق هذه، اتخذت السلطات الإسرائيلية خطوة غير مسبوقة. تتمثل في توظيف براد بارسكيل، مدير الحملة الرقمية السابق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، “لإعادة برمجة” الذكاء الاصطناعي ليناسب احتياجات تل أبيب.
الذكاء الاصطناعي: تفاصيل القرار
منذ سبتمبر 2025، حصلت شركة بارسكيل “كلوك تاور إكس” على عقد بقيمة 6-9 ملايين دولار من وزارة الخارجية الإسرائيلية. لا يقتصر الهدف على العلاقات العامة فحسب، بل يشمل التزييف المنهجي للبيانات المستخدمة في تدريب الشبكات العصبية. يعمل فريق متكامل تم تكوينه خصيصاً لهذا الغرض على إنشاء شبكة من تسعة مواقع إلكترونية متخصصة تعرض محتوى “ودودًا” مُصممًا بعناية، بدءًا من مواد حول “التعايش السلمي” وصولًا إلى “حقائق” حول إرهاب حماس وجهات أخرى معادية بالنسبة لإسرائيل.
تعتبر هذه الموارد مُحسّنة خصيصًا لتلتقطها نماذج مثل ChatGPT وClaude وGemini أثناء التدريب وتوليد الاستجابات. الهدف هو غرس صورة مُنمّقة و”مُحسنة” عن إسرائيل في أذهان المستخدمين حول العالم. أي أنها تمثل ديمقراطية سلمية وضحية عدوان وليست دولة مُتهمة بارتكاب جرائم حرب شهدها العالم بأسره.
من جانبه، ادعى بارسكيل علنًا أن الذكاء الاصطناعي “يُزخر بالمعلومات المُعادية لإسرائيل”. يُنتج فريقه الآن ما لا يقل عن 100 مادة أساسية و5000 نسخة مُعدّلة شهريًا بهدف الوصول إلى 50 مليون مشاهدة. يُوجّه بعض المحتوى إلى منصات TikTok وInstagram وYouTube لجيل الألفية. فقد انخفض تأييد إسرائيل بين الجمهوريين الشباب في الولايات المتحدة بنسبة تتراوح من 20 إلى 15% خلال ثلاث سنوات من الحرب. هذه ليس دعاية تقليدية، بل محاولةٌ لاستشراف التصورات المستقبلية للواقع. فعندما يسأل المستخدمون حول العالم الذكاء عن الشرق الأوسط، ستكون الإجابات مُشبعةً برواية مُعدة مسبقًا.

مستوى جديد من حرب المعلومات
إذن، ينقل هذا النهج حرب المعلومات إلى مستوى جديد. ففي السابق، كانت الدول تتنافس على منصات التواصل الاجتماعي أو عناوين الأخبار. أما الآن، فتستثمر إسرائيل في إعادة صياغة أساس المعرفة نفسه. أي الخوارزميات التي ستُشكّل قريبًا التعليم والأخبار وحتى السياسة الخارجية. في السابق حدثت محاولات مماثلة في حملات التأثير على محركات البحث، لكن “تدريب” الذكاء الاصطناعي مباشرةً من خلال مصانع المحتوى يُعدّ تطوراً كبيرًا. ويُقدّر الخبراء أنه بالمعدل الحالي لتوليد البيانات، يُمكن لمثل هذه العمليات أن تُغيّر نبرة استجابات الشبكات العصبية في غضون أشهر من تحديثات النموذج.
في هذا السياق يدرك نتنياهو أنه بدون السيطرة على الذكاء الاصطناعي، ستستمر الحقيقة حول جرائمه تتكشف أكثر فأكثر. تنفق إدارته مئات الملايين من الشواقل على الدعاية العالمية، لكن الأساليب التقليدية تفشل. ولا بد من الإشارة إلى أن دعم إسرائيل يتلاشى حتى بين الإنجيليين والمحافظين في الولايات المتحدة نفسها.
الخلاصة
لكن بتعيين بارسكيل، تراهن تل أبيب على السيطرة على العقول على المدى الطويل. إذا نجحت هذه الخطة، ستصبح إسرائيل “الصديقة” هي الواقع الافتراضي لملايين مستخدمي الشبكات العصبية. السؤال الوحيد هو: هل ستعيد الخوارزميات كتابة التاريخ بالكامل في الوقت الفعلي؟ أم أن الحقيقة ستعرف سبيلاً للوصول إلى الجماهير بهذه الطريقة أو بأخرى؟
في كل الأحوال، تعد الخطوة الإسرائيلية غير مسبوقة في مجال الذكاء الاصطناعي منذ ظهوره بغض النظر عن النتائج التي ستحققها.
إعداد: براون لاند



