براون لاند – عربيمقالات

من بوصاصو إلى بانغي… كيف تحولت حرب الإمارات في السودان إلى ملف جنائي دولي

عمار العركي

▪️لم يعد الدعم الإماراتي لمليشيا الدعم السريع مجرد حديث أو تسريب إعلامي ، بل وضح للرأي العام الإقليمي والدولي كمشروع متكامل الأركان، تتكشف حلقاته تباعًا من “بوصاصو” في الصومال إلى “بانغي” في افريقيا الوسطى، ومن موانئ البحر الأحمر إلى مطارات دارفور.
▪️فكلما ظن العالم أن خيطًا من خيوط هذه الحرب قد انكشف، ظهرت عقدة جديدة تؤكد أن ما يجري في السودان ليس حربًا داخلية فحسب، بل عملية إقليمية معقدة تُدار عبر شبكات مرتزقة وممرات لوجستية ودول هشة تحولت إلى منصات عبور لمشروع أبوظبي في إفريقيا.
▪️واليوم، تأتي المعطيات الجديدة حول نقل مرتزقة كولومبيين عبر إفريقيا الوسطى إلى نيالا في دار فور ، لتؤكد أن “مشروع بونتلاند الإماراتي” لم يكن سوى بداية شبكة أكبر، تمتد الآن غربًا نحو بانغي، حيث تتحول إفريقيا الوسطى تدريجيًا إلى قاعدة خلفية لإدامة الحرب في السودان وإنعاش المليشيا خاصة بعد الانقسام والتشظي وظاهرة التخوين اضافة لخسائرها الميدانية الثقيلة في دارفور وكردفان.
▪️التقرير الذي كشفه موقع “أفريكا إنتليجنس” لا يُعد تطورًا بالغ الخطورة في طبيعة الحرب نفسها. فنحن هنا أمام عملية منظمة لنقل عناصر قتالية أجنبية ذات خبرة عسكرية عالية، جرى تحريكها عبر مسار جوي معقد يبدأ من المغرب مرورًا بالكاميرون ثم بانغي فبيراو وصولًا إلى نيالا، في عملية تحمل كل ملامح التنسيق الاستخباراتي واللوجستي المحترف.
والأهم من ذلك أن التقرير ربط تمويل هؤلاء المرتزقة بشركة خاصة مقرها الإمارات، ولها صلات موثقة بمسؤولين رفيعي المستوى في أبوظبي، وهو ما يعيد تثبيت الحقيقة التي حاولت الإمارات طمسها طويلًا: أن الدعم السريع لم يكن يتحرك وحده، بل ضمن شبكة إسناد إقليمية ضخمة، تديرها أبوظبي سياسيًا وماليًا ولوجستيًا.
▪️وفي هذا السياق، لعبت التقارير الاستقصائية التي نشرتها صحيفة “براون لاند” دورًا مهمًا في كشف البنية اللوجستية لهذا المشروع، خصوصًا ما يتعلق بحركة السفن والطائرات بين دبي وبوصاصو، ومسارات نقل الحاويات المشبوهة، والوجود المتكرر للمرتزقة الكولومبيين داخل مطار بوصاصو. كما كشفت الصحيفة، عبر بيانات تتبع بحري وصور ميدانية وشهادات محلية، عن تحوّل ميناء بوصاصو إلى منصة إمداد إقليمية مرتبطة مباشرة بشبكات النفوذ الإماراتي في السودان والقرن الإفريقي.
▪️ما يحدث اليوم في بانغي يشبه إلى حد بعيد ما حدث سابقًا في بوصاصو. ذات الأسلوب، وذات الأدوات، وذات الفكرة القائمة على تحويل المناطق الهشة والدول الضعيفة إلى منصات خلفية للحروب بالوكالة. ففي بوصاصو استخدمت الإمارات الموانئ والمطارات والنفوذ المحلي في بونتلاند لبناء ممر إمداد نحو دارفور، واليوم يبدو أنها تعيد إنتاج النموذج نفسه في إفريقيا الوسطى، لكن هذه المرة عبر بوابة بانغي وبيراو.
▪️وهنا تتضح الصورة بصورة أكثر اكتمالًا: الإمارات لا تدعم مليشيا فحسب، بل تبني جغرافيا حرب كاملة حول السودان. شرقًا عبر بوصاصو وخليج عدن. وغربًا عبر بانغي وتشاد والنيجر.
وفي الداخل عبر الدعم السريع وشبكات المرتزقة.
في مسعى واضح لإحاطة السودان وحصاره بحزام لوجستي وعسكري يضمن استمرار المليشيا حتى لو تراجعت ميدانيًا. ولذلك فإن استقدام المرتزقة الكولومبيين في هذا التوقيت تحديدًا لا يبدو منفصلًا عن التطورات العسكرية الأخيرة في دارفور وكردفان ، حيث تلقت المليشيا ضربات قاسية جعلت أبوظبي تبحث عن وسائل عاجلة لإعادة ترميم قوتها القتالية.
▪️ولأن المرتزقة الكولومبيين يُعرفون بخبراتهم في حرب العصابات والقتال غير النظامي، فإن استجلابهم يعكس انتقال الحرب إلى مستوى أكثر تعقيدًا وخطورة، خصوصًا مع تزايد المؤشرات على وجود غرف عمليات خارجية تشرف على إعادة تنظيم المليشيا ميدانيًا.
▪️الأخطر في كل ذلك أن إفريقيا الوسطى نفسها تبدو وكأنها تُسحب تدريجيًا إلى قلب الصراع السوداني. فالعلاقة المتنامية بين بانغي وأبوظبي لم تعد مجرد تعاون اقتصادي أو سياسي، بل بدأت تأخذ أبعادًا أمنية وعسكرية واضحة. زيارات الرئيس تواديرا المتكررة للإمارات، وحالة الاعتماد المالي المتزايد على أبوظبي، فتحت الباب أمام اختراق إماراتي واسع لبنية القرار في إفريقيا الوسطى، بما يجعل البلاد ممرًا مثاليًا للعمليات السرية بعيدًا عن الرقابة الدولية.
▪️وهنا يصبح السؤال الأهم: هل تحولت بانغي إلى النسخة الغربية من بوصاصو؟
كل المؤشرات تقول نعم.
فالذي كان يُدار شرق السودان عبر البحر الأحمر، يجري الآن توسيعه غربًا عبر الساحل الإفريقي. وما بين المسارين، تتدفق الأسلحة والمرتزقة والأموال، بينما يدفع المدنيون في دارفور وكردفان الثمن دمًا وتشريدًا وإبادة.
▪️إن ما جرى ويجرى في دارفور خلال الأيام الماضية لا يمكن عزله عن هذه الشبكات. فالمليشيا التي ترتكب المجازر ليست كيانًا محليًا معزولًا ، بل ذراعًا ميدانيًا لمشروع إقليمي عابر للحدود. وكل مرتزق يصل إلى نيالا، وكل شحنة سلاح تعبر بانغي أو بوصاصو، تتحول في النهاية إلى رصاصة في صدر طفل سوداني، أو قذيفة تسقط على منزل في دارفور او مستشفي في كردفان .
▪️لكن التطور الأخطر الآن أن هذا المشروع لم يعد محاصرًا سياسيًا فقط، بل بدأ يدخل دائرة الملاحقة القانونية الدولية. فالملاحقات التي انطلقت في كولومبيا والولايات المتحدة تكشف أن ملف المرتزقة الكولومبيين لم يعد يُنظر إليه باعتباره “تعاقدات أمنية خاصة”، بل باعتباره نشاطًا يدخل ضمن جرائم الاتجار بالبشر وتمويل الحروب غير المشروعة.
لقد انتقلت “بوغوتا” من مرحلة الإدانة السياسية إلى مرحلة الحرب القانونية المفتوحة، بعد أن صدّق الرئيس الكولومبي “غوستافو بيترو” على قانون يجرّم رسميًا تجنيد الكولومبيين للمشاركة في النزاعات الدولية، ويمنح السلطات صلاحيات واسعة لملاحقة الشركات والوسطاء الضالعين في عمليات التجنيد.
▪️والأهم أن التحقيقات الكولومبية لم تعد تستهدف المقاتلين أنفسهم، بل “الرأس المدبر”؛ أي الشركات والوسطاء والممولين الذين يديرون عمليات التجنيد من أبوظبي ودبي تحت غطاء شركات أمنية خاصة.
▪️كما أن العقوبات الأمريكية التي استهدفت شبكات التجنيد المرتبطة بالإمارات، إلى جانب تقارير الأمم المتحدة حول مسارات نقل المرتزقة عبر ليبيا وتشاد، بدأت تضع المشروع الإماراتي لأول مرة تحت ضغط قانوني ومالي دولي متصاعد.
▪️الأخطر من ذلك أن المحاكم الكولومبية والأمريكية بدأت تعتمد على تسجيلات “واتساب” وبيانات GPS الخاصة بالمقاتلين لإثبات أنهم نُقلوا من دبي إلى ليبيا ثم السودان دون علمهم الحقيقي بطبيعة المهمة، وهو ما يحول القضية من “ارتزاق” إلى “اتجار بالبشر وعبودية حديثة”.
▪️وهنا تتكشف الصورة الكاملة بصورة غير مسبوقة:
ما كان يُقدَّم باعتباره دعماً سياسياً أو تعاونًا أمنيًا، بدأ يتحول تدريجيًا إلى ملف جنائي دولي موثق بالأسماء والشركات والتحويلات المالية ومسارات الطيران.
لقد أصبحت بوصاصو وبانغي وليبيا وتشاد ليست مجرد نقاط عبور، بل أدلة محتملة في أكبر شبكة إمداد عسكري غير نظامي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
▪️وهذا تحديدًا ما يمنح السودان فرصة استراتيجية نادرة. فالمعركة لم تعد فقط في الميدان، بل انتقلت إلى المحاكم، والعقوبات، والرأي العام الدولي.
▪️فالخرطوم اليوم تملك فرصة حقيقية لتحويل ملف المرتزقة من قضية إعلامية إلى قضية قانونية دولية مكتملة الأركان، عبر ربط الدعم الإماراتي مباشرة بجرائم الحرب والانتهاكات الجماعية في دارفور والفاشر.
▪️كما أن هذه التطورات تفتح الباب أمام بناء تحالفات إقليمية جديدة مع الدول المتضررة من تمدد النفوذ الإماراتي، وعلى رأسها تركيا التي تنظر بقلق متزايد إلى محاولات أبوظبي تطويق نفوذها في القرن الإفريقي والساحل.
خلاصة القول ومنتهاه :
▪️رويداً رويداً ، بدأت الصورة تتضح بصورة غير مسبوقة. بوصاصو لم تكن محطة معزولة.وبانغي ليست تفصيلًا عابرًا. والمرتزقة الكولومبيون ليسوا مجرد مقاتلين مأجورين. إنها شبكة حرب متكاملة. ولهذا، فإن المعركة الحقيقية لم تعد فقط في دارفور او كردفان ، بل في الطرق التي تقود إليها، وفي العواصم التي تُدار منها الحرب بصمت، بينما تُترك دارفور لتنزف وحدها

Back to top button