السينما في السودان: صوت سردي يعبر الحدود
لم تكن السينما في السودان سرد عابر للحدود ولم تدخل بوصفها فناً خالصاً، بل جاءت في بداياتها خلال عشرينيات القرن الماضي كأداة ووسيلة وسيلة دعائية وتوجيهية مرتبطة بالسلطة الاستعمارية.
غير أن هذه البدايات، رغم طابعها الهيمني، أسست لوعي بصري جديد. فقد بدأت المدن السودانية، وعلى رأسها الابيض التي شهدت أول عرض سينمائي عام 1910 و الخرطوم وأم درمان وعطبرة، في استقبال العروض السينمائية داخل دور عرض مبكرة مثل سينما كلوزيوم والوطنية. ثم توسعت رقعة وعدد دور العرض السينمائية وظهرت العديد من التكوينات المنظمة و الداعمة ولم تكن هذه الفضاءات مجرد أماكن للترفيه، بل شكلت منصات للتفاعل الاجتماعي وبدايات تشكل الوعي الجمعي بالصورة المتحركة، حيث التقى العمال والطلاب والمثقفون، وانفتحت المخيلة السودانية على عوالم جديدة.
مع اتساع رقعة العرض السينمائي خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بدأت ملامح الإنتاج المحلي تتشكل تدريجياً. ويُعد فيلم “آمال وأحلام” (1969) نقطة تحول مفصلية في تاريخ السينما السودانية، إذ يُنظر إليه كأول فيلم روائي طويل يعكس واقع المجتمع، متناولاً تحولات مدينة عطبرة وحياة الطبقة العاملة فيها. ومن هنا، بدأت السينما تتحول من مجرد وسيلة عرض إلى أداة تعبير وسرد تعكس قضايا المجتمع وهمومه.
ورغم هذه الانطلاقة، واجهت السينما السودانية تحديات مستمرة، تمثلت في ضعف التمويل، وغياب بنية إنتاجية مستقرة، إلى جانب تقلب السياسات الثقافية وتأثيرات الاضطرابات السياسية. وقد أدى ذلك إلى فترات متقطعة من الازدهار والإخفاق، جعلت من السينما مشروعاً غير مكتمل يعاد تشكيله مع كل جيل جديد.
في السبعينيات والثمانينيات، برز جيل من المخرجين الذين سعوا إلى تأسيس لغة سينمائية سودانية مستقلة، حيث قدموا أعمالاً تناولت قضايا الهوية والبيئة والتحولات الاجتماعية. وأسهمت هذه المرحلة في ترسيخ فكرة أن السينما ليست مجرد انعكاس للواقع، بل أداة لتحليله وإعادة تخيله
:السودان يحصد الجوائز في مهرجانات ومحافل فنية دولية

في السنوات الأخيرة، شهدت السينما السودانية نهضة لافتة قادها جيل جديد من المخرجين، من أبرزهم أمجد أبو العلاء ومحمد كردفاني، اللذان قدّما أعمالاً أعادت السودان إلى خريطة السينما العالمية.
يُعد فيلم ستموت في العشرين للمخرج أمجد أبو العلاء علامة فارقة، إذ يناقش الفيلم فكرة القدر والخوف من الموت من خلال قصة شاب يعيش تحت نبوءة بموته في سن العشرين. عكس العمل صراع الإنسان السوداني بين الموروث الديني والاجتماعي وبين رغبته في الحياة والانعتاق. وقد حصد الفيلم جوائز دولية بارزة، من بينها جائزة “أسد المستقبل” في مهرجان مهرجان فينيسيا السينمائي، ليصبح أول فيلم سوداني ينال هذا الاعتراف العالمي، فاتحاً الباب أمام حضور سينمائي سوداني أوسع.
وفي السياق ذاته، جاء فيلم وداعاً جوليا للمخرج محمد كردفاني، ليطرح قضايا الهوية والانقسام الاجتماعي في السودان، متناولاً العلاقة المعقدة بين الشمال والجنوب قبل الانفصال. عكس الفيلم بعمق التوترات العرقية والطبقية، مقدماً معالجة إنسانية دقيقة لشخصيات تعيش صراعات داخلية وخارجية. وقد شارك الفيلم في مهرجان مهرجان كان السينمائي ضمن قسم “نظرة ما”، وحقق إشادة نقدية واسعة، إضافة إلى حصوله على عدة جوائز دولية، ما عزز مكانة السينما السودانية كمنصة لسرد قصص ذات طابع إنساني عالمي.

أ.مهند بلال
وفي هذا الإطار، يؤكد المخرج أ.مهند بلال في محادثة خاصة لبراون لاند على أهمية هذه التجارب، قائلاً: “أنا بعتقد وداعاً جوليا وستموت في العشرين هم مفاتيح السينما الجديدة في السودان، وبعتبر أن أمجد أبو العلاء هو منقذ السينما السودانية.” وهو تصريح يعكس إدراك الجيل الجديد لأهمية هذه الأعمال في كسر العزلة وإعادة تقديم السودان بصرياً للعالم.
:من الخبر إلى الحكاية
تعكس تجربةأ. مهند نموذجاً لتحول المهنيين من الإعلام إلى السينما، حيث بدأت رحلته بعيداً عن هذا المجال بدراسة الطيران في روسيا، قبل أن يقوده العمل في الإعلام الإخباري إلى اكتشاف شغفه بالصورة. ويقول: “بداية دخولي للإعلام كانت في مجال الأخبار… ومنها بدأ شغفي بالإعلام والسينما.”هذا التراكم المهني ظهر جلياً في فيلمه الأول “آخر حنّة”، الذي تناول تأثيرات الحرب على النساء، مسلطاً الضوء على معاناة النزوح والهشاشة الاجتماعية. ويقول مهند: “فيلمي الأول آخر حنة هو انعكاس للحرب في السودان ويناقش مشاكل النساء بعد الحرب.” وقد شارك الفيلم في عدد من المهرجانات، وفاز بجائزة الأفلام المؤثرة لعام 2025، رغم التحديات الإنتاجية الكبيرة.
كما يشير إلى أن العمل الميداني في مناطق خطرة، وتجربته في التغطيات الدولية، أسهما في تشكيل وعيه البصري: “الخبرة العملية بتخلي عندك حس عالي جداً من أي شيء ممكن يسبب ليك مشاكل.” وهو ما ينعكس في قدرته على تقديم أعمال واقعية مشبعة بالتفاصيل الإنسانية.

:رهانات المستقبل وطموح الشباب
اليوم، تقف السينما السودانية على أعتاب مرحلة جديدة، مدفوعة بحماس الشباب ورغبتهم في التعبير عن واقعهم عبر الصورة. ورغم التحديات المرتبطة بضعف التمويل وغياب الدعم المؤسسي، إلا أن التجارب الحديثة أثبتت أن السينما يمكن أن تكون أداة فعالة لنقل صوت السودان إلى العالم.
ويرى مهند أن المستقبل يحمل الكثير من الإمكانات: “مستقبل الأفلام باهر جداً، والسودان لسه ما اكتشفه العالم.” مشدداً على أهمية فتح المجال أمام الشباب لدخول هذه الصناعة، بقوله: “الشباب مهمومين بهذا الفن، واعتقد أنهم سيعبروا به إذا فتح لهم المجال.”
وفي هذا السياق، يعمل مهند حالياً على مشروعه الجديد، الذي يستلهم تجربته الشخصية مع الحرب، من خلال قصة أب يسعى للنجاة بأسرته وسط ظروف قاسية في معسكرات اللجوء. وهو امتداد طبيعي لسينما واقعية تسعى إلى توثيق اللحظة السودانية المعاصرة.
بين إرث مثقل بالتحديات، وحاضر ينبض بمحاولات جادة، تبدو السينما السودانية وكأنها تعيد اكتشاف نفسها من جديد. فقد نجحت أعمال مثل ستموت في العشرين ووداعاً جوليا في فتح نوافذ عالمية، بينما يواصل جيل جديد من المخرجين، مثل مهند، العمل على تقديم حكايات أكثر عمقاً وجرأة.
ومع تزايد الاهتمام الدولي، وتنامي شغف الشباب، تبدو المرحلة القادمة واعدة بأفلام تحمل صوت السودان إلى منصات أوسع. فكما يقول مهند بثقة: “السينما السودانية ستتعافى.”—وهي عبارة تختصر رحلة طويلة من التحدي، وتفتح الباب أمام مستقبل قد تكون فيه السينما أحد أهم وجوه السودان الثقافية في العالم.
شهد مامون



