براون لاند – عربيتقارير

تبستي التشادية: منجم ذهب أم بؤرة توتر

في قلب تبستي، الذهب يلمع فوق ركام الفوضى: ثروة هائلة تحوّلت إلى مصدر نزاع دموي يلتهم أرواح المدنيين. من مناجم كوري بوغودي شمال تشاد إلى أسواق دبي، شبكات تهريب عابرة للحدود تسرق موارد البلاد وتغذي اقتصادًا موازيًا. تحقيق براون لاند يكشف كيف تتصارع الحكومة، الشركات، والقبائل على ذهب لم يجلب التنمية بل رسّخ الفوضى والدمار.

بقلم : محمد سعد كامل

منطقة تبستي الشمالية في تشاد أصبحت خلال العقد الأخير محورًا لصراع متعدد الأبعاد: ثروة معدنية هائلة لم تُترجم إلى تنمية، بل أفرزت أزمة أمنية واقتصادية وبيئية تمتد آثارها محليًا وإقليميًا. هذه المقال يحلل جذور المشكلة، فاعليها المحليين والإقليميين — مع إبراز دور مراكز تكرير الذهب العالمية، لا سيّما الإمارات — ويقترح خطوات عملية قابلة للتطبيق للحدّ من الأضرار وتحويل المورد إلى رافد تنموي.

الان و بتاريخ ١٧ سبتمبر وصلت قوات كاكا الي محيط تبستي ( ٥٠ كيلومتر من الولاية ) و في إنتظار إشارة للتحرك لتضيف فصلا جديدا من مأساة الشعب التشادي .

كيف بدأت الأزمة؟ اكتشاف سريع وثغرات دولية

اكتشاف رواسب كبيرة من الذهب في حقول مثل كوري بوغودي (Kouri Bougoudi) عام 2012 وما بعدها أثار «اندفاعًا» من المنقبين التقليديين والمهاجرين بحثًا عن الربح السريع، في منطقة جغرافياً وعرة وبعيدة عن الرقابة الحكومية الفعّالة. هذا الاندفاع لم يصاحبه بناء مؤسسات تنظيمية أو بنية تحتية تحفظ الحقوق وتنظّم السوق، فتحوّل التعدين سريعًا إلى نشاط غير نظامي يتغذّى عليه تجار وسماسرة.

الأبعاد الأمنية والإنسانية: خسائر بشرية وفوضى مسلحة

البيئة «اللاسيادية» في الشمال وسهولة تنقّل الأسلحة والنازحين عبر الحدود جعلت من مناجم الذهب مسرحًا لصراعات دامية بين منقبين ومجموعات قبلية وحتى عناصر مسلحة. حوادث مأساوية توثّق هذا التحوّل: انهيارات مناجم خلفت عشرات القتلى في 2019، وفي مايو 2022 أعلنت الحكومة أن مواجهات بين منقّبين أدّت إلى مقتل نحو مئة شخص. هذه الأرقام تجسد تكلفة الفوضى على المدنيين والاقتصاد المحلي.

الاقتصاد الموازي والتهريب: الدولة خاسِرة

يري محللون ان الذهب المنتج في تبستي غالبًا ما يخرج عبر قنوات غير رسمية — شبكات تهريب تمتد عبر ليبيا إلى أسواق إقليمية ودولية — ما يحرم الخزينة الوطنية من موارد ضريبية هامة ويغذي اقتصادًا موازيًا لا يخضع لأي شفافية أو رقابة. تحليلات أوسع للاتجار بالذهب الأفريقي تُظهر أن كميات ضخمة تمرّ عبر مراكز تجارة في الشرق الأوسط قبل الوصول إلى الأسواق العالمية. إلا أن السياسي أبوبكر رجب دازي من حركة  mdjt  التشادية  يقول لبراون لاند بان حكومة تشاد هي المستفيد ااول من عمليات التنقيب في كل الدولة و أغلب الايرادات من الذهب لا تذهب الي خزينة الدولة بل يستفيد منها افراد و جماعات لها علاقة بالرئيس محمد كاكا فقط.

اما لجنة الدفاع الذاتي من جانبها، أكدت لجنة الدفاع الذاتي لتيبستي أن أحد أسباب الصراع في المنطقة هو رغبة النظام في جلب شركات للتنقيب وحرمان المواطنين من حقهم في التنقيب مثل شركة

سومك و هي اكبر شركة تعدين في المنطقة و مديرها الجنرال محمد شرف الدين.

ديناميكية الشبكات العابرة للحدود والفواعل المحلية

المنطقة حدودية بطبيعتها، وتعمل عصابات تهريبية وعناصر مسلحة وقادة وسطاء (بعضهم عابر للحدود) على تنظيم سلاسل الإمداد من الحفر إلى بوّابات التصدير. وجود بوابات لوجستية في ليبيا والاتصالات مع الأسواق الساحلية يؤسس لشبكات إجرامية معقدة، ويجعل أي حلّ محليًا محدود الفعالية ما لم يصاحبه تعاون إقليمي وجزء من جهود مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

الأثر البيئي والاجتماعي: سمّ بدلاً من رمز رخاء

التعدين الحرفي والصغير في تبستي يتم بوسائل بدائية غالبًا، واستخدام مواد سامة مثل الزئبق وأحيانًا السيانيد في استخلاص الذهب يؤدي إلى تلوث المياه والتربة، ويهدد سبل عيش المجتمعات الرعوية والزراعية القليلة في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، تدفق العمالة إلى الحقول المعدنية يضع ضغوطًا على الخدمات الأساسية ويغيّب الشباب عن التعليم والعمل المنظّم. المنظمات الدولية رصدت هذا النمط في مناطق تعدين حرفي عبر الساحل وكانت توصياتها تركّز على تنظيم الاستخدام والحدّ من المواد السامة.

دور الإمارات: السوق النهائي وتأثير الطلب

السوق الدولي للذهب يلعب دورًا محوريًا في استدامة أو كبحِّ أنشطة التعدين غير المشروع. تحقيقات صحفية وتقارير دولية أظهرت أن كميات كبيرة من الذهب الأفريقي تُهرّب وتوجيهها إلى مراكز تجارة كبيرة في الخليج، لا سيّما دبي. هذا التدفق خلقَ نقدًا دوليًا لأنظمة الجمارك والرقابة في تلك الموانئ، ومطالبات بتشديد القواعد على مصدر الذهب وشفافية سلسلة التوريد. ليس المقصود اتهام دولة بعينها بسياسة محددة، لكن وجود سوق نشط ومستعد لشراء كميات كبيرة يجعل أعمال التهريب مجزية ويطيل عمرها ما لم تتخذ خطوات تنظيمية صارمة على مستوى التصدير والاستيراد.

ويقول ابوبكر رجب دازي بأن الامارات عقدت صفقة مع حكومة تشاد للاستيلاء علي المناجم في منطقة تبستي ومن المتوقع ان تواجه قوات كاكا المتقدمة نحو  تبستي مقاومة شرسة من قبل لجنة الدفاع الذاتية الموجودة في المنطقة و المكونة من تحالفات بين قبائل تشادية تسكن في تبستي و تعمل علي التعدين ضمن اشغال أخري و لكن التعدين هو المهنة الرئيسة للمكونات الموجودة في الاقليم.

لماذا حل محلي وحده لا يكفي؟

حتى لو نجحت نجامينا (عاصمة تشاد) في تعزيز الوجود الأمني وتنظيم بعض المواقع، يبقى الطلب الدولي والطرق التجارية العابرة للحدود عوامل موازية تقوّي اقتصاد التهريب. بمعنى آخر، دون إجراءات متزامنة من دول الجوار ومراكز التجارة العالمية لقطع القنوات التجارية غير المشروعة، سيستمر المنسوب الإجرامي في تحويل الذهب إلى أرباح سريعة للمهرِّبين.

توصيات عملية قابلة للتنفيذ

  1. تعزيز الحضور السيادي المنظم: نشر وحدات أمنية متخصصة لحماية المدنيين وتنظيم الحركة في مناطق التعدين شريطة حزمة من الضمانات الحقوقية والشفافية.

2. تقنين التعدين الصغير: منح تصاريح مشروطة للمنقبين، إنشاء مراكز شراء رسمية تخضع للتفتيش والضرائب، وتقديم بدائل تقنية لاستخلاص الذهب تقلّل الاعتماد على الزئبق.

3. تعقب السجل التجاري للذهب (Traceability): العمل مع شركاء إقليميين ودوليين لتطبيق نظام تتبّع (منجم → موزع → مستورد) يفرض معايير مصدرية قبل قبول الذهب في أسواق كبرى. هذا يتطلب ضغوطًا دبلوماسية وتنظيمية على مراكز تجارة الذهب.

4. مكافحة غسل الأموال: تشديد قواعد الشفافية المصرفية والجمركية لمنع تحويل عائدات التهريب عبر أنظمة مالية رسمية أو منافذ تجارية.

5. برامج تنموية جاذبة: استثمار جزء من عائدات التعدين النظامي في تحسين التعليم، الصحة، والبنية التحتية داخل الشمال لتقليل الاعتماد على نشاطات استغلالية.

الخاتمة

مشكلة التعدين في تبستي تعكس تلاقحًا بين هشاشة الدولة المحلية وطلب دولي على الذهب، مع شبكات إقليمية تستغل الفراغات الحدودية. إذا كانت تشاد ترغب في تحويل ذهب تبستي من «مصدر قلاقل» إلى مورد تنموي حقيقي، فيجب عليها أن تجمع بين حزمة داخلية من التنظيم والعدالة الاجتماعية، وتنسيق خارجي يقطع قنوات التهريب ويجبر مراكز السوق على مؤسسات أكثر شفافية ومسؤولية. الوصول إلى هذا الهدف ممكن، لكنه يتطلب إرادة سياسية وتعاونًا إقليميًا ودوليًا ملموسًا.


عن الكاتب
محمد سعد كامل صحفي سوداني، ورئيس تحرير براون لاند نيوز، ومنتج تلفزيوني مخضرم يمتد عطاؤه لأكثر من ثلاثة عقود عبر أكثر من خمسٍ وعشرين شبكة دولية. مسيرته المهنية عبرت ميادين الحرب، وتقلبات السياسة، وجبهات الثقافة، موثقًا تاريخ السودان بإتقانٍ مهني صارم وبحرفية عالية والتزام راسخ بالحقيقة.

من الـ CNN والـ BBC إلى الجزيرة ورويترز، حمل محمد صوت السودان إلى العالم، متحديًا التحريف ومُعلياً أصواتًا طالما جرى تغييبها ومحوها من السرديات الدولية. صحافته تكشف عنف السياسة، وتدافع عن الحقوق الأصيلة، وتحفظ الذاكرة التاريخية للسودان.

لا يرى محمد الإعلام مجرد مراقب محايد، بل قوة فاعلة لمواجهة الإفلات من العقاب، ومقاومة التحريف والمحو، وصون كرامة أولئك الأكثر عرضة للخطر، كاتبًا من خطوط المواجهة في معركة وطن من أجل العدالة والسيادة.


حصرياً في براون لاند نيوز

حيث السيادة ليست محل مساومة، والحقيقة عصيّة على التزييف.
أرضنا. صوتنا. أخبارنا.

Back to top button