آراءبراون لاند – عربي

المفاوضات الأمريكية الإيرانية: صدام بين نمطين

أصبح من البديهي أن طبيعة المفاوضات الأمريكية الإيرانية الجارية لا تنتمي إلى الدبلوماسية التقليدية. يمكن القول إننا أمام صدام عميق بين نمطين متباينين جذريًا في التفكير. النمط الأول يحسب الزمن بوحدات قصيرة ويستهدف الربح السريع. أما الثاني، فيتعامل معه كمسار تراكمي طويل قائم على الصبر الاستراتيجي.

المفاوضات الأمريكية الإيرانية: السمسار والتاجر

يمكن تلخيص هذا التباين عبر الاستعارة التالية. الأمريكي «سمسار» يدير الصفقات تحت ضغط الزمن، يعيد تسعير المواقف ويستخدم العقوبات والتهديد لتسريع الإغلاق. في المقابل، يظهر الإيراني كـ«تاجر» تقليدي. يمتلك بضاعة فعلية — أوراق قوة ميدانية، شبكة حلفاء مترابطة، وقدرة على التحمل — ويتحرك ضمن زمن تراكمي يرى التفاوض امتدادًا للحرب.

السمسار يسعى إلى إقفال الملف قبل تآكل أوراقه. فيما يترك التاجر الشروط تنضج، ويحافظ على بقاء الملف مفتوحًا حتى يفرض منطقه.

تجدر الإشارة إلى أن طاولة المفاوضات لا تصنع ميزان القوى، بل تعكسه. امتلاك أوراق حقيقية يتيح التفاوض بثبات وكسب الوقت. أما غيابها، فيدفع إلى التسريع وإعادة تدوير الأزمات لتعويض النقص.

إضافة إلى ذلك، أحبطت الأهداف المعلنة للخصم وتعذر تثبيت وقائع دائمة في المرحلة الأولى. المرحلة الثانية — مرحلة الاستثمار السياسي — ما تزال مفتوحة. التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل الإنجاز الميداني إلى مكاسب تعيد تشكيل التوازن.

وقف إطلاق النار: مرحلة ضمن الصراع

لقد جاء وقف إطلاق النار نتيجة ضغوط مركبة. من أهمها صعوبة تسويق الحرب دوليًا، مواقف إقليمية ودولية ضاغطة وأزمة داخلية أمريكية مرتبطة بالانتخابات والاقتصاد. بذلك تحوّل إلى مرحلة انتقالية داخل صراع مستمر.

من جهتها، سعت إسرائيل خلال وقف إطلاق النار إلى تعويض عجزها بفرض وقائع ميدانية في لبنان. إلا أنها واجهت ثلاثة وقائع، وهي تماسك الداخل اللبناني واستمرار ترابط الجبهات وثبات معادلة الردع.

في هذا السياق يتمثل التحول الحاسم في انتقال «وحدة الساحات» من أداة ميدانية إلى إطار تفاوضي ناظم. علاوة على ذلك، أصبح تفكك الملفات أمريكياً أو إسرائيلياً الآن غير قابل للتطبيق. أي خرق في جبهة واحدة ينعكس على المنظومة ككل، ما يرفع كلفة التصعيد ويفرض مقاربة شاملة.

المفاوضات الأمريكية الإيرانية
علما البلدين

جوهر الصراع: إدارة الزمن

الاختلاف الحاسم يكمن في التعامل مع الزمن. السمسار يراه عبئًا متزايدًا: انتخابات، أسواق، تضخم، ضغط داخلي. أما التاجر، فيحوّله إلى أصل استراتيجي يتراكم.

أعادت الحروب الكبرى تاريخيًا، كما لا بد من القول، تشكيل موازين القوى ودفعت فواعل جديدة إلى الواجهة. تعتبر الحربان العالميتان الأولى والثانية خير مثال على ذلك. ما يجري اليوم يقع ضمن هذا المسار: انتقال تدريجي من مركز مهيمن إلى بنية متعددة المراكز.

كما يفتح نجاح النموذج القائم على الصبر ووحدة الساحات وربط التفاوض بالميدان المجال لنظام أقل خضوعًا للسيطرة الأمريكية.

وفي الختام: النتيجة النهائية ستتحدد بقدرة كل طرف على توظيف الزمن والميدان والتحولات الدولية كقوة تراكمية.

براون لاند

Back to top button