
روسيا وإيران: تعاون مستمر عبر بحر قزوين
الطائرات المسيرة من أبرز نقاط هذا التعاون
وفقاً لما ذكرته “براون لاند” خلال أيام الحرب الأمريكية الإيرانية، يستمر التعاون بين روسيا وإيران ليس سياسيا واقتصادياً فحسب، وإنما سياسياً أيضاً. ويتم هذا الجانب من التعاون المتبادل عبر بحر قزوين حصرياً.
أهمية بحر قزوين للتعاون بين روسيا وإيران
برز بحر قزوين، المسطح المائي المغلق الواقع شمال إيران، بوصفه شريانًا استراتيجيًا متنامي الأهمية يربط بين روسيا وإيران. اكتسب أهمية خاصة في ظل الحروب والعقوبات الغربية المتزايدة المفروضة على البلدين. وقد أصبح هذا الممر البحري وسيلة أساسية لنقل البضائع العسكرية والتجارية. هذا الأمر يدعم قدرة طهران على الصمود أمام الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.
شهد ميناء بندر أنزلي الإيراني المطل على الساحل الجنوبي لبحر قزوين، هجومًا إسرائيليًا في شهر مارس الماضي استهدف مركز القيادة البحرية الإيراني. وزعمت إسرائيل حينها أنها دمرت عدة سفن تابعة للبحرية الإيرانية. كما وصفت العملية بأنها من بين “أهم الضربات” التي نفذتها ضد إيران. إلا أن اللافت في العملية أنها لم تقع في الخليج العربي أو مضيق هرمز، بل في بحر قزوين. وهو بات يمثل محورًا استراتيجيًا جديدًا للتجارة والدعم العسكري بين موسكو وطهران.
وتنبغي الإشارة إلى أن روسيا أدانت الهجوم بشدة واستدعت السفير الإسرائيلي لديها. وقدمت له احتجاجاً شديد اللهجة وأوضحت بأن تلك المنطقة “لا يجوز المساس بها”. ومن اللافت أن البحر لم يشهد أي هجوم آخر منذ ذلك الحين.
روسيا تزود إيران بمكونات المسيرات وسلع عبر البحر
وفقًا لتقارير صحفية صدرت مؤخراً، تقوم روسيا بنقل مكونات الطائرات المسيّرة إلى إيران عبر بحر قزوين. يهدف هذا النشاط لدعم إعادة بناء القدرات الهجومية الإيرانية بعد خسارة جزء من ترسانة المسيرات خلال المواجهات الأخيرة. كما تواصل موسكو تزويد إيران ببضائع كانت تمر سابقًا عبر مضيق هرمز الذي يخضع حاليًا لقيود مشددة.
من جانبهم، أكد مسؤولون إيرانيون أن العمل جارٍ بوتيرة متسارعة لتطوير طرق تجارية بديلة. في هذا السياق، تعمل أربعة موانئ إيرانية على بحر قزوين على مدار الساعة لاستقبال شحنات روسية مختلفة. من بينها على سبيل المثال القمح والذرة والأعلاف وزيت عباد الشمس وسلع أساسية أخرى. فيما صرح محمد رضا مرتضوي، رئيس جمعية الصناعات الغذائية الإيرانية، بأن بلاده تعمل بشكل نشط على إعادة توجيه وارداتها الغذائية عبر هذا الممر البحري.
كما تشير بيانات التجارة الروسية وإحصاءات الموانئ إلى ارتفاع سريع في حركة الشحن عبر بحر قزوين خلال الأشهر الأخيرة. فصرح فيتالي تشيرنوف، رئيس التحليلات في مجموعة “بورت نيوز” الروسية، بأن “مليوني طن من القمح الروسي التي كانت تُنقل سنويًا إلى إيران عبر البحر الأسود، أصبحت الآن تمر عبر بحر قزوين بسبب المخاطر الأمنية الناتجة عن الهجمات الأوكرانية في البحر الأسود”.
خصائص المنطقة
من جانبه، توقع ألكسندر شاروف، رئيس مؤسسة “روس إيران إكسبو”، أن تتضاعف حركة الشحن عبر بحر قزوين خلال العام الجاري. وأشار إلى أن أزمة مضيق هرمز دفعت العديد من الشركات إلى إعادة النظر في أهمية هذا الممر التجاري.
يُعد بحر قزوين الذي يفوق حجمه مساحة اليابان، أكبر بحيرة مغلقة في العالم وأكثرها عمقاً. كما أنه يشكل بيئة مثالية للعمليات التجارية غير المعلنة، خاصة أن السفن العاملة بين الموانئ الروسية والإيرانية تقوم غالبًا بإطفاء أجهزة التتبع الخاصة بها لتفادي الرقابة الدولية. وعلى عكس الخليج العربي، لا تستطيع الولايات المتحدة اعتراض السفن في بحر قزوين لأن الوصول إليه يقتصر على الدول الخمس المطلة عليه فقط.
وفي هذا السياق صرحت نيكول غرايفسكي، الباحثة المتخصصة في الشؤون الروسية والإيرانية، بأن بحر قزوين يمثل “المكان المثالي للالتفاف على العقوبات ونقل المعدات العسكرية”.

عمق التعاون بين البلدين
لا بد من القول إن شحنات الطائرات المسيّرة تكشف عن عمق التعاون العسكري بين موسكو وطهران. صحيح أن الدعم الروسي قد لا يغير بشكل جذري ميزان القوى في الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى وفق رأي بعض الخبراء. إلا أنه يساهم بلا شك في تعزيز قدرة إيران على إعادة بناء ترسانتها الجوية بسرعة.
وخلال السنوات الماضية، كان التعاون العسكري يسير في الاتجاهين. إذ زودت إيران روسيا بطائرات “شاهد” المسيّرة لاستخدامها في الحرب ضد أوكرانيا. بينما استمرت روسيا في إرسال مكونات وتقنيات عسكرية إلى إيران. إلا أن حاجة موسكو إلى الطائرات الإيرانية تراجعت بعد عام 2023. حينها بدأت روسيا تصنيع نسختها الخاصة من طائرات “شاهد” داخل أراضيها بموجب ترخيص إيراني. لكن التعاون النشط بين البلدين يستمر رغم ذلك، بل ويكتسب أبعاداً جديدة تظل تفاصيلها غير معلومة لعامة الناس.
وفي أغسطس الماضي، أعلنت أوكرانيا استهداف سفينة روسية في ميناء “أوليا” على بحر قزوين. وزعمت آنذاك أنها كانت تنقل مكونات لطائرات “شاهد” من إيران إلى روسيا. كما سبق لوزارة الخزانة الأمريكية أن فرضت عقوبات على السفينة وشركة تشغيلها الروسية بسبب اتهامات بنقل صواريخ باليستية قصيرة المدى.
كما تعمل روسيا وإيران منذ سنوات على تطوير مشروع ممر تجاري ضخم يمتد من بحر البلطيق إلى المحيط الهندي عبر الأراضي الروسية وحوض بحر قزوين. وتهدف هذه الفكرة إلى تقليل الاعتماد على الطرق التجارية الغربية.
الخلاصة
ناهيك عن ذلك، يمثل بحر قزوين تحديًا جيوسياسيًا للولايات المتحدة. إذ يعتبره بعض الخبراء “منطقة عمياء” في السياسة الخارجية الأمريكية.
نظراً لاستمرار المواجهة بين إيران والولايات المتحدة واحتمال اندلاع جولة أخرى من الحرب، يمكن توقع ما يلي. سيستمر التعاون بين موسكو وطهران عامة وعبر قزوين خاصة. لا شك في أن روسيا ستقدم مزيداً من الدعم العسكري لحليفتها عبر هذا الممر.
ومن غير المستبعد أن يقتصر على مجال المسيرات فقط. فإيران بحاجة لتقوية أنظمة الدفاع الجوي الخاصة بها. وتعتبر روسيا من الدول الرائدة عالمياً في هذا المجال، ناهيك عن تقنيات الطيران والطائرات العسكرية. ستكون هذه – على الأغلب – أوجه تعاون ودعم أخرى من الكرملين للدولة الإيرانية. أو أصح القول إن الجانبين سيواصلان التعاون في إطارها.
إعداد: براون لاند



