براون لاند – عربيتقارير

تحليل مضمون بيان الرباعية حول السودان (أمريكا – السعودية – مصر – الإمارات)

بيان الرباعية حول السودان يعكس تناقضات خطيرة بين شعارات الوساطة وممارسات التدخل والوصاية؛ إذ يجمع بين أطراف متباينة المصالح مثل أمريكا والسعودية ومصر والإمارات، في وقت يرفض فيه الشعب السوداني والحكومة الرسمية أي إملاءات خارجية. ومع انحياز منظمات إقليمية تحت الضغط، يظل جوهر الأزمة متمثلًا في استمرار دعم الإمارات للمليشيا وغياب الإرادة الحقيقية لإحلال السلام، مما يجعل الرباعية أداة لإدارة الصراع لا لإنهائه.

مركز دراسات العلاقات السياسية والدولية (معالم)

مقدمة

الرباعية هي الكونسولت في نسخته الأخيرة الذي كانت له اليد الطولي في التدخل الخارجي في الشأن السوداني وهو ذات الجسم في شكله القديم باستثناء مصر الذي أدار الفترة الانتقالية وأطلق العملية السياسية التي كان يفترض أن تفضي إلى سلام واستقرار البلاد، ولكنها انتهت إلى إنتاج حرب في أغرب ظاهرة في السياسة الدولية المعاصرة أن تكون خلاصة عملية سياسية سلمية هي حرب تهدد كيان الدولة السودانية وتمتد تداعيات الخلل في منهج إدارة الأزمة إلى تهديد الأمن الإقليمي وربما الدولي. يستغرب الكثير لما هذا الإصرار الرباعي وما هي دوافعه لفرض واقع سياسي بصيغة خارجية وليست داخلية حسب رغبة الشعب السوداني خاصة من دول أمريكا والإمارات.


الثابت في هذا التحرك منذ التغيير في العام ٢٠١٩م أن التدخل الخارجي في القضية السودانية قد قاد إلى مزيد من تعقيد المشهد السياسي السوداني وبالتالي ترسخت قناعات لدى الدولة السودانية بكافة مكوناتها أن عناصر الأزمة لا يمكن أن تكون جزءًا من حل الأزمة وبصورة أدق وبكل وضوح كيف للإمارات أن تجمع بين الضدين: وسيط ودولة عدوان داعمة للمليشيا. وقطعًا ما لم يتم إجراء عملية فصل لهذا التوأم السيامي السامي لا يمكن مجرد البدء أو القبول بأي حديث عن وقف الحرب مع المليشيا المتمردة على الدولة السودانية. فيجب تعريف مع من يقاتل الجيش السوداني ووقف الدعم الإماراتي للمليشيا التي تطيل أمد الحرب في السودان، ومن بعدها يمكننا الحديث عن جدلية الحرب والسلام في السودان.

موقف المنظمات الإقليمية والدولية

الأمم المتحدة ورغم تسلمها لخارطة الطريق المقدمة من الحكومة السودانية كإطار عام لمعالجة قضية الحرب إلا أنها لم تُبدِ حماسًا أو خطوات عملية في هذا الاتجاه، بل آثرت التماهي مع مشروع الرباعية وحالة التحول التي بدرت من مبعوث الأمين العام رمطان لعمامرة وتبديل موقفه الرافض لكل إجراءات تكوين حكومة تأسيس وتوجهه إلى كينيا ومقابلة مجموعة صمود الأخ غير الشقيق لتأسيس.

من أبرز المواقف الإقليمية المهمة وثيقة الارتباط بالشأن السوداني هو موقف الاتحاد الإفريقي الذي رحب بالبيان ودعا الأطراف السياسية السودانية إلى عقد لقاء تشاوري في مقر الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا مطلع أكتوبر القادم.
منظمة الإيقاد أخذت ذات المنحى وأبدت دعمها لبيان الرباعية.
واضح تأثر الموقف الإفريقي بضغوط خارجية وهي من صنعت هذه الاستجابة السريعة مع مخرجات الرباعية.

موقف بعض الدول من البيان

رحبت بعض الدول ببيان الرباعية من حيث الفكرة العامة وهي النظرة الغالبة في العلاقات السياسية الدولية دونما الإشارة إلى تفصيلات وردت في البيان، ويُعزى ذلك ربما تحسبًا أو رهبة من سطوة وجبروت الولايات المتحدة الأمريكية لا يُنكر تأثيرها في مجريات السياسة الدولية حول العالم.
كما لا يُستبعد من التحليل أدوار الإمارات الخفية في التحايل والتأثير على مواقف بعض الدول العربية والأفريقية مستخدمة سلاح الإغراء وشراء ذمم بعض القادة والنافذين في حكومات الدول.

الرأي العام السوداني

غالب الرأي العام السوداني رافض لأي أدوار مستقبلية للجنة الرباعية في التقرير بشأن صيغة الحكم في السودان من حيث الأطراف المعنية بالعملية السياسية أو نظام الحكم وإدارة الفترة الانتقالية، وقد كان الشعب السوداني شاهدًا على تجربة الاتفاق الإطاري الذي أدى إلى تضييق الأفق السياسي وعجز عن إدارة قضايا الانتقال، بل هو السبب المباشر في الحرب وخلق معاناة الشعب السوداني الذي دفع الفاتورة نزوحًا ولجوءًا وخوفًا وقتلًا، وفقرًا، وأسرًا، وتعذيبًا. وبالتالي هو أعرف وأحرص الناس على عدم إنتاج صراع جديد عبر الرباعية.

كما أن الرباعية لا تضع اعتبارًا للشعب السوداني ميوله ورغباته، بل تحاول أن تفرض عليه فصيلًا معينًا كقوى تقدم صمود وتأسيس بحسبانهم هم المدنيين دون أهل السودان. عبر الشعب السوداني في خروج منظم وتظاهرة سلمية ضد بيان الرباعية في مدينة شندي وأخذ التعبير أشكال عدة في مدن سياسية مختلفة. معظم المقالات والكتابات الصحفية كانت متسقة ومتوافقة مع الرأي العام السوداني الرافض لفكرة إعادة إنتاج الرباعية دعك من بيانها المبتور.

الموقف الرسمي للحكومة السودانية

جاء التعبير عنه من أعلى جهاز في الدولة مجلس السيادة وعلى لسان الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة حيث اعتبر أن بيان الرباعية لا يعنيهم في شيء وأن أي مبادرة لسنا طرفًا فيها لسنا ملزمين بها، قاطعًا عدم ارتهان القرار السياسي الوطني لأي تدخل خارجي مهما كان مصدره أو تنوع أساليبه، مؤكدًا على قدرة الدولة على هزيمة التمرد وإحباط المؤامرة على السودان.

ترحيب معسكر العدو السياسي والعسكري بالبيان

ليس غريبًا لكل متابع ومهتم بالشأن السوداني أن ترحب مليشيا الدعم السريع وتحالف تأسيس فضلًا على صمود ببيان الرباعية لجهة أنها الداعم ومهندس انقلاب حميدتي في ١٣ أبريل ٢٠٢٣م حيث مارسوا الصمت طيلة الأيام الأولى للحرب ظنًا منهم أن المهمة سهلة الإنجاز. معسكر التمرد والحرب على الدولة مرتهن للإمارات الدولة الراعية وبالتالي فهو لا يملك رفاهية الاختيار والانحياز للوطن والمواطن السوداني.

بيانات الحزب الشيوعي وحزب الأمة جناح برمة إنما تعبر عن حالة الارتباك التنظيمي وغياب الرؤية السياسية، وبما أنها رحبت بالبيان رغم انتهاكه للسيادة وتدخل سافر في الشأن الداخلي السوداني إلا أنها اشترطت وحدة السودان وسيادته في مغالطة عصية على الجمع والتبرير.

حالة التمنع التي تبديها قوى صمود الآن بقيادة حمدوك هي تكتيكات تفاوضية وهو أسلوب عُرفت به قحت كمنهج لإدارة دعوة التفاهمات والتحفظات التي أبدتها حيال المشاركين والتعلل بالظرف الإنساني لا تعبر عن حقيقة رغبتها ولهفتها في أن تجد منفذًا يضمن لها الحضور في المشهد السياسي ويوسع من فرص قبولها في أي معادلة مشاركة سياسية قادمة.

الخلاصة

من حيث الحقيقة والواقعية السياسية أن اللجنة الرباعية مكونة من دول متباينة في وجهات نظرها تجاه قضية حرب السودان، وهذا التباين وربما التضاد في المواقف هو نتيجة طبيعية لاختلاف المصالح والمطامع. وثمة سؤال يطرح نفسه: كيف للدولة السودانية والتي هي المكتوية بالحرب والتدخل السالب فيها ألا يكون لها قول وموقع في الرباعية؟ وكيف تُفهم وساطة الإكراه الدولي هذا في حين أن الوساطات في كل الأشياء دون استثناء تقوم على مبدأ الرضائية؟

لا يمكن أن يكون هنالك تقدم سياسي لمبادرة الرباعية في وجود دولة الإمارات المرفوضة رسميًا وشعبيًا لدى الدولة السودانية. الرباعية تعتبر أداة قديمة، صحيح أنها تمتلك بعض كروت الضغط التي يمكن تحريكها في مواجهة الدولة، ولكنها ليست أوراقًا حاسمة. فالرأي العام المساند للجيش والحكومة يبقى هو الضمانة والركيزة وكلمة السر في معركة المواجهة المستمرة والقادمة.

ربما من المفيد التذكير بأن واحدة من تكتيكات الرباعية السابقة هو شق صف المكون العسكري قبل الحرب والاستقطاب والتضخيم الذي تم مع قائد المليشيا حميدتي، ورحلة فولكر بيرس رئيس البعثة السياسية إلى السودان التي استقدمها حمدوك رئيس الوزراء المستقيل دون الرجوع ومشاورة الدولة وفق أطراف الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية آنذاك، حيث شد بيرس الرحال إلى الجنينة لإتمام صفقة التحالف مع مكونات قحت ومليشيا الدعم السريع.


حصرياً في براون لاند نيوز

حيث السيادة ليست محل مساومة، والحقيقة عصيّة على التزييف.
أرضنا. صوتنا. أخبارنا.

Back to top button