
تأملات شيخٍ عجوز: عودة الإبادة في دارفور
سقوط الفاشر... والتحذيرات التي لم تُسمَع
بقلم: حسن جبريل
(خدم ضمن بعثتي الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة لحفظ السلام في دارفور)

لم يكن سقوط مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، على يد قوات الدعم السريع، مجرد حدثٍ عسكريٍّ عابر، بل كان جرحًا جديدًا في جسد الإنسانية أعاد إلى الذاكرة أفظع فصول الإبادة التي شهدها الإقليم قبل عقدين. فالمشاهد المتواترة من الميدان، من قتلٍ جماعي وإعداماتٍ ميدانية وتهجيرٍ قسري، تكشف عن خطةٍ مدروسةٍ لإبادة المجتمعات غير العربية واقتلاعها من جذورها في جريمةٍ مكتملة الأركان.
تلك القوات التي خرجت من رحم ميليشيات الجنجويد التي روّعت دارفور مطلع الألفية، تواصل اليوم ذات النهج الدموي منذ أن اندلع الصراع بينها وبين الجيش السوداني في أبريل 2023. ورغم الكمّ المتزايد من الأدلة، بما فيها مقاطع مصوّرة نشرها عناصر من الدعم السريع أنفسهم، فإن القيادة تواصل إنكارها بينما تُظهر اللقطات تنفيذ إعداماتٍ بدمٍ باردٍ لمدنيين ومقاتلين سابقين.
يروي الناجون مشاهد تقترب من الخيال المرعب: نقاط تفتيش تُفرَز فيها الحشود على أساس الهوية، رجالٌ يُقتادون جانبًا ليُعدموا رمياً بالرصاص، ونساءٌ يفررن تحت أزيز الرصاص. صور الأقمار الصناعية التي نشرتها «مختبرات البحوث الإنسانية» بجامعة ييل أظهرت تجمعاتٍ لجثث وآثار دماءٍ في مناطق متفرقة، مؤكدةً أن ما يجري في الفاشر هو “تطهيرٌ عرقيٌّ منظّم ومقصود”.
لقد جمع سقوط الفاشر خيوط المأساة السودانية في مشهدٍ واحدٍ قاتم، ماضٍ يعيد نفسه وحاضرٌ يزداد توحشًا. فما تفعله قوات الدعم السريع ليس عشوائيًا، بل جزءٌ من استراتيجيةٍ معروفة، إنها الحرب على الوعي والبقاء بالاغتصاب والحرق والنهب والتجويع وتدمير ما تبقّى من بنية الحياة. إنها ذات السياسة التي أُعيد تمثيلها في مجازر المساليت بالجنينة عام 2023، وتُعاد اليوم في شمال دارفور بصورةٍ أشدّ قسوة.
ومع كل هذا، ما زال صمت العالم مدويًا. تُرفع التقارير وتُلقى الخطب، لكن أحدًا لا يتحرّك. المنظمات الإنسانية تطالب بالضغط على دولة الإمارات العربية المتحدة، المتهمة بتسليح ودعم الميليشيا، لكن مجلس الأمن الدولي يكتفي بالمراقبة، تاركًا المدنيين فريسةً للموت.
خاتمة: العالم الذي لا يتعلم
إن ما يحدث في الفاشر اليوم ليس مجرد تكرارٍ للتاريخ، بل إدانةٌ أخلاقيةٌ للبشرية جمعاء. فالتخاذل الدولي في وجه الفظائع لم يعد حيادًا، بل تواطؤًا صريحًا يشجّع الجناة على المضيّ في جريمتهم. لقد تجاوزت المأساة حدود دارفور لتصبح امتحانًا للضمير العالمي بأسره.
إن حماية المدنيين في السودان لم تعد ترفًا دبلوماسيًا، بل واجبًا إنسانيًا عاجلًا. وعلى المجتمع الدولي أن يتحرك بقوةٍ وجديةٍ لوقف القتل والمحاسبة على الجرائم، لأن الشعب السوداني، وشعب دارفور على وجه الخصوص، يستحق العدالة لا بيانات الشجب. لقد علّمتنا الفاشر درسًا قاسيًا:
التحذيرات التي لا تُتبع بالأفعال لا تُنقذ أحدًا، والصمت أمام الجريمة شراكةٌ في اقترافها.
الواجبات الملحّة أمام المجتمع الدولي
لإيقاف نزيف الدم وحماية المدنيين في السودان، يجب اتخاذ الخطوات الآتية:
- فرض وقفٍ فوريٍّ لإطلاق النار:
على مجلس الأمن أن يفرض هدنةً عاجلة في الفاشر ومحيطها، لوقف نزيف الأرواح ومنع تفاقم الكارثة. - ضمان وصول المساعدات الإنسانية:
ينبغي تمكين منظمات الإغاثة من دخول المناطق المتضررة دون عوائقٍ أو شروطٍ مسبقة. - حماية المدنيين من العنف:
على جميع أطراف النزاع الالتزام الصارم بالقانون الإنساني الدولي ومنع الاعتداءات على المدنيين لأي سببٍ كان. - وقف تدفّق السلاح:
يتعيّن على الدول، ولا سيما الإمارات، أن توقف فورًا تزويد الميليشيات بالسلاح والمال. - إطلاق مسارٍ دبلوماسي جاد:
على المجتمع الدولي دعم مفاوضاتٍ تفضي إلى وقفٍ دائمٍ للحرب لا إلى هدنةٍ إعلاميةٍ جديدة. - تفعيل التحقيقات المستقلة:
يجب إنشاء لجنةٍ دوليةٍ لتقصي الحقائق بشأن الجرائم المرتكبة من جميع الأطراف. - توسيع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية:
ليشمل الانتهاكات الراهنة في السودان كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. - فرض العقوبات:
ينبغي فرض عقوباتٍ موجهة على الأفراد والجهات الضالعة في الجرائم والانتهاكات. - دعم العدالة وجبر الضرر:
ينبغي إنشاء مكتبٍ خاصٍ لتعويض الضحايا في السودان مدعومٍ بصندوقٍ دوليٍّ للعدالة. - المتابعة والرصد المستمر:
ينبغي على مجلس الأمن مواصلة مراقبة الوضع وتوثيق الانتهاكات لضمان عدم الإفلات من العقاب.
حصرياً في براون لاند – عربي
حيث السيادة ليست محل مساومة، والحقيقة عصيّة على التزييف.
أرضنا. صوتنا. أخبارنا.



