أخباربراون لاند – عربي

سيادة السماء السودانية: بين اتفاقية شيكاغو ورسالة طيران الإمارات

في خضمّ الجدل الذي أثارته رسالة إلكترونية منسوبة إلى شركة طيران الإمارات، تتداولها وسائل التواصل الاجتماعي بشأن تشغيل رحلاتها ضمن جدول موسم الشتاء لعام 2025، عاد الحديث مجددًا حول السيادة الجوية للسودان وحقوقه القانونية الثابتة في إدارة مجاله الجوي. فالرسالة، التي يُقال إنها موجّهة إلى سلطات الطيران، تعبّر في ظاهرها عن إشعار تشغيل لا عن طلب إذن، وهو فارق جوهري في قانون الطيران الدولي. وإذا صحّت هذه الرسالة، فإنها تفتح بابًا حساسًا يتجاوز الجانب الفني إلى جوهر السيادة ذاتها: بين نصوص اتفاقية شيكاغو لعام 1944 وحدود منطقة معلومات الطيران بالخرطوم (HSSS FIR)، يبرز السؤال الجوهري من جديد: هل يمكن التحليق فوق السودان دون إذنٍ من السودان؟

بقلم صباح المكّي

لغة الرسالة… ومغزى الكلمات

لفهم أبعاد هذا الجدل، لا بد من العودة إلى أصل المسألة: كيف تُدار الأجواء، ومن يملك الحق القانوني في منح الإذن أو منعه، وما الذي يعنيه الإخطار أو الطلب في لغة الطيران الدولي.  جاء في الفقرة الأولى في نص الرسالة الصادرة من إدارة العمليات في طيران الإمارات:
نودّ إبلاغكم بأن شركة طيران الإمارات ستقوم بالتحليق عبر المجال الجوي لجنوب السودان (فوق مستوى F245) باستخدام خطة الطوارئ KFOSS.
We would like to inform you that Emirates Airlines will be flying through South Sudanese airspace above F245) using the KFOSS contingency plan.
هذه الصياغة هي محور الجدل القانوني والسياسي، إذ استخدمت الشركة عبارة “نود إبلاغكم” لا “نود التقدّم بطلب”، وهو ما يُعدّ في لغة القانون الدولي إخطارًا بالنية لا طلبًا للتصريح.

ومن حيث الشكل والمضمون، لا تعبّر هذه العبارة عن طلب تصريح عبور بل عن إخطار مسبق بالتحليق، وهو ما يُعد مخالفة للإجراءات المتعارف عليها في منظمة الطيران المدني الدولي (International Civil Aviation Organization ICAO)، وهي الوكالة الأممية التابعة للأمم المتحدة والمسؤولة عن تنظيم شؤون الطيران المدني الدولي ووضع معايير السلامة والسيادة الجوية. تفرض هذه المنظمة على أي شركة طيران أجنبية أن تطلب الإذن مسبقًا قبل استخدام أجواء أي دولة ذات  سيادة.
ما المقصود بعبارة “South Sudanese airspace (above F245) using the KFOSS contingency plan .
أي: «الأجواء التابعة لجنوب السودان (فوق مستوى F245) باستخدام خطة الطوارئ KFOSS».
عند التعامل مع مراسلات الطيران، كل كلمة محسوبة بدقة، إذ يمكن أن تُغيّر صيغة واحدة معنى السيادة من أساسه. هنا تكمن أهمية عبارة «South Sudanese airspace». قد تبدو العبارة تقنية بحتة، لكنها في الواقع تحمل أبعادًا قانونية وسياسية دقيقة، إذ تتعلق بتوزيع المسؤوليات السيادية داخل المجال الجوي لكلٍ من السودان وجنوب السودان، وبكيفية إدارة الرحلات الدولية في ظل خطة الطوارئ المعروفة باسم KFOSS.
أأما الفقرة الثانية من الرسالة التي تقول:
 “We request your assistance in securing necessary overflying permits for the planned operations.”
فتُظهر تناقضًا واضحًا مع الفقرة الأولى، إذ تعترف بالحاجة إلى تصريح بعد أن بدأت بصيغة الإخطار. ويُفهم من ذلك أن الخطاب كُتب بطريقة غير دقيقة تجمع بين الإخطار الأحادي وطلب المساعدة، مما يعكس خلطًا لغويًا وقانونيًا في مراسلة يفترض أن تكون رسمية بين جهات طيران مدنية ذات  سيادة.
أولًا: معنى “above F245” .
لفهم ما تعنيه هذه العبارة بالكامل، يجب أن نعرف أولًا كيف تُقسَّم الأجواء فنيًا، وما المقصود بالمستويات والرموز التي تُستخدم عالميًا في تنظيم الطيران.
الرمز F245 أو FL245 (Flight Level 245) يعني مستوى الطيران 245 أي ارتفاع 24,500 قدم فوق سطح البحر.
وفي علم الطيران المدني، تُقسَّم الأجواء إلى طبقتين رئيسيتين لضمان التنظيم والسلامة:
1. المجال الجوي السفلي (Lower Airspace):
يمتد من سطح الأرض حتى ارتفاع FL245 (نحو 24,500 قدم)، ويُستخدم عادةً للرحلات الداخلية ومراحل الإقلاع والهبوط والطائرات متوسطة المدى.
ويُدار هذا المجال من قِبل سلطة الدولة التي تقع تحتها الأراضي:

  • في السودان: تتولى سلطة الطيران المدني السودانية (Sudan Civil Aviation Authority – SCAA) إدارته وتشغيله بالكامل عبر مراكز المراقبة في الخرطوم وبورتسودان.
  • في جنوب السودان: يُدار المجال الجوي السفلي من قِبل سلطة الطيران المدني في جوبا (South Sudan Civil Aviation Authority – SSCAA) منذ الاستقلال عام 2011 باعتباره جزءًا من سيادتها الإقليمية المباشرة.

2. المجال الجوي العلوي فوق (Upper Airspace) FL245
فوق كلتا الدولتين، فهو ما يزال حتى اليوم يُدار فنيًا من الخرطوم ضمن منطقة معلومات الطيران بالخرطوم (Khartoum Flight Information Region – HSSS FIR) المعترف بها من منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، وذلك إلى حين اكتمال إنشاء مركز مراقبة علوي مستقل في جوبا.

ثانيًا: خطة الطوارئ KFOSS بين التقنية والسيادة
بعد توضيح الجوانب المكانية، ننتقل إلى الجانب العملي: من يتحكم فعليًا بحركة الطائرات عندما تتعطل الأنظمة أو تندلع الحروب؟ هنا يأتي دور خطة الطوارئ KFOSS. مصطلح KFOSS يرمز إلى Khartoum Flight Operations Safety and Security Contingency Plan، أي خطة الطوارئ للسلامة والأمن في عمليات الطيران ضمن نطاق الخرطوم.
وهي وثيقة تشغيلية أقرّتها المنظمة الدولية للطيران المدني (ICAO) بالتنسيق مع سلطة الطيران المدني السودانية (SCAA) وعدد من دول الجوار (مصر، السعودية، إثيوبيا، تشاد، كينيا، إريتريا) لتأمين استمرارية الملاحة الجوية في حال تعطّل أحد مراكز المراقبة أو تأثرت الاتصالات بسبب الحرب أو الطوارئ.
الخلفية والأهداف.
تهدف الخطة إلى ضمان استمرار خدمات الملاحة الجوية في منطقة معلومات الطيران بالخرطوم (HSSS FIR) حتى في حال تعطل مركز الخرطوم مؤقتًا، وتتيح تحويل الاتصالات مؤقتًا إلى مراكز بديلة في دول الجوار (مثل جدة أو أديس أبابا) من دون أن تمسّ بسيادة السودان القانونية.
الفرق بين الترتيب الفني والسيادة الجوية.
الخطة لا تغيّر من حدود منطقة معلومات الطيران (Flight Information Region – FIR) ولا تمنح أي دولة أخرى صلاحية إصدار تصاريح أو فرض رسوم. إنها خطة فنية لحماية السيادة، تضمن استمرار الملاحة الآمنة في إطار القانون الدولي
كيف تعمل خطة KFOSS في الواقع؟
تشرف منطقة معلومات الطيران بالخرطوم (Khartoum Flight Information Region – HSSS FIR) على شبكة من مراكز المراقبة الجوية في الخرطوم وبورتسودان، تُنظّم حركة الطيران العابرة لأجواء السودان وللجزء العلوي من أجواء جنوب السودان فوق مستوى FL245.
وفي حال تعطل الأنظمة في الخرطوم، تُفعَّل خطة KFOSS عبر ثلاث مراحل أساسية:

  1. إصدار إشعار دولي يُعرف باسم “نوتام” (NOTAM – Notice to Air Missions)، وهو إعلان رسمي تُصدره سلطة الطيران المدني السودانية (SCAA) بالتنسيق مع منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) لإبلاغ شركات الطيران والطيارين بأي تغييرات أو ظروف قد تؤثر على سلامة الملاحة الجوية.
  2. تحويل الاتصالات مؤقتًا إلى مركز مراقبة احتياطي مثل جدة أو أديس أبابا لتوجيه الطائرات من الناحية الفنية فقط.
  3. استعادة السيطرة الكاملة فور إعادة تشغيل الأنظمة في الخرطوم وعودة الاتصال المباشر.

وخلال هذه العملية، تبقى سلطة إصدار التصاريح والسيطرة السيادية بيد السودان وحده، مما يجعل الخطة وسيلةً لحماية السيادة لا لتقويضها. ومع ذلك، لا تتوقف المسألة عند الجانب الفني البحت، إذ إن مثل هذه الترتيبات تستند أيضًا إلى تفاهمات سياسية واتفاقات دولية تم اعتمادها منذ استقلال جنوب السودان لتنظيم إدارة الأجواء بين البلدين.
ثالثًا: الخلفية الفنية والسياسية.
بعد استقلال جنوب السودان عام 2011، تم التفاهم على أن يواصل السودان إدارة المجال الجوي العلوي حتى إنشاء نظام مراقبة متكامل في جوبا. وهذا الترتيب فني بحت، معترف به من منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، ولا ينتقص من السيادة الكاملة لجنوب السودان، بل يضمن سلامة الملاحة الجوية الدولية فوق المنطقة .
هنا يتضح أن الخلاف لم يعد تقنيًا فحسب، بل يمسّ صميم السيادة والدبلوماسية، خاصة عندما تُستخدم اللغة الفنية للتلميح إلى مواقف سياسية.
رابعًا: الدلالات السياسية والدبلوماسية
حين تقول الرسالة:
We would like to inform you that Emirates Airlines will be flying through South Sudanese airspace (above F245) using the KFOSS contingency plan.”
أي «نودّ إبلاغكم بأن شركة طيران الإمارات ستقوم بالتحليق عبر الأجواء التابعة لجنوب السودان (فوق مستوى F245) باستخدام خطة الطوارئ KFOSS».

فهي تخلط بين السيادة السياسية والإدارة الفنية، وتثير التباسًا قانونيًا ودبلوماسيًا. فمن الناحية السياسية، تُعدّ جنوب السودان دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، غير أن الأجواء العليا لا تزال تُدار فنيًا ضمن منطقة معلومات الطيران بالخرطوم (HSSS FIR) بموجب ترتيب مؤقت لم يُلغَ بعد. استخدام عبارة “South Sudanese airspace (above F245)” أي «الأجواء التابعة لجنوب السودان (فوق مستوى F245)» دون الإشارة إلى هذا الترتيب يوحي بتغيير ضمني في المرجعية السيادية، وهو ما لم يحدث رسميًا، ويُعد انزلاقًا لغويًا ذا دلالة سياسية. ورغم وضوح الإطار القانوني، فإن هذه الصياغة لا يمكن اعتبارها مجرد خطأ فني، بل تعبّر عن نية سياسية مبيّتة.

فالواقع أن نظام أبوظبي يحاول من خلال هذا الأسلوب التحايل على الاعتراف بالسلطة السيادية السودانية، بالإيحاء بأن الأجواء العليا فوق جنوب السودان تقع خارج إدارة الخرطوم، خلافًا لما هو معتمد لدى منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO). إنه تلاعب لغوي يخفي موقفًا سياسيًا واضحًا، يهدف إلى التنصل من التعامل مع الحكومة السودانية الشرعية كجهة مختصة بإصدار تصاريح العبور، ومحاولة فرض أمر واقع يتعامل مع المجال الجوي السوداني كفراغ دبلوماسي لا كإقليم خاضع لسيادة دولة مستقلة وعضو كامل الحقوق في ICAO.
اتفاقية شيكاغو الأساس القانوني للسيادة الجوية.
تنص اتفاقية شيكاغو للطيران المدني لعام 1944 على ما يلي:

  • المادة (1): لكل دولة سيادة كاملة وحصرية على الفضاء الجوي فوق إقليمها.
  • المادة (6): لا يجوز لأي خدمة جوية دولية منتظمة أن تعمل فوق إقليم أي دولة إلا بإذن خاص أو ترخيص منها.

بناءً على ذلك، فإن أي طائرة ترغب في عبور أجواء السودان ملزمة بطلب إذن مسبق من سلطة الطيران المدني السودانية (SCAA).
كيف تُصاغ طلبات العبور الجوي وفق القواعد الدولية
وفقًا للوائح منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) والاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA)، يجب أن يُقدَّم طلب العبور الجوي بصيغة رسمية واضحة تُظهر صراحةً أن المشغّل يطلب إذنًا مسبقًا من الدولة المعنية، وليس يعلن نية التشغيل.
فحق العبور الجوي يُعدّ حقًا سياديًا خالصًا لا يُمارس إلا بإذن صريح من سلطة الدولة صاحبة المجال الجوي.
ويُختتم الطلب عادةً بالتأكيد على أن الشركة لن تُشغِّل أي رحلة تمر عبر أجواء الدولة المعنية قبل استلام الإذن الرسمي الصادر من سلطة الطيران المدني المختصة  ولكي تتضح خطورة الصياغة التي استخدمتها طيران الإمارات، من المهم فهم الفارق القانوني الدقيق بين الإخطار والطلب الرسمي، فهما ليسا مجرد مفردتين متشابهتين في المراسلات.
الفارق القانوني بين الإخطار والطلب الرسمي
يُعدّ الفرق بين الإخطار (Notification) والطلب الرسمي (Formal Request) من أدق المسائل في القانون الجوي الدولي، إذ يمسّ مباشرة مفهوم السيادة الجوية المنصوص عليها في اتفاقية شيكاغو لعام 1944.
أولًا: الإخطار (Notification)
الإخطار هو مجرد إعلان نية تشغيل دون قيمة قانونية، ولا يمنح المشغل حق العبور أو التحليق. يستخدم عادة في المراسلات التنسيقية أو الإجرائية، ولا يُعدّ طلبًا للإذن.
مثال ذلك ما ورد في رسالة طيران الإمارات:
“We would like to inform you…”
أي «نودّ إبلاغكم…»، وهي صيغة إعلان نية وليست طلب إذن، وبالتالي لا تترتب عليها أي آثار قانونية.
ثانيًا: الطلب الرسمي (Formal Request)
الطلب الرسمي هو وثيقة قانونية تتضمن تفاصيل التشغيل الدقيقة، وتُرسل إلى السلطة السيادية المختصة بانتظار الموافقة قبل أي تشغيل فعلي.
الصيغ الصحيحة قانونيًا يجب أن تتضمن عبارات واضحة مثل:
“We hereby submit this formal request…” أي «نتقدّم بهذا الطلب الرسمي…»، أو
“We kindly request your permission to operate through…” أي «نرجو منكم التكرّم بالموافقة على التشغيل عبر…».
تُعدّ هذه العبارات إقرارًا صريحًا بسيادة الدولة، وتنسجم مع المادة (6) من اتفاقية شيكاغو التي تنص على ضرورة الحصول على إذن مسبق قبل تشغيل أي خدمة جوية دولية منتظمة فوق إقليم دولة متعاقدة.
ثالثًا: عناصر الطلب القانوني
وفقًا للملاحق رقم (2) و(11) من منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO Annexes 2 & 11)، يجب أن يتضمّن الطلب الرسمي مجموعة من البيانات الإلزامية التي تمكّن سلطة الطيران من تقييم السلامة والمطابقة القانونية، وتشمل ما يلي:

  1. بيانات المشغل: اسم شركة الطيران، عنوانها الرسمي، معلومات الاتصال، واسم القسم أو الشخص المسؤول عن العمليات الجوية.
  2. مواصفات الطائرة: نوع الطائرة، رقم التسجيل، رمز النداء (Call Sign)، وبلد التسجيل.
  3. بيانات الرحلة: رقم الرحلة، خط السير المقترح مع تحديد نقاط الدخول والخروج ضمن منطقة معلومات الطيران (FIR)، مستوى الطيران (Flight Level)، التاريخ والوقت التقريبيان لدخول وخروج المجال الجوي، ومدة التشغيل أو الفترة الزمنية المطلوبة.
  4. الغرض من الرحلة: توضيح ما إذا كانت الرحلة ركابًا مجدولة، أو شحنًا، أو تشغيلًا خاصًا أو إنسانيًا، إذ يختلف التصريح بحسب طبيعة التشغيل.
  5. الجهة مقدّمة الطلب: يجب أن يُقدَّم الطلب من الجهة المخوّلة قانونيًا مثل إدارة العمليات الجوية في الشركة أو وكيلها المعتمد رسميًا، ويُوجَّه مباشرة إلى السلطة الوطنية المختصة مثل سلطة الطيران المدني السودانية (SCAA)، وليس إلى “منطقة معلومات الطيران بالخرطوم (HSSS FIR)” لأنها منطقة تشغيلية فنية وليست كيانًا قانونيًا ذا صلاحية إصدار تصاريح.
  6. الإقرار بالالتزام القانوني: يجب أن يتضمّن الطلب تعهدًا صريحًا من الشركة بأنها لن تُشغِّل أي رحلة تمر عبر المجال الجوي قبل استلام التصريح الرسمي، إذ يُعد أي تشغيل دون تصريح مخالفة صريحة للمادة (6) من اتفاقية شيكاغو لعام 1944.

رابعًا: إصدار تصريح العبور الجوي
بعد استلام الطلب واستكمال المستندات، تصدر سلطة الطيران المدني السودانية (SCAA) رقم تصريح العبور الجوي (Overflight Permit Number)، وهو رقم تعريف فريد مثل SCAA/OVF/25/1123، يكون ساريًا للفترة المحددة في الطلب ويُستخدم كمرجع رسمي للرحلات التي تمر عبر الأجواء السودانية خلال تلك المدة.
ماذا لو قررت طيران الإمارات تحدّي السلطات السودانية؟:
في حال أقدمت طيران الإمارات على تشغيل رحلات عبر المجال الجوي السوداني من دون الحصول على تصريح رسمي، فذلك يُعدّ:

  1. انتهاكًا صريحًا لسيادة دولة عضو في منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO).
  2. مخالفة للمادتين (1) و(6) من اتفاقية شيكاغو لعام 1944.
  3. تصرفًا سياسيًا عدائيًا في ظل العلاقات المقطوعة بين السودان والإمارات.

حقوق السودان القانونية:

  • أغلاق المجال الجوي أمام الطيران الإماراتي بالكامل.
  • تقديم شكوى رسمية إلى مجلس منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) بموجب المادة (84).
  • المطالبة بتعويض مالي عن أي عبور غير مشروع.
  • رفع القضية أمام محكمة العدل الدولية باعتبارها خرقًا لسيادة دولة أثناء النزاع.

البعد السياسي:
أي تحليق إماراتي دون إذن سيكون استفزازًا مباشرًا للسودان، ويمنح الخرطوم الحق في تحرك قانوني ودبلوماسي شامل لفضح السلوك الإماراتي أمام الهيئات الدولية.
بعد تثبيت الأساس القانوني لاتفاقية شيكاغو، يبرز سؤال منطقي: ماذا لو قررت الإمارات تحدّي القرار السوداني أو اللجوء إلى القضاء الدولي؟
هل يمكن للإمارات مقاضاة السودان دوليًا في حال رفض العبور؟
من الناحية القانونية البحتة، لا تملك الإمارات أي أساس يمكنها من مقاضاة السودان أمام محكمة العدل الدولية أو منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) في حال رفضه منحها تصاريح عبور. فالقانون الدولي، وتحديدًا اتفاقية شيكاغو لعام 1944 ، يمنح الدول سيادة مطلقة وحصرية على أجوائها، ويكفل لها حق الموافقة أو الرفض دون التزام بتبرير ذلك أمام أي جهة دولية.
تنص المادة (1) من الاتفاقية على أن: «لكل دولة سيادة كاملة وحصرية على الفضاء الجوي فوق إقليمها.»
كما تؤكد المادة (6) أن:«لا يجوز لأي خدمة جوية دولية منتظمة أن تعمل فوق إقليم أي دولة إلا بإذن خاص أو ترخيص منها.»
وهذا يعني أن الإذن الجوي هو حق سيادي اختياري، وليس التزامًا أو واجبًا دوليًا. فإذا قررت الخرطوم رفض منح الإذن لأي طيران إماراتي، فإنها تمارس حقًا أصيلًا كفلته لها الاتفاقية ذاتها التي تحتكم إليها كل الدول الأعضاء في منظمة الطيران المدني الدولي
ولأن القارئ قد يتساءل عن سوابق مشابهة في المنطقة، يجدر مقارنة الحالة السودانية بقضية قطر التي وصلت إلى أروقة المحاكم الدولية عام 2017.
التمييز بين حالة السودان وقضية قطر… وازدواجية الإمارات في مفهوم السيادة الجوية
من المهم التمييز بين حالة السودان الراهنة وبين القضية التي رفعتها قطر ضد الإمارات والسعودية والبحرين ومصر أمام منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) عام 2017.
فالقضية القطرية كانت تتعلق بحصار جوي جماعي استهدف دولة عضو في المنظمة لأسباب سياسية، وأدّى إلى إغلاق ممرات جوية دولية تمر فوق عدة دول في وقت السلم، وهو ما رأت محكمة العدل الدولية (ICJ) أنه يتجاوز مبدأ السيادة الفردية ويمسّ بحرية الملاحة الجوية الجماعية التي تكفلها اتفاقية شيكاغو.
في المقابل، فإن حالة السودان مختلفة جوهريًا، لأن أي قرار برفض أو تقييد عبور الطيران الإماراتي سيكون قرارًا سياديًا فرديًا يستند إلى اعتبارات الأمن القومي والعلاقات المقطوعة بين البلدين، وليس قرارًا جماعيًا عقابيًا أو انتهاكًا لمبدأ حرية الطيران الدولي
وتنص المادة (89) من اتفاقية شيكاغو لعام 1944 على ما يلي:
«لا يُفسَّر أي حكم من أحكام هذه الاتفاقية على أنه يحدّ من حرية أي دولة في اتخاذ ما تراه ضروريًا من تدابير في زمن الحرب أو في حالات الطوارئ لحماية أمنها الوطني
وبناءً عليه، فإن حق السودان في إغلاق أجوائه أمام الإمارات أو تقييد عبورها يُعدّ ممارسةً قانونية مشروعة لسيادته، ولا يُخالف أي التزام دولي. حتى لو لجأت الإمارات إلى تقديم شكوى ضد السودان بموجب المادة (84) من اتفاقية شيكاغو، فإن مجلس منظمة ICAO سيعترف بحق السودان في ممارسة سيادته الكاملة على أجوائه، ولا يملك صلاحية إلزامه بفتح مجاله الجوي لأي طرف. أما محكمة العدل الدولية (ICJ) فلن تنظر في مثل هذه القضية إلا إذا قبل السودان اختصاصها صراحةً، وهو ما لا تفعله أي دولة ذات سيادة في ظروف الحرب أو النزاع.
1. من الناحية القانونية

  • رفض السودان لعبور الطيران الإماراتي حقٌّ سياديٌّ مشروع، لا يشكّل خرقًا لأي التزام دولي.
  • لا تملك الإمارات أي أداة قانونية تُلزم السودان بفتح مجاله الجوي أو السماح بعبور طائراتها.
  • بل إن ما يُعرف بسابقة قطر(2020) تُعزّز موقف السودان، إذ أكدت محكمة العدل الدولية أن الحق السيادي في الأجواء لا يُلغى بل يُنظَّم وفق القانون الدولي، وأن قرارات الدولة في هذا الشأن مشروعة ومحمية بالمادة (89) من اتفاقية شيكاغو لعام 1944 التي تُجيز للدول اتخاذ ما تراه ضروريًا من تدابير لحماية أمنها الوطني في أوقات الحرب أو الطوارئ.

لا تتوقف المسألة عند حدود القانون، فلكل قرار سيادي انعكاسات اقتصادية وتشغيلية وسياسية تمسّ مصالح الدول وشركات الطيران معًا.
2. من الناحية الاقتصادية والتشغيلية
رفض السودان يعني أن طيران الإمارات ستُجبر على إعادة تخطيط مساراتها الجوية بين الخليج وإفريقيا الجنوبية أو الغربية لتجنّب الأجواء السودانية، مما يؤدي إلى:

  • زيادة زمن الرحلة بمعدل يتراوح بين 30 إلى 60 دقيقة لكل اتجاه.
  • ارتفاع استهلاك الوقود بنسبة قد تصل إلى 5–10% حسب نوع الطائرة والمسار البديل.
  • زيادة رسوم عبور الأجواء الأخرى (مثل إثيوبيا أو تشاد) التي ستُستخدم كمسارات بديلة.
  • ارتفاع التكلفة التشغيلية لكل رحلة بما يُقدَّر بعشرات الآلاف من الدولارات يوميًا، خاصة في الرحلات الطويلة إلى إفريقيا.

3. من الناحية السياسية
هذا الموقف يوجّه رسالة سيادية قوية إلى نظام أبوظبي بأن السماء السودانية ليست مفتوحة مجانًا لمن يموّل الحرب على السودان. كما يُظهر أن السودان ما زال قادرًا على استخدام أدواته القانونية والاقتصادية للدفاع عن سيادته دون خرق القانون الدولي أو الإضرار بسلامة الطيران المدني.عند هذه النقطة، يصبح من المشروع التساؤل عن ازدواجية المواقف: كيف تدافع الإمارات عن سيادتها الجوية حين يخصها الأمر، وتتجاهل المبدأ نفسه حين يتعلق بالسودان؟
سيادة على المقاس: ازدواجية نظام أبوظبي بين الدفاع عن أجوائه وانتهاك أجواء السودان
تتجلّى ازدواجية نظام أبوظبي بوضوح في مواقفه من قضايا السيادة الجوية.
ففي عام 2017، أغلقت الإمارات أجواءها أمام الخطوط الجوية القطرية بذريعة «الحق السيادي»، ودافعت عن قرارها أمام محكمة العدل الدولية ومجلس المنظمة الدولية للطيران المدني (ICAO)، مؤكدةً أن لكل دولة حرية مطلقة في التحكم في أجوائها واتخاذ ما تراه ضروريًا لحماية أمنها القومي.
لكنها اليوم تتنكر للمبدأ ذاته حين يتعلق الأمر بالسودان، متجاهلة ما كانت تعتبره بالأمس «حقًا سياديًا مقدسًا».

فمن المفارقات اللافتة أن الإمارات التي منعت الطيران السوداني من دخول أجوائها بذريعة “الظروف الأمنية”، هي نفسها التي تُعلن اليوم نيتها التحليق عبر الأجواء السودانية دون إذن رسمي من سلطة الطيران المدني السودانية.
فقد أوقفت أبوظبي جميع الرحلات المباشرة من وإلى السودان، وشمل القرار شركات مثل الخطوط الجوية السودانية وبدر للطيران، كما حظرت عبور الطائرات السودانية لأجوائها، ورفضت استقبال أي طيران تشغّله الدولة السودانية.

قدّمت حينها مبررات فنية تتعلق بالسلامة الجوية، غير أن القرار حمل بُعدًا سياسيًا واضحًا، إذ جاء في سياق التوتر المتصاعد بين الخرطوم ونظام أبوظبي، ووسط اتهامات وأدلة بدعم ميليشيا الدعم السريع بالسلاح والتمويل.
واليوم، حين تتصرف طيران الإمارات كما لو أن المجال الجوي السوداني متاحٌ لها من طرفٍ واحد، فإنها تناقض مبرراتها السابقة وتخرق المبدأ ذاته الذي استخدمته لتبرير حظرها على الطيران السوداني. بهذا، يتجاوز السلوك الإماراتي حدود التشغيل الفني ليكشف ازدواجية سياسية صارخة:
فحين يتعلق الأمر بسيادتها الجوية، تُقدّسها الإمارات وتدافع عنها أمام المحاكم الدولية؛
وحين يتعلق الأمر بسيادة السودان، تتجاهل القانون الدولي وتتعامل مع الأجواء السودانية كما لو كانت مساحة مفتوحة للعبور السياسي قبل أن تكون مجالًا جويًا ذا سيادة.
تلك ليست مجرد مفارقة، بل انعكاس دقيق لكيفية استخدام أبوظبي لمفهوم السيادة كأداة نفوذ وضغط، لا كمبدأ قانوني يُحترم ويُعامل بالمثل. .
ورغم كل ما سبق من ضغوط وحرب وتحديات، تبقى الحقيقة الميدانية والسيادية أن السودان لم يفقد السيطرة على سمائه.
السودان… سيادة مستمرة رغم الحرب:
رغم الحرب التي عصفت بالبلاد وأثّرت على بنيتها التحتية، ما زال السودان يحتفظ بسيطرته الفنية والقانونية الكاملة على منطقة معلومات الطيران بالخرطوم ( HSSS FIR) المعترف بها دوليًا ضمن خرائط منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) كإقليم جوي خاضع للإدارة السودانية.
ويواصل السودان عبر كوادره الفنية إدارة الحركة الجوية الدولية العابرة لأجوائه بقدرٍ عالٍ من المهنية والانضباط، مستندًا إلى شرعيته الدولية ومبدأ السيادة الحصرية على المجال الجوي الذي نصّت عليه اتفاقية شيكاغو لعام 1944.
لقد أصبح المجال الجوي السوداني  رغم الحرب رمزًا للصمود السيادي، يعبّر عن بقاء الدولة فاعلة وممسكة بأدواتها القانونية والمؤسسية في مواجهة الفوضى. إن كل طائرة تعبر سماء السودان وفق تصريح رسمي هي شهادة على استمرارية الدولة، وكل تحليق دون إذن هو اختبار للشرعية الدوليةقبل أن يكون تحديًا للسودان.
خاتمة: السماء ليست فراغًا سياديًا:
إن احترام الأجواء السودانية هو احترام للسودان ذاته.
فالسماء ليست فراغًا يمكن اقتحامه متى شاءت الطائرات؛ إنها امتداد لسيادة الأرض وكرامة الدولة.
وما بين نصوص اتفاقية شيكاغو ورسائل شركات الطيران، تبقى الحقيقة ثابتة:
من أراد أن يمر في سماء السودان، فليطلب الإذن من السودان.
وللسودان وحده الحق أن يقول: نعم… أو لا.


تنويه تحريري
تحرص صحيفة براون لاند عربي على الدقة والمهنية في تناول القضايا الفنية والقانونية ذات الصلة بسيادة الدولة ومؤسساتها. وإذ نؤكد أن هذا المقال يستند إلى المصادر الدولية والمرجعيات القانونية المتاحة، فإننا نرحب بأي إيضاحات أو ردود رسمية من سلطة الطيران المدني السودانية (SCAA) أو من أي جهة مختصة تمتلك معلومات إضافية حول هذا الموضوع. وسنكون سعداء بنشر أي تصحيح أو توضيح رسمي في حال وُجدت معلومات تخالف ما ورد في النص، التزامًا بحق الرد وواجب التوثيق.

contact@blnews.net


عن الكاتبة
صباح المكّي كاتبة سودانية وتشغل منصب نائب رئيس التحرير في براون لاند نيوز. تتناول أعمالها قضايا الجيوسياسة والعنف السياسي والقانون الدولي والمقاومة الثقافية والوعي الاجتماعي، من منظور يرتكز على الحقائق المتغيرة في السودان. تسعى صباح إلى كسر الروايات السائدة عبر إعادة تموضع صوت المواطن السوداني ـ داخل الوطن وفي المهجر ـ ذلك الصوت الذي يُستبعد غالباً من الخطاب العالمي. وتطرح كتاباتها أسئلة جريئة حول معنى الحرب والسلام والعدالة، مؤكّدة أن التغيير الحقيقي يبدأ من هدم البُنى الاستعمارية المتجذّرة. تنظر صباح إلى الصحافة كفعل مقاومة ثقافية وفكرية وفلسفية، تواجه من خلاله البُنى التي تغذّي الصراع وتصادر الأصوات. تكتب من قلب العاصفة


حصرياً في براون لاند – عربي
حيث السيادة ليست محل مساومة، والحقيقة عصيّة على التزييف.
أرضنا. صوتنا. أخبارنا.

Back to top button