أخباربراون لاند – عربي

الخداع الاستراتيجي في السياسة الدولية (١)

كيف تشكّل التصوّر الأمريكي عن السودان عبر مستويات التحليل المؤسسي المختلفة؟ وما المسارات التي سمحت لسردية نظام أبوظبي بأن تتسرّب تدريجيًا إلى دوائر التقدير الاستراتيجي في واشنطن، قبل أن تتدخل المقاربة السعودية لإعادة توجيه الملف نحو مركز القرار الرئاسي؟ يقدّم هذا الجزء إطارًا تحليليًا لفهم كيفية صناعة "الحقيقة السياسية" في النظام الدولي، عبر تتبّع انتقال السرديات من الهوامش الإقليمية إلى البنية العميقة لصنع القرار الأمريكي. ويكشف كيف تُعاد صياغة الوقائع عبر قنوات النفوذ الإعلامي والاستخباري، وكيف تُدمج الروايات المصنوعة داخل المنظومة المؤسسية فتكتسب صفة المعرفة الرسمية، رغم أنّ جذورها تقوم على هندسة واعية للوعي وإعادة ترتيب السياق بما يخدم أهدافًا جيوسياسية بعيدة المدى.

الجزء الأول: صناعة الحقيقة في السياسة الدولية: خطاب ترامب عن السودان بين سردية نظام أبوظبي والمقاربة السعودية

بقلم. صباح المكي

مقدمة
لا يُنظر إلى الخداع الاستراتيجي في النظام الدولي بوصفه تفصيلاً ثانوياً، بل باعتباره أحد الأعمدة الأكثر رسوخاً في بنية الفعل السياسي. فهو ليس حيلة ظرفية تُستخدم عند ضيق الخيارات، بل منظومة معرفية مركّبة تتداخل فيها اللغة والاستخبارات والإعلام وآليات إنتاج المعرفة لتعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتحدد ما ينبغي أن يُرى من الواقع وما يجب أن يُستبعد منه.

فالسلطة اليوم لا تُمارس بالقوة الصلبة وحدها، بل عبر احتكار تعريف الحقيقة نفسها. ومن يمتلك القدرة على صياغة السرديات يمتلك القدرة على إعادة رسم الخرائط، وتوجيه الخيارات، وتحديد مواقع القوة والضعف في الأقاليم التي تعد ساحات استراتيجية، وفي الدول التي تُعد قابلة لإعادة التشكيل.

وفي حالة السودان يتجلى هذا المنطق بأوضح صوره. فالصورة التي استقرّت عنه في واشنطن لم تكن نتاج متابعة موضوعية أو قراءة مهنية لتوازنات البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بل ثمرة سردية إقليمية صيغت داخل دوائر نفوذ، وعلى رأسها نظام أبوظبي، ثم وجدت في المؤسسات الأمريكية بيئة جاهزة لاستقبالها وتدويرها لأنها تنسجم مع أهداف استراتيجية أقدم تقوم على إبقاء السودان في حالة هشاشة دائمة وإضعاف مركز دولته وجيشه.

هذه السردية لم تُصنع خارج واشنطن فقط، ولم تُنتج داخلها بالكامل. بل تشكّلت في منطقة رمادية بين إنتاج إقليمي وقابلية مؤسسية أمريكية للاحتضان والتضخيم، إلى أن تحولت إلى تصور سياسي شبه رسمي. ثم جاءت السعودية لتعيد ترتيب أولويات الملف أمام الرئيس، فدفعت بالسودان إلى الواجهة لا بوصفه تفصيلاً في فوضى عالمية، بل كملف حساس يتطلب استجابة مباشرة. وهكذا وُلد خطاب ترامب الذي جمع في لحظة واحدة سردية إماراتية الأصل تستبعد وجود الدولة، وسردية سعودية معاد تشكيلها تقدّم السودان كقضية عاجلة.هذه التداخلات تكشف كيف تنتقل السرديات من الأطراف إلى المركز، وكيف تتحول إلى معرفة مؤسسية بمجرد دخولها دائرة القرار الرئاسي.

وتسعى هذه الدراسة إلى تناول الخداع الاستراتيجي باعتباره ممارسة سلطة، لا ممارسة حيلة، عبر خمسة محاور مترابطة:

١. التعريف البنيوي للخداع الاستراتيجي بوصفه أداة لإعادة هندسة الإدراك السياسي على مستوى الدولة والنظام الدولي.
٢. تحليل تفاعله مع البنية العسكرية والاستخباراتية وكيف تتحول المعلومة المنتقاة إلى إطار تفسيري كامل.
٣. فهم موقع الخداع  داخل المؤسسات الأمريكية وكيف تسمح هذه المؤسسات بمرور سرديات إقليمية تخدم أهدافاً استراتيجية طويلة المدى.
٤. تقديم خطاب ترامب حول السودان بوصفه دراسة حالة توضّح كيف تنتقل المعرفة المصنوعة من الأطراف إلى المركز وكيف يعاد دمجها في القرار الرئاسي.

أما الجزء الثاني من الدراسة، فيتناول المحور الخامس، حيث يُعاد وضع خطاب ترامب في سياقه التاريخي الأوسع، عبر ربطه بالمسار المتراكم للاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية تجاه السودان منذ عام ١٩٦٧. ويتضمن ذلك تفكيك الإرث الاستراتيجي لمؤتمر اللاءات الثلاث، وتحليل مبدأ شدّ الأطراف، واستعراض منظومة العقوبات، والمشاريع التفكيكية التي استهدفت بنية الدولة السودانية عبر عقود.

أولًا: ماهية الخداع الاستراتيجي
أ. الطبقة المعرفية (Cognitive Layer)
في هذه الطبقة لا يقوم الخداع على التزوير المباشر للوقائع، بل على إعادة ترتيب عناصر الحقيقة نفسها. تُختزل المعلومة في جزء صغير منها، وتُستبعَد العناصر التي تمنح المشهد سياقه الكامل، ثم تُبنى رواية ذات اتساق داخلي يجعلها أكثر إقناعًا من الواقع ذاته.
المتلقي لا يُخدع لأنه يفتقر إلى المعرفة، بل لأنه محاصر داخل إطار معرفي مُحكم لا يسمح له برؤية ما وراءه.
مثال:
الرواية الغربية حول أسلحة الدمار الشامل في العراق عام ٢٠٠٣ لم تُبنَ على تزوير شامل، بل على انتقاء أجزاء حقيقية صغيرة وإعادة تركيبها داخل إطار معرفي مُحكم أعطى الانطباع بوجود تهديد استراتيجي مؤكد، رغم غياب الأدلة الكاملة على الأرض.

ب. الطبقة الخطابية (Discursive Layer)
في هذه الطبقة تتحول المفاهيم الكبرى مثل الديمقراطية والشرعية والاستقرار وحماية المدنيين إلى أدوات لإعادة ترميز الواقع السياسي. فهي لا تُستخدم كمبادئ معيارية، بل كآليات لتوزيع الشرعية وإنتاجها، وتحديد من يُقدَّم للعالم باعتباره “نظامًا” ومن يُعرَّف باعتباره “تهديدًا”.
بهذا يصبح الخطاب ليس قناة لنقل المعنى، بل بنية لإعادة تشكيل خرائط السلطة وتوازنات الفاعلين في المشهد الدولي
مثال:
يُعاد توصيف الاحتلال الإسرائيلي للفلسطينيين في الخطاب الغربي عبر مصطلحات مثل “نزاع” و”اشتباك” و”مناطق متنازع عليها”، وهي مفردات تُحوّل القوة القائمة بالاحتلال إلى “طرف” بين طرفين، وتعيد توزيع الشرعية بشكل يمحو جوهر الهيمنة من السردية.

ج. الطبقة الوظيفية (Instrumental Layer)
في هذا المستوى يتجسد الخداع في صورته التنفيذية؛ تمرير السياسات عبر وكلاء إقليميين لتجنب كلفة الظهور المباشر، استخدام المؤسسات الدولية لإضفاء طابع قانوني أو إنساني على تحركات غير بريئة، إدارة الإعلام بوصفه ساحة لإنتاج الواقع لا مجرد مرآة له، وتوظيف القانون الدولي كأداة لتحديد ما هو ممكن وما هو محظور في سلوك الدول المستهدفة.
مثال:
إعادة تشكيل صورة السودان في الغرب خلال العقد الأخير لم تكن نتيجة جهد إعلامي منفصل، بل ثمرة منظومة كاملة شاركت فيها شبكات لوبي، ومراكز أبحاث، ودوائر نفوذ إقليمية فاعلة داخل نظام أبوظبي، الأمر الذي مكّن القوى الكبرى من تمرير سياسات حساسة دون الظهور كصاحبة قرار مباشر فيها.

٢. الخداع الاستراتيجي العسكري
هندسة الإدراك العملياتي عبر بناء صورة متخيّلة ذات اتساق مضلّل
في المجال العسكري يرتقي الخداع إلى مستوى هندسة الإدراك العملياتي للخصم، بحيث تُبنى أمامه صورة تبدو منطقية ومتماسكة، لكنها في حقيقتها صورة مُعادة الصياغة لخدمة نوايا هجومية أو دفاعية لا يمكن كشفها بسهولة.
لا يقتصر الهدف على إخفاء النوايا، بل على إنتاج قراءة مغلقة تجعل الخصم أسيرًا لتصور عملياتي صُمِّم مسبقًا ليقوده إلى قرار خاطئ.
وتتحقق هذه الهندسة عبر أدوات متداخلة، من أبرزها:
١. إعادة توزيع مؤشرات القوة بحيث تُظهر جبهات خاملة، بينما تُدار التحضيرات الحقيقية في مواقع أخرى.
٢. إنتاج تهديدات فرعية تشغل الخصم وتستنزف قدرته على إعادة التقييم.
٣. بناء خرائط انتشار قادرة على تضليل منظومات الاستطلاع الاستراتيجي.
٤. زرع بيانات استخباراتية عالية الدقة في ظاهرها، لكنها موجّهة في مضمونها، فتنتج يقينًا زائفًا يصعب التشكيك فيه.
٥. تنفيذ عمليات خداعية تهدف إلى الإلهاء عن الاتجاه الرئيسي للضربة، سواء عبر فتح جبهة وهمية أو افتعال تحركات محسوبة.

نموذج تطبيقي: حرب أكتوبر ١٩٧٣
قدّم الرئيس المصري الراحل أنور السادات أحد أبرز الأمثلة الكلاسيكية للخداع الاستراتيجي العسكري. فقد أعاد تشكيل الإدراك الإسرائيلي عبر منظومة متقنة من المؤشرات، من بينها:
١. ترسيخ انطباع الإرهاق عبر تدريبات تُقدَّم بوصفها نشاطًا روتينيًا لا يسبق حربًا.
٢. تكرار المناورات قرب القناة حتى أصبحت جزءًا من الضوضاء المعتادة التي لا تستدعي استنفارًا استثنائيًا.
٣. ترك العدو أسيرًا لقناعته الهندسية باستحالة العبور، وعدم كسر هذه القناعة بشكل مباشر.
٤. توليد مؤشرات شكلية متتابعة، من بينها السماح لعدد من كبار الضباط بالسفر إلى العمرة في شهر رمضان، في رسالة محسوبة مفادها أن الحرب غير واردة في حسابات القيادة.
نجحت هذه المنظومة في جعل الخصم يرى واقعًا لا وجود له، لأن قوة الخداع لم تكمن في زيفه، بل في اتساقه الداخلي الذي جعل تحليله يبدو أكثر منطقية من الحقيقة ذاتها.

٣. وحدة المفهومين
الخداع ممارسة سلطة تتجاوز ثنائية الحرب والسياسة
يتكامل الخداع السياسي والعسكري في بنية واحدة تُمارَس عبرها السلطة داخل النظام الدولي. فهو لا يقوم على إخفاء المعلومات وحسب، بل على إعادة توجيه الإدراك نحو صورة محددة مسبقًا، سواء كانت تلك الصورة سياقًا سياسيًا يراد فرضه، أو مشهدًا عملياتيًا يراد للخصم أن يقرأه على نحو معيّن.
في السياسة، تُنتج السلطة عبر التحكم بالمعرفة والخطاب والأدوات التنفيذية التي تمنح الشرعية أو تنزعها، وتحدد من يُسمّى حليفًا ومن يُصنّف تهديدًا.
وفي الحرب، تُدار القوة عبر هندسة مشهد عملياتي يبدو في ظاهره متسقًا إلى درجة تخفي وراءه الهدف الحقيقي.
بهذا يصبح الخداع الاستراتيجي إنتاجًا مقصودًا لبنية إدراكية تسبق الفعل وتتحكم في تفسيره. فهو ليس تقنية ضمن أدوات الصراع، بل الإطار الذي يُعاد داخله تعريف الصراع وفاعليه وحدوده.
وتتجلى هذه الحقيقة في القول المنسوب إلى سون تزو في “فن الحرب”:
“كل الحرب تقوم على الخداع” و”الانتصار يتحقق حين تُهندَس القراءة قبل أن تُخاض المعركة”.
فالهيمنة اليوم ليست تفوقًا في القوة فحسب، بل تفوق في القدرة على تحديد ما يعنيه التهديد، وما يعنيه الاستقرار، وما يُسمح أصلًا أن يُرى من الحقيقة.

ملامح مختصرة للخداع الاستراتيجي في السياسة الأمريكية
يتأسّس الخداع الاستراتيجي في السياسة الأمريكية بوصفه بنية ضمنية لإدارة القوة، لا مجرد أداة ظرفية تُستخدم عند الحاجة. فالولايات المتحدة لا تكتفي بصياغة القرار السياسي، بل تُنتج الإطار المعرفي الذي يُقرأ القرار من خلاله. ويتم ذلك عبر مزيج من هندسة الرواية، وانتقائية المعلومة، وإعادة تعريف المفاهيم بما ينسجم مع المصالح الجيوسياسية الأمريكية طويلة المدى. ولا يعتمد هذا النموذج على التلفيق المباشر، بقدر ما يعتمد على اقتصاد دقيق في المعلومة وعلى هندسة خطابية تعيد ترتيب عناصر المشهد بحيث تُقدَّم “الحقيقة السياسية” كنتاج لعملية تصنيع ممنهجة، لا كصورة محايدة للواقع.
وتتجلى أبرز أدوات هذا الخداع في سبعة مسارات مركزية:
١. ازدواجية الخطاب والمعيار القيمي
ترفع واشنطن شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها تتعامل معها كأدوات لإنتاج الشرعية لا كمبادئ مُلزمة. فتدعم أنظمة قمعية حين تقتضي مصالحها، وتتجاهل انتهاكات فادحة لحلفائها. وهكذا يتحول الخطاب الأخلاقي إلى وظيفة شرعنة لا إلى مرجع قيمي ثابت.
٢. هندسة الرواية بعد اتخاذ القرار
غالبًا ما يُتخذ القرار أولًا ثم تُبنى الرواية لاحقًا لتبريره، كما في العراق عام ٢٠٠٣. هذا النمط، الذي يُعرف بـ هندسة الرواية Narrative Engineering، يحوّل الرواية إلى إطار لتطبيع القرار، لا إلى مدخل معرفي يسبقه.
٣. الانتقائية المعلوماتية
تمتلك واشنطن فائضًا استخباراتيًا ضخمًا، لكنها لا تقدّمه بوصفه معرفة محايدة؛ بل تُظهر ما يخدم توجهاتها وتُخفي ما يربك سرديتها، فتُنتج يقينًا ناقصًا لكنه متماسك داخليًا. الخداع هنا هو إدارة الحقيقة لا نفيها.
٤. الإنكار المنطقي واستخدام الوكلاء
تُعد إمكانية الإنكار المنطقي Plausible Deniability أداة مركزية في الممارسة الأمريكية؛ إذ تُوكِل مهام حساسة إلى حلفاء إقليميين لا ترغب في الظهور كطرف مباشر فيها، مع الاحتفاظ بقدرة توجيه القرار من الخلف. وبهذا يصبح النفوذ الأمريكي حاضرًا من دون بصمة علنية.
٥. التدخل تحت غطاء الحماية الإنسانية
تُغلف واشنطن تدخلاتها بشعارات “حماية المدنيين” أو “منع الإبادة”، بينما تكون الدوافع الحقيقية متصلة بميزان القوى، أو بالممرات البحرية، أو بمواجهة نفوذ خصم دولي. هنا يتحول الخطاب الإنساني إلى غلاف شرعي لقرار استراتيجي لا علاقة له بالمبادئ.
٦. الحياد المصطنع
تتظاهر الولايات المتحدة بالحياد بينما تمارس التأثير عبر العقوبات، والمساعدات المشروطة، والضغط الدبلوماسي، ومراكز التفكير، والإعلام الدولي. وهذا الحياد المصطنع يتيح لها التأثير العميق من دون الظهور كطرف منحاز.
٧. إعادة تعريف المفاهيم والفاعلين
تُعاد صياغة مفاهيم مثل “الشرعية”، “الانقلاب”، “الميليشيا”، و“رجل الدولة” بحسب مقتضيات المصلحة. فالخداع هنا تغييرٌ في المعنى لا تغيير في الوقائع:

  • ينقلب توصيف “المنقلب” إلى “حليف” حين تتغير الحاجة.
  • يتحول “قائد ميليشيا” إلى “فاعل سياسي” حين تقتضي الوظيفة.
  • وتُعاد كتابة الشرعية لتعكس اتجاه المصالح لا اتجاه المبادئ.

وهذه أعلى درجات الخداع الاستراتيجي: إعادة تعريف العالم بدل تغيير العالم.

الخداع الاستراتيجي في السياسة الأمريكية ليس ممارسة هامشية، بل ركيزة من ركائز الهيمنة. إنه يقوم على هندسة الحقيقة لا إلغائها، وعلى إنتاج روايات منضبطة تُعيد تشكيل الوعي الدولي وتعيد ترتيب الوقائع بما يخدم مشروع القوة الأمريكية. وأخطر ما في هذا النموذج أنه يمتلك أدوات إعلامية ضخمة تسمح له بصناعة الإدراك العالمي وإخفاء التناقضات.

ثالثًا: خطاب ترامب حول السودان
بين رواية نظام أبوظبي ومقاربة المملكة العربية السعودية

يمثل خطاب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب حول السودان مثالًا دقيقًا لآلية انتقال السرديات الإقليمية إلى مركز القرار في واشنطن، وكيف تُعاد صياغة الإدراك السياسي داخل البيت الأبيض عبر مزيج من المعرفة المنتقاة والتأثير غير المباشر والاعتبارات السياسية اللحظية. فقد جمع ترامب، في تصريح لا تتجاوز مدته دقائق، ثلاثة مستويات متشابكة: ادعاء الجهل، تبنّي سردية سلبية مسبقة عن السودان، واستجابة فورية لعرض قدّمته الرياض. وهذه المستويات الثلاثة تكشف تداخل روايتين إقليميتين، ورواية ثالثة داخلية أمريكية سمحت لهذا المزيج أن يتحول إلى منظور رئاسي.
تتمثل هذه المستويات في:
١. سردية إماراتية الأصل صاغها نظام أبوظبي عبر سنوات من العمل الإعلامي والسياسي والاستخباري.
٢. سردية سعودية أعادت ترتيب الأولويات وقدّمت الملف للرئيس بوصفه أولوية ملحّة.
٣. مؤسسة أمريكية ذات تراكم استراتيجي طويل تجاه السودان سمحت لهذه السرديات بالدخول إلى بنية القرار باعتبارها معرفة يمكن اعتمادها.

١. خطاب “السذاجة الاستراتيجية  Strategic Naivety
ادعاء الجهل بوصفه أداة سياسية
حين يقول ترامب إنه لم يكن يعرف السودان أو إنه لم يكن على خريطته، فإنّه لا يصف فجوة معرفية حقيقية، فالرئيس الأمريكي يخضع لنظام إحاطة استخبارية يومية يتضمن معلومات مفصلة من وكالة المخابرات المركزية، ووكالة الأمن القومي، ووزارة الخارجية، والقيادة الأمريكية لإفريقيا، وغيرها من الأجهزة التي تملك تراكمًا غنيًا عن السودان منذ عقود طويلة. وبذلك يصبح ادعاء الجهل وظيفة سياسية لا توصيفًا للواقع، وهو يؤدي ثلاث مهام محورية:
١. التنصّل من الإرث السياسي
إظهار أن الإدارة الحالية لا تتحمل مسؤولية المسار الطويل للسياسات الأمريكية تجاه السودان منذ السبعينيات، وكأنها تفتح الملف من نقطة صفر جديدة.
٢. إعادة تأطير التدخل الأمريكي
تصوير التحرك الأمريكي باعتباره استجابة لطلب إقليمي، لا استمرارًا لاستراتيجية متجذرة داخل المؤسسات منذ ستينيات القرن الماضي.
٣. تحويل ملف معقد إلى قصة شخصية مبسّطة
تقديم القرار بوصفه استجابة مباشرة لملاحظة صديق أو حليف، لا بوصفه امتدادًا لسياسة أمريكية عميقة ممتدة لعقود.

وهكذا يصبح الجهل المصطنع أداة لإعادة ترتيب المشهد السياسي، وليس وصفًا لحالة معرفية حقيقية.

٢. السردية الأصلية التي حملها ترامب
جذور إماراتية ضمن إطار استراتيجي أمريكي
الصورة التي استخدمها ترامب لوصف السودان كمساحة مضطربة بلا دولة فاعلة ليست نابعة من اجتهاده الشخصي، بل هي انعكاس مباشر للسردية التي عمل عليها نظام أبوظبي لسنوات طويلة. فقد استخدمت أبوظبي شبكات ضغط، ومراكز أبحاث، ومنابر إعلامية دولية، وقنوات أمنية لتقديم السودان على أنه دولة فاشلة، ومجتمع مفتّت، وجيش ضعيف، وأنه بلد قابل لإعادة التشكيل من الخارج دون كلفة سياسية كبيرة.

غير أن جوهر المسألة أعمق من مجرد نفوذ إعلامي إماراتي. فهذه السردية لم تكن ممكنة لولا قابلية المؤسسة الأمريكية نفسها لاستقبالها ودمجها في مقاربتها للسودان. إذ تنظر الولايات المتحدة إلى البحر الأحمر بوصفه حيزًا استراتيجيًا يجب التحكم فيه، وترى السودان من منظور أمني يرتبط بالمصلحة الإسرائيلية، وبإبقاء المركز السياسي ضعيفًا، وتقليص قدرة الجيش على إعادة بناء الدولة. وبذلك أصبحت السردية الإماراتية متوافقة مع اتجاه أمريكي طويل المدى، فتم استيعابها داخل المؤسسات وتدويرها بوصفها إطارًا مقبولًا للقراءة.
الصورة التي وصف بها ترامب اعتقاده بأن.السودان دولة مضطربة بلا مؤسسات فعالة لم تنشأ عفويًا. فقد عمل نظام أبوظبي لسنوات على بناء سردية متكاملة حول السودان داخل الفضاء الغربي، واستثمر في شبكات ضغط، ومراكز أبحاث، ومنابر إعلام دولية، قُدم عبرها السودان بوصفه دولة فاشلة قابلة لإعادة الهندسة.

هذه السردية ما كان لها أن تستقر في الوعي المؤسسي الأمريكي لولا قابلية ذلك الوعي لاستقبالها وتشربها. فالولايات المتحدة، بدافع حماية الأمن الإسرائيلي، وبسبب رؤيتها التاريخية للبحر الأحمر بوصفه ممرًا يجب التحكم في طبيعته الجيوسياسية، سمحت لهذه السردية بالنمو داخل هياكلها، لأنها منسجمة مع أهدافها الاستراتيجية تجاه السودان:
١. إضعاف المركز السياسي.
٢. تفكيك قوة الجيش تدريجيًا وتحويله إلى طرف تابع لا فاعل.
٣. إبقاء البلاد في حالة هشاشة هيكلية تمنع تحوّلها إلى قوة مستقلة.
بهذا المعنى، لم تكن الرواية التي اعتنقها ترامب مجرد خطاب إماراتي، بل نسخة مبسّطة من سردية مركّبة: أمريكية في منشئها، إماراتية  في تبنّيها، إسرائيلية في فائدتها. وقد أصبح هذا التداخل ممكنًا فقط لأن واشنطن كانت أوّل من منح الضوء الأخضر لاستخدام المال واللوبيات والأدوات الإعلامية لإنتاج حالة من “الفوضى المُدارة” التي تشبه ما وصفته كوندوليزا رايس قبل عقدين بمفهوم “الفوضى الخلّاقة”.

٣. السردية السعودية التي أعادت ترتيب الأولويات
مقاربة تصحيحية أعادت السودان إلى موقعه الحقيقي أمام الرئيس
على خلاف السردية الإماراتية التي قدّمت السودان كمساحة سائبة بلا دولة، طرحت السعودية رواية مختلفة عند انتقال الملف إلى مكتب الرئيس. فقد قدّمت الرياض قراءة تهدف إلى تصحيح التشويه الذي استقر في الإدراك السياسي الأمريكي، وأبرزت ثلاثة عناصر أساسية:
١. إعادة تقديم السودان كدولة ذات تاريخ ومؤسسات
توضيح أن السودان ليس فراغًا سياسيًا، بل دولة ذات عمق اجتماعي وجغرافي ومؤسسي، وأنّ جيشه من أقدم الجيوش النظامية في المنطقة، وأنّ أي توصيف مبسّط يختزله في “فوضى طبيعية” هو توصيف مضلّل.
٢. وضع الحرب في سياقها الحقيقي
تقديم ما يجري بوصفه اعتداء ميليشياويًا خارجي التمويل على دولة قائمة، لا بوصفه انهيارًا ذاتيًا نابعًا من المجتمع السوداني. وبذلك أعادت هذه المقاربة تعريف الأزمة كعدوان مسلح على دولة ذات سيادة، لا كفوضى ناتجة عن ضعف داخلي.
٣. ربط الملف بالأمن الإقليمي والبحر الأحمر
إبراز أن استمرار الصراع يهدد أمن البحر الأحمر وتوازناته، وأنّ التعامل مع الملف ليس خدمة لحليف بعينه، بل ضرورة مرتبطة بأمن الملاحة الإقليمي وموازين القوى في الإقليم.

ورغم هذا التقديم التصحيحي، فإنّ أجهزة الاستخبارات الأمريكية كانت تملك في الأصل صورة أوسع وأعمق. إلا أنّ الرئيس اختار السردية التي تلائم لحظته السياسية، لا السردية التي تقدّمها المؤسسات المتخصصة. وبذلك أصبحت الرؤية السعودية قناة مباشرة دفعت بالملف إلى مستوى الاهتمام الرئاسي، فيما ظلّت السردية الإماراتية تعمل في الخلفية كامتداد لسياق استراتيجي طويل.
٤. وظيفة جملة ترامب: «أنا لم أكن أعلم»
هذه الجملة التي بدت عابرة هي في حقيقتها أداة سياسية مركبة. فهي تسمح للرئيس بأن:
١. يفصل نفسه عن تاريخ طويل من السياسات الأمريكية التي أسهمت في إضعاف السودان، فيظهر كمن يفتح الملف للمرة الأولى.
٢. يقدّم تبنّيه للسردية الجديدة كما لو أنه اكتشاف شخصي، لا امتدادًا لموقف استراتيجي قديم راسخ في المؤسسات.
٣. يخفي الدور الإماراتي المؤثر في صناعة السردية الأصلية التي اعتمد عليها قبل تدخّل السعودية.
٤. يحوّل الملف من قضية ذات تراكم مؤسسي طويل إلى لحظة عاطفية تنتهي بقرار سريع يمكن تسويقه داخليًا وخارجيًا.

يشكل تصريح ترامب بأنه “لم يكن يعرف السودان” واحدة من أكثر العبارات دلالة في خطابه؛ فهي لا تعكس نقصًا في المعرفة المهنية، بل تُستخدم كأداة لإنتاج السياق السياسي المناسب. فهو:
١. يتنصّل من مسؤولية السياسات الأمريكية القديمة، فيغطي على عقود من العقوبات والضغوط والتدخلات.
٢. يصوّر التدخل الأمريكي كأنه استجابة لطلب إقليمي، فيتخفف من عبء الظهور كصاحب مشروع استراتيجي تجاه السودان، ويقدّم الدور الأمريكي باعتباره “خدمة” لحليف.
٣. يضفي طابعًا شخصيًا على قرار معقد، عبر سردية “جلسة واحدة غيّرت الموقف” التي تحوّل القرار الاستراتيجي إلى قصة شخصية لرجل صفقات يتحرك استجابة لرجاء الأصدقاء.
٤. يطمس التراكم الاستخباري والسياسي الأمريكي، فيضغط خبرة خمسين عامًا في عبارة “لم أكن أعلم”، فيبدو وكأن الولايات المتحدة دخلت المشهد متأخرة ومحايدة، بينما الحقيقة أن سياساتها تجاه السودان ممتدة منذ الحرب الباردة.وحين يُقدَّم الجهل كحقيقة، يختفي خلفه أثر سنوات من العمل الإماراتي المنظم الذي صاغ الصورة السلبية الأصلية عن السودان كدولة فاشلة قابلة لإعادة التشكيل. وهكذا يصبح “عدم العلم” أداة من أدوات الخداع الاستراتيجي: تبيّض السجل، وتخفف كلفة الاعتراف بالدور الأمريكي، وتخفي منظومة الهيمنة خلف ستار يبدو إنسانيًا ومحايدًا.
٥. انتقال السودان من هامش الإدراك إلى أولوية موجّهة
عندما قال ترامب إنه أصبح يرى السودان بصورة مختلفة خلال نصف ساعة، لم يكن يشير إلى تحول معرفي حقيقي، بل إلى تحول في الإطار السياسي المسموح بالتعبير عنه. فالمعرفة كانت موجودة داخل المؤسسات، لكن الذي تغيّر هو السقف السياسي لا مستوى المعلومات.
السردية الإماراتية وفّرت القالب السلبي، والسردية السعودية نقلت الملف إلى مكتب الرئيس، والمؤسسة الأمريكية سمحت بدمج السرديتين داخل اتجاه استراتيجي مستمر منذ عقود. وهكذا تصبح لحظة التحول في خطاب ترامب ليست اكتشافًا، بل لحظة تفعيل لسردية إقليمية داخل بيئة سياسية أمريكية جاهزة لاستقبالها وتوظيفها ضمن مشروع أوسع لإعادة هندسة الإقليم.

رابعًا:من هندسة الإدراك إلى هندسة الاستراتيجية
وختاما، يكشف هذا التحليل، عبر تفكيك طبقات الخداع الاستراتيجي المعرفية والخطابية والوظيفية والعسكرية، كيف يُعاد تشكيل الوعي قبل إعادة تشكيل الوقائع، وكيف تُدار الصراعات بحيث لا تنطفئ تمامًا ولا تشتعل كليًا، بل تُضبط عند مستوى يسمح بإبقاء الهدف قابلًا لإعادة الهندسة. وفي هذا الإطار، لا يبدو خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول السودان مجرد انطباع عابر، بل تجليًا كثيفًا لثلاث قوى سردية تعمل في الخلفية داخل مسار واحد.
أولى هذه القوى سردية إماراتية المنشأ صاغت الإطار السلبي الأول. وثانيتها سردية سعودية معاد تشكيلها أعادت ترتيب أولويات الملف ودفعت به إلى مقدمة المشهد الرئاسي. وثالثتها بنية مؤسسية أمريكية عميقة امتصت السرديتين ودمجتهما داخل مسار استراتيجي ممتد منذ عقود.

بهذا يصبح خطاب ترامب ليس رواية شخصية، بل نموذجًا لطريقة عمل صناعة الإدراك في النظام الدولي. سردية تبدأ في الأطراف، تعبر إلى مؤسسات واشنطن الأمنية والسياسية، ثم تُقدّم في صورة خطاب رئاسي مبسط يُسوَّق للرأي العام بوصفه اكتشافًا طارئًا، بينما هو امتداد مباشر لمسار طويل من هندسة الوعي وإعادة رسم حدود الفهم السياسي.
ومع ذلك، فإن هذا الخطاب لا يفتح باب الأسئلة حول لحظته وحدها، بل حول البنية التي سمحت أصلًا بتحويل دولة كاملة إلى ملف قابل لإعادة التشكيل في غرف مغلقة، ثم إلى قصة قصيرة تُروى على هامش لقاء سياسي.

والإجابة عن هذا السؤال، كما سيناقش الجزء الثاني، تقتضي العودة خطوة إلى الوراء.فالخيط الأول لهذا المسار يبدأ في الخرطوم عام ١٩٦٧، حين دخل السودان للمرة الأولى إلى الذاكرة الأمنية الإسرائيلية والأمريكية بوصفه عقدة ينبغي تحييدها. ومن تلك اللحظة وُضعت اللبنات الأولى لاستراتيجية مشتركة كرست مبدأ شد الأطراف، ورسخت منظومة العقوبات، ومهدت لمشاريع التفكيك التي استهدفت بنية الدولة السودانية عبر عقود.

ومن هنا يتبين أن الخداع الاستراتيجي ليس مجرد أداة تفسير، بل الخيط الذي يصل بين مشهد الخرطوم ١٩٦٧ وخطاب ترامب، وبين السردية الإسرائيلية الأولى وإعادة تدويرها عبر الوكلاء الإقليميين، وبين مؤسسات القوة الأمريكية وواجهتها السياسية التي تتولى تسويق ما يُصاغ في الغرف المغلقة.
ومع ذلك يبقى سؤال واحد معلّق يشكّل المدخل نحو مسار آخر بالكامل:
كيف يرتبط هذا المسار بمشروع قوة استقرار السلام في غزة؟
ولماذا يُقاتَل في السودان كل شيء إلا القضاء على الجنجويد عسكريًا؟

سؤال مفتوح.
وإجابته تكشف ما هو أعمق من مجرد سرديتين متعارضتين.


عن الكاتبة
صباح المكّي كاتبة سودانية وتشغل منصب نائب رئيس التحرير في براون لاند. تتناول أعمالها قضايا الجيوسياسة والعنف السياسي والقانون الدولي والمقاومة الثقافية والوعي الاجتماعي، من منظور يرتكز على الحقائق المتغيرة في السودان.
تسعى صباح إلى كسر الروايات السائدة عبر إعادة تموضع صوت المواطن السوداني ـ داخل الوطن وفي المهجر ـ ذلك الصوت الذي يُستبعد غالباً من الخطاب العالمي. وتطرح كتاباتها أسئلة جريئة حول معنى الحرب والسلام والعدالة، مؤكّدة أن التغيير الحقيقي يبدأ من هدم البُنى الاستعمارية المتجذّرة.
تنظر صباح إلى الصحافة كفعل مقاومة ثقافية وفكرية وفلسفية، تواجه من خلاله البُنى التي تغذّي الصراع وتصادر الأصوات. تكتب من قلب العاصفة.


حصرياً في براون لاند -عربي.
حيث السيادة ليست محل مساومة، والحقيقة عصيّة على التزييف.
أرضنا. صوتنا. أخبارنا.

Back to top button