
براون لاند نيوز سبقت، وميدل إيست آي أكدت: بوصاصو الصومالية تتحول إلى المركز السري للإمارات في حرب السودان
تحقيق حصري باللغة الإنجليزية لصحيفة ميدل إيست آي يؤكد سلسلة التحقيقات التي نشرتها براون لاند نيوز، والتي أُنجزت هي الأخرى باللغة الإنجليزية، حول شبكة الحرب السرّية للإمارات في الصومال. التقرير الميداني الذي نشرته ميدل إيست آي يثبت ما كشفت عنه براون لاند نيوز من عملياتٍ خفية يديرها نظام أبوظبي، تشمل الجسور الجوية، ومسارات المرتزقة، واللوجستيات بالوكالة في إقليم بونتلاند.
بقلم: صباح المكي

في الثالث من يوليو 2025، نشرت براون لاند نيوز تحقيقها البارز بعنوان «الجبهة الصامتة: كيف حوّلت الإمارات الصومال إلى منصةٍ لحربٍ بالوكالة»، الذي كشف كيف حوّل نظام أبوظبي سواحل الصومال الشمالية إلى ممرٍّ خفيٍّ لإمداد قوات الدعم السريع في السودان.
بعد أربعة أشهر، في 31 أكتوبر 2025، نشرت صحيفة ميدل إيست آي تحقيقاً ميدانياً موسعاً بعنوان «حصري: داخل العملية السرّية للإمارات في حرب السودان من بوصاصو الصومالية»، أكّد بالتفصيل ما كانت براون لاند نيوز قد وثّقته طَوال عام 2025، بما في ذلك الجسور الجوية الإماراتية، والشحنات البحرية الغامضة، ووجود مرتزقة كولومبيين، وأنظمة رادار أجنبية تعمل تحت إشراف إماراتي في بونتلاند.
ملاحظة تحريرية:

يُعدّ إقليم بونتلاند كيانًا فيدراليًا شبه مستقل داخل جمهورية الصومال الفيدرالية، عاصمته جروي، ويضمّ ميناء بوصاصو الاستراتيجي الواقع على الساحل الشمالي الشرقي المطل على خليج عدن. ورغم اعترافه الشكلي بسلطة الحكومة الفيدرالية في مقديشو، فإن الإقليم يتمتّع بدرجةٍ واسعة من الحكم الذاتي ويُبرم اتفاقياتٍ سياسية واقتصادية مستقلة مع أطرافٍ خارجية، من بينها الإمارات العربية المتحدة. ويرأس الإقليم حاليًا سعيد عبدالله دني، الذي يُعدّ من أبرز حلفاء أبوظبي في منطقة القرن الإفريقي.

أما أرض الصومال (صوماليلاند)، الواقعة في الشمال الغربي من البلاد، فعاصمتها هرجيسا وتضمّ ميناء بربرة المطل على الساحل الجنوبي لخليج عدن.
وقد أعلنت انفصالها عن الصومال عام 1991 وتُدار اليوم بحكومة مستقلة برئاسة عبدالرحمن محمد عبدالله “إررو”، لكنها لا تزال غير معترف بها دولياً.

أما جمهورية الصومال الفيدرالية ذاتها، فعاصمتها مقديشو، ويقودها الرئيس حسن شيخ محمود منذ عام 2022، وهي السلطة الصومالية الوحيدة المعترف بها دولياً.
هذا التباين بين الحكومة المركزية والأقاليم شبه المستقلة أتاح للإمارات توسيع نفوذها عبر موانئ بوصاصو وبربرة، متجاوزةً سلطة الدولة المركزية في مقديشو.
أولاً: من التسريبات الأولى إلى الأدلة الميدانية
جاء التحقيق الحصري الذي أجرته صحيفة ميدل إيست آي بعد أشهرٍ من تحقيقات براون لاند نيوز، ليؤكد بشكلٍ مستقل ودقيق صحة ما كانت المؤسسة قد كشفته حول الدور الإماراتي في بوصاصو وشبكات الحرب بالوكالة في الصومال والسودان.
فمنذ مطلع عام 2025، نشرت براون لاند نيوز سلسلةً من التحقيقات التي رسمت ملامح الشبكة الخفية لنفوذ أبوظبي في المنطقة:
- مايو 2025: أول شهادةٍ مباشرة لموظفٍ في ميناء بوصاصو أكّد تفريغ سفينة إماراتية لشحناتٍ غير معلنة تحت غطاء المساعدات الإنسانية.
- مايو 2025: تقرير متابعة بعنوان «أرض الصومال وبوصاصو… السودان في مرمى السيطرة» ربط بين القواعد الإماراتية في بربرة وبوصاصو وسلسلة الإمداد التي تغذي قوات الدعم السريع.
- مايو 2025: تحقيق حصري آخر كشف تلقي رئيس إقليم بونتلاند، سعيد عبدالله دني، مبلغ 20 مليون دولار سراً من الإمارات مقابل منحها حقوق استكشافٍ غير مصرح بها، ما يعكس حجم النفوذ السياسي لأبوظبي في المنطقة.
- يوليو 2025: كشف تحقيق براون لاند نيوز بعنوان «الجبهة الصامتة: كيف حوّلت الإمارات الصومال إلى منصةٍ لحربٍ بالوكالة» البنية الكاملة لشبكة الإمداد الإماراتية الممتدة من بوصاصو إلى دارفور، بما في ذلك الجسور الجوية وشركات الشحن والمرتزقة الكولومبيين.
- أغسطس 2025: تقرير يوثّق مقتل جنودٍ صوماليين يقاتلون إلى جانب قوات الدعم السريع في دارفور، في أول دليلٍ على تورط عناصر صومالية في الحرب السودانية.
- سبتمبر 2025: صور حصرية نشرتها براون لاند نيوز أظهرت مرتزقة كولومبيين في طريقهم إلى بوصاصو عبر الخطوط الإثيوبية، وهو ما أكدته لاحقاً ميدل إيست آي.
شكّلت هذه التحقيقات المتتابعة قاعدةً معرفية متكاملة كشفت خيوط الدور الإماراتي مبكراً، قبل أن تؤكده الأدلة الميدانية التي قدّمتها ميدل إيست آي في تحقيقها الحصري.
ثانياً: الجبهة الصامتة
كشف تحقيق «الجبهة الصامتة» الصادر عن براون لاند نيوز البنية الكاملة للشبكة التي تربط بين بوصاصو وبربرة ودارفور، والتي تديرها شركات شحنٍ مسجّلة في قرغيزستان مملوكة فعلياً لرجال أعمال إماراتيين مثل جيوان للطيران ونيو واي كارغو.
أثبت التحقيق أن طائرات الشحن الثقيلة من طراز IL-76 كانت تقلع من قاعدتي الظفرة والريف في الإمارات إلى بوصاصو، ومنها إلى نيالا في دارفور أو إلى تشاد وليبيا محمّلةً بالطائرات المسيّرة والذخائر والمقاتلين.
كما وثّقت براون لاند نيوز وجود مرتزقة كولومبيين جندتهم شركة الأمن الإماراتية GSSG، يتلقّون تدريبهم في معسكرات شرطة بونتلاند البحرية قبل إرسالهم إلى السودان.
واعتمد التحقيق على صور أقمار صناعية وشهادات عمّال الميناء الذين شاهدوا صناديق موسومة بشعارات “مساعدات إنسانية” تُحمَّل على طائرات متجهة إلى وجهاتٍ مجهولة.
ثالثاً: تأكيد ميدل إيست آي الميداني
نشرت ميدل إيست آي تحقيقها بعنوان «حصري: داخل العملية السرّية للإمارات في حرب السودان من بوصاصو الصومالية»، مؤكدةً صحة الإطار الذي رسمته براون لاند نيوز من خلال مقابلاتٍ ميدانية وبيانات تتبّع الرحلات وصورٍ حصرية.
ومن أبرز نقاط التقاطع بين التحقيقين:
- الجسر الجوي: وثّقت ميدل إيست آي هبوط طائرات IL-76 في بوصاصو محمّلةً بشحناتٍ غامضة تُعاد تعبئتها نحو السودان.
- الشحنات الخطِرة: مدير الميناء أكّد مرور أكثر من 500 ألف حاوية موسومة بـ“خطرة” عبر بوصاصو دون بيانات منشأ أو محتوى.
- المرتزقة: صور المرتزقة الكولومبيين عند وصولهم بوصاصو تطابق تماماً الصور التي نشرتها براون لاند نيوز في سبتمبر.
- المنشأة الطبية السرّية: كشف ضباط من قوات الشرطة البحرية في بونتلاند (PMPF) لـميدل إيست آي أن المرتزقة الكولومبيين أنشأوا داخل معسكرهم مستشفى ميدانياً لعلاج الجرحى من مقاتلي قوات الدعم السريع الذين يُنقلون من السودان إلى بوصاصو. وأكد أحد الضباط أنه شاهد بنفسه طائرة محمّلة بالمصابين تهبط في المطار وكانت أبوابها ملطخة بالدماء، مشيراً إلى أن الموقع يُستخدم كنقطة عبور طبية قبل نقل الجرحى إلى وجهاتٍ أخرى.
- أنظمة الرادار: أكدت ميدل إيست آي وجود رادار أجنبي بالقرب من مطار بوصاصو لتعزيز الحماية الجوية للعمليات الإماراتية، يُعتقد أنه فرنسي الصنع، وهو ما يكمّل ما كانت براون لاند نيوز قد كشفت عنه سابقاً حول تركيب أنظمة رادار إسرائيلية الأصل تعمل تحت إشراف إماراتي في المنطقة.
- التواطؤ السياسي: حلّل الخبراء الذين استشهدت بهم ميدل إيست آي دور رئيس بونتلاند، سعيد عبدالله دني، بوصفه الحليف الأقرب للإمارات، وهو ما سبق أن وثّقته تحقيقات براون لاند نيوز.
تتطابق نتائج التحقيقين إلى حدٍّ كبير، ما حوّل التحذيرات الإقليمية المبكرة التي أطلقتها براون لاند نيوز في تحقيقاتها الاستقصائية إلى أدلةٍ موثّقة على الساحة الدولية.
رابعاً: الدوافع الاستراتيجية والأبعاد الإقليمية
اتفق كلٌّ من براون لاند نيوز وميدل إيست آي على أن تحركات الإمارات في الصومال لا علاقة لها بالتنمية أو مكافحة الإرهاب، بل تستهدف تحقيق مكاسب جيوسياسية واقتصادية واضحة.
ففي «الجبهة الصامتة» أوضحت براون لاند نيوز أن النظام في أبوظبي يسعى إلى السيطرة على الذهب السوداني والثروات الطبيعية ومسارات التجارة في البحر الأحمر.
وأكد الخبير في شؤون القرن الإفريقي، مارتن بلوت، في حديثٍ لـميدل إيست آي أن الذهب والنفوذ الإقليمي يشكّلان الدافع الرئيس للانخراط الإماراتي في السودان.
ويظهر من خلال هذا التطابق أن الحرب التي تقودها ميليشيا الدعم السريع ليست سوى جزءٍ من مشروعٍ أوسع لإعادة رسم خريطة النفوذ في شرق إفريقيا تحت مظلة المال الإماراتي.
خامساً: المساءلة القانونية والأخلاقية
حين حذّرت براون لاند نيوز من احتمال تورّط قيادات بونتلاند في جرائم تُرتكب في السودان، قوبلت التحذيرات بالتجاهل.
لكن بعد أربعة أشهر، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية أن لديها “أسباباً معقولة للاعتقاد بوقوع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في السودان”، وأن الأطراف الإقليمية التي تساهم في هذه الجرائم قد تُحمَّل المسؤولية.
ونقلت ميدل إيست آي عن خبراء قولهم إن “سلطات بونتلاند قد تواجه قضيةً أمام القضاء الدولي”. هذه الخلاصة تتقاطع مع التحذيرات التي أطلقتها براون لاند نيوز في تقاريرها السابقة بشأن المسؤولية القانونية المحتملة للجهات المحلية المتورطة في تسهيل الأنشطة الإماراتية.
سادساً: لماذا يهم هذا التحقيق
أكدت التحقيقات المتطابقة ثلاث حقائق أساسية:
- مطار وميناء بوصاصو يشكّلان مركز العمليات اللوجستية للإمارات في دعم قوات الدعم السريع.
- السيادة الصومالية تعرّضت لاختراقٍ ممنهج عبر عسكرة الموانئ واستقدام المرتزقة.
- نفوذ نظام أبوظبي تجاوز ساحة الحرب إلى عمق السياسة والاقتصاد المحلي في بونتلاند.
لقد أنشأت الإمارات شبكةً عابرة للحدود من الموانئ والمطارات والمرتزقة تعيد رسم ملامح الحروب بالوكالة وتهدد استقرار الصومال والسودان معاً.
سابعاً: براون لاند نيوز… إنذار مبكر ورقابة مستمرة
أكد تحقيق ميدل إيست آي ما كانت براون لاند نيوز توثّقه منذ مطلع عام 2025، وهو أن الموانئ والمطارات الصومالية تحوّلت إلى العمود الفقري اللوجستي لحرب الإمارات بالوكالة ضد السودان.
وقد توسّعت تغطية براون لاند نيوز لتشمل سلسلة تحقيقات عربية متخصّصة بعنوان «موانئ تحت المراقبة: استراتيجية نظام أبوظبي لإعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي»، وسيتم نشر ترجمتها الإنجليزية قريباً.
وتتضمّن السلسلة حالياً:
- الجزء الأول: الهندسة الخفية لنفوذ أبوظبي: من الاستثمارات إلى الاستخبارات
- الجزء الثاني: من هندسة النفوذ إلى احتلالٍ ناعم (قيد الإعداد)
تتناول هذه الدراسات هندسة النفوذ الإماراتي في شرق إفريقيا والبحر الأحمر، من الاستثمارات الاقتصادية إلى العمليات الاستخباراتية والحروب بالوكالة، وتشكل امتداداً مباشراً لما كشفت عنه براون لاند نيوز حول بوصاصو وشبكات الحرب السرّية.
ثامناً: الخلاصة
الحرب في السودان لا تُخاض في دارفور وحدها، بل تُدار من وراء البحر، عبر أراضٍ صومالية تحوّلت إلى مسرحٍ لعملياتٍ عسكرية أجنبية تُنفَّذ بغطاءٍ من التجارة والمساعدات الإنسانية. من مدرجات بوصاصو إلى أرصفة بربرة، شيّد نظام أبوظبي جبهة حربٍ موازية خارج حدوده، تُدار بأموال النفط وتُسَوَّق تحت شعارات التنمية والشراكة.
إن تأكيد صحيفة ميدل إيست آي لما كشفت عنه براون لاند نيوز في تحقيقاتها باللغة الإنجليزية لا يمثّل نهاية القصة، بل بداية مرحلةٍ جديدة من المساءلة وكشف الحقائق. فقد أصبحت الأدلة اليوم دامغة، والمسؤوليات محددة، وما تبقّى هو أن يتحرك العالم لوقف الحروب بالوكالة، ومحاسبة من يشعلها ويستثمر في رمادها.
المراجع
- براون لاند نيوز، شاهد عيان يؤكد تفريغ سفينة إماراتية في بوصاصو (مايو 2025)
- براون لاند نيوز، أرض الصومال وبوصاصو… السودان في مرمى السيطرة (مايو 2025)
- براون لاند نيوز، رئيس بونتلاند يتلقى 20 مليون دولار من الإمارات سراً (مايو 2025)
- براون لاند نيوز، الجبهة الصامتة: كيف حوّلت الإمارات الصومال إلى منصةٍ لحربٍ بالوكالة (يوليو 2025)
- براون لاند نيوز، مقتل جنودٍ صوماليين في دارفور (أغسطس 2025)
- براون لاند نيوز، صور حصرية تُظهر مرتزقة كولومبيين في طريقهم إلى بوصاصو (سبتمبر 2025)
- ميدل إيست آي، حصري: داخل العملية السرّية للإمارات في حرب السودان من بوصاصو الصومالية (أكتوبر 2025)
عن الكاتبة
صباح المكّي كاتبة سودانية وتشغل منصب نائب رئيس التحرير في براون لاند . تتناول أعمالها قضايا الجيوسياسة والعنف السياسي والقانون الدولي والمقاومة الثقافية والوعي الاجتماعي، من منظور يرتكز على الحقائق المتغيرة في السودان.
تسعى صباح إلى كسر الروايات السائدة عبر إعادة تموضع صوت المواطن السوداني ـ داخل الوطن وفي المهجر ـ ذلك الصوت الذي يُستبعد غالباً من الخطاب العالمي. وتطرح كتاباتها أسئلة جريئة حول معنى الحرب والسلام والعدالة، مؤكّدة أن التغيير الحقيقي يبدأ من هدم البُنى الاستعمارية المتجذّرة.
تنظر صباح إلى الصحافة كفعل مقاومة ثقافية وفكرية وفلسفية، تواجه من خلاله البُنى التي تغذّي الصراع وتصادر الأصوات. تكتب من قلب العاصفة.
حصرياً في براون لاند –عربي
حيث السيادة ليست محل مساومة، والحقيقة عصيّة على التزييف.
أرضنا. صوتنا. أخبارنا.



