آراءبراون لاند – عربي

بين الإنصرافي و الصحّاف ويونس محمود : ثلاثة أصوات في مشهد التعبئة

بقلم: محمد سعد كامل رئيس تحرير صحيفة براون لاند

إمتلأت الاسافير في السودان بمفردات مثل صرفة و الانصرافي و الكاهن و اصبحت شخصية الانصرافي تعبر عن لسان أغلب السودانيين و تلبي طموحاتهم السياسية في الغالب ، وعبر آلاف المعجبين و المتابعين أصبح للإنصرافي دور سياسي و مجتمعي قد يؤثر حتي علي متخذي القرار في السودان و ذلك عبر إستخدامه للغة بسيطة شعبية ، تعبوية ، تخاطب وجدان المواطن السوداني العادي بعيدا عن خطاب النخب الثقافية و بعيدا عن اي خطاب أيدلوجي .

يلعب الخطاب الإعلامي والتعبوي دورًا محوريًا في تشكيل الرأي العام، خاصة خلال فترات الأزمات والصراعات. وفي العالم العربي، برزت خلال العقود الأخيرة ثلاث تجارب مختلفة في طبيعتها، لكنها متقاربة في تأثيرها على الجمهور: تجربة محمد سعيد الصحّاف، وتجربة المقدم يونس محمود ( رتبته في ذلك الزمان ) من إدارة التوجيه المعنوي بالجيش السوداني، وتجربة الانصرافي بوصفه ظاهرة صوتية شعبية انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي.وتكشف المقارنة بين هذه النماذج ثلاثة أنماط متباينة لصناعة الخطاب والتأثير، بين الرسمي والمؤسسي والشعبي.

الصحّاف… وجه الإعلام الرسمي في ابرز ملامح تاريخ العراق الحديث

برز وزير الإعلام العراقي الأسبق محمد سعيد الصحّاف كأحد أبرز الأصوات الرسمية في العالم العربي خلال حرب العراق عام 2003.واتسمت خطاباته حينها بالطابع المسرحي، واللغة الفصيحة المشحونة بالعاطفة، ومحاولة الحفاظ على تماسك الرواية الرسمية رغم الضغوط العسكرية والسياسية.ولم يمنع الجدل الذي أثارته تصريحاته من منحه حضورًا عالميًا لافتًا، جعله واحدًا من أبرز المتحدثين الحكوميين في الذاكرة الإعلامية الحديثة.

المقدم يونس محمود … خطاب رسمي منضبط من داخل المؤسسة العسكرية

يمثل المقدم يونس محمود نموذجًا مختلفًا للخطاب الرسمي، إذ برز ضمن إدارة التوجيه المعنوي للقوات المسلحة السودانية عبر رسائل إعلامية موجّهة للجمهور وللقوات النظامية إبان إستعار الحرب بين الجيش السوداني و الحركة الشعبية بقيادة جون قرن ويعتمد محمود أسلوبًا أكثر مهنية وهدوءًا مقارنة بتجربة الصحّاف، مع تركيز على رفع الروح المعنوية وتقديم رواية عسكرية واضحة، بعيدًا عن المبالغات الدرامية أو الاستعراض الإعلامي.

الانصرافي… صوت شعبي في عصر الوسائط الرقمية

على النقيض من هذين النموذجين الرسميين، يظهر الانصرافي كظاهرة صوتية سودانية منشؤها المجتمع، وليست جزءًا من أي مؤسسة إعلامية أو رسمية.تعتمد الظاهرة على تسجيلات صوتية قصيرة تنتشر بسرعة عبر الوسائط الرقمية، وتتميز بلغة سودانية شعبية حماسية تستهدف تحريك العاطفة وإثارة الحماسة لدى الجمهور.وخلال السنوات الأخيرة، تحول الانصرافي إلى إحدى أبرز أدوات التعبئة الشعبية في السودان، نظرًا لانتشار تطبيقات التواصل واتساع الفجوة بين الإعلام الرسمي والجمهور.

ثلاث تجارب… وسياقات مختلفة

تجمع التجارب الثلاث عناصر مشتركة تتعلق بالتأثير والتعبئة، لكنها تختلف في أدواتها ومرجعيتها:تعكس المقارنة بين الصحّاف ويونس محمود والانصرافي تطورًا جوهريًا في طبيعة الخطاب التعبوبي كنماذج ، وانتقاله من المنابر الحكومية التقليدية إلى الفضاء الرقمي المفتوح.وفي حين ظل الخطاب الرسمي حاضرًا عبر الصحّاف ومحمود بصفتهما ممثلين لمؤسسات الدولة، فإن الانصرافي ظهر كنتاج مباشر لتحولات الإعلام الجديد، حيث بات للصوت الشعبي قدرة أكبر على التأثير والوصول الفوري للجمهور.وتؤكد هذه النماذج مجتمعة أن مشهد التعبئة اليوم لم يعد حكرًا على المؤسسات، بل أصبح ساحة مفتوحة تتنافس فيها الأصوات والأساليب، الرسمية منها والشعبية.


عن الكاتب
محمد سعد كامل صحفي سوداني، ورئيس تحرير براون لاند ، ومنتج تلفزيوني مخضرم يمتد عطاؤه لأكثر من ثلاثة عقود عبر أكثر من خمسٍ وعشرين شبكة دولية. مسيرته المهنية عبرت ميادين الحرب، وتقلبات السياسة، وجبهات الثقافة، موثقًا تاريخ السودان بإتقانٍ مهني صارم وبحرفية عالية والتزام راسخ بالحقيقة.
من الـ CNN والـ BBC إلى الجزيرة ورويترز، حمل محمد صوت السودان إلى العالم، متحديًا التحريف ومُعلياً أصواتًا طالما جرى تغييبها ومحوها من السرديات الدولية. صحافته تكشف عنف السياسة، وتدافع عن الحقوق الأصيلة، وتحفظ الذاكرة التاريخية للسودان.
لا يرى محمد الإعلام مجرد مراقب محايد، بل قوة فاعلة لمواجهة الإفلات من العقاب، ومقاومة التحريف والمحو، وصون كرامة أولئك الأكثر عرضة للخطر، كاتبًا من خطوط المواجهة في معركة وطن من أجل العدالة والسيادة.


حصرياً في براون لاند -عربي.
حيث السيادة ليست محل مساومة، والحقيقة عصيّة على التزييف.
أرضنا. صوتنا. أخبارنا.

Back to top button