براون لاند – عربيتقارير

حرب الخليج الثالثة تلوح في الأفق

براون لاند

الحديث عن حرب خليجية ثالثة يعود إلى الواجهة كلما تصاعدت حدة التصريحات بين واشنطن وطهران. المنطقة بأسرها تعيش على إيقاع هذا الاحتمال: قواعد أمريكية منتشرة في أكثر من موقع، حاملات طائرات قريبة في الخليج والبحر العربي، ومضيق هرمز وباب المندب على شفا اختناق مع أي توتر طفيف.

السؤال الذي يطرح نفسه دائمًا: كيف تبدو إيران واثقة إلى هذا الحد، مع أن الطرف الآخر – على الورق – يتفوق تكنولوجيًا وتسليحيًا بفارق كبير؟

الإجابة ليست شعارات ولا خطابًا حماسيًا. خلال العشرين عامًا الماضية بنت جمهورية إيران الإسلامية ترسانة صاروخية كبيرة جدًا، جزء كبير منها دقيق وبعيد المدى، وقادر – نظريًا – على الوصول إلى القواعد الأمريكية في الخليج والعراق وسوريا، بل وتهديد السفن الكبرى في البحر العربي والمحيط الهندي. حتى حاملات الطائرات التي كانت رمز القوة الأمريكية لعقود لم تعد بعيدة عن الخطر كما كانت من قبل. صاروخ واحد ناجح أو مجموعة طائرات مسيّرة تخترق الدفاعات قد يغيّر شكل الرسالة السياسية كلها في لحظة.

الأمر لا يقتصر على الصواريخ. هناك حديث مستمر عن تطور ملحوظ في قدراتهم العسكرية، وعن تقنيات لم يُكشف عنها كلها بعد، وعن قدرة محتملة على بلوغ العتبة النووية إذا اتُخذ القرار بذلك. سواء تحقق ذلك فعليًا أم بقي في إطار أوراق الضغط، فإنه يدخل في حسابات الردع ويجعل إيران تشعر بأنها ليست مكشوفة ولا عاجزة.

أية ضربة أولى على إيران – من هذا المنظور – لن تكون محدودة وتنتهي عند هذا الحد. المخاوف لا تتعلق بتبادل قصف لبضعة أيام فحسب، بل بسلسلة أحداث قد تخرج سريعًا عن السيطرة. جبهات عدة قد تشتعل في آن واحد: جنوب لبنان، البحر الأحمر، العراق، وحتى ربما غزة. عندها لن يكون السؤال من بدأ الضربة، بل من يستطيع تحمّل الاستنزاف لفترة أطول. كما قد تولّد الضربة موجة تعبئة شعبية واسعة في المنطقة تتجاوز حسابات الحكومات وتفرض عليها واقعًا جديدًا.

في واشنطن تبدو الحسابات مختلفة، لكنها ليست أبسط. حرب واسعة مع إيران تعني اضطرابًا فوريًا في أسعار النفط وارتفاعًا حادًا فيها، وتهديدًا للملاحة في هرمز وباب المندب، وخطر خسائر مباشرة في القواعد العسكرية. تجارب العراق وأفغانستان ما تزال حاضرة في الذاكرة، والدرس واضح: الدخول في حروب الشرق الأوسط يسير نسبيًا حسب الخطة. أما الخروج منها، فهو شديد التعقيد.

إذا وقعت مواجهة، تتكرر في النقاش سيناريوهات إيرانية محتملة: استهداف حاملات الطائرات بطائرات مسيّرة بعيدة المدى تحلّق على ارتفاعات عالية لتفادي الرادارات أو طائرات مسيّرة هجومية محمّلة بذخائر خارقة موجّهة إلى السفن الحربية وناقلات الوقود المرافقة للحاملات. كذلك يُطرح احتمال زرع ألغام بحرية في مضيق هرمز وباب المندب والممرات الضيقة في البحر الأحمر، وهو ما قد يكفي لتعطيل التجارة العالمية بصورة خطيرة.

ويمتد الحديث إلى احتمالات أبعد من ذلك: استهداف منشآت طاقة خارج المنطقة أو حتى التلميح إلى خيارات قصوى مثل استخدام رؤوس نووية تكتيكية صغيرة على صواريخ باليستية فرط صوتية موجّهة إلى قواعد بعيدة مثل دييغو غارسيا أو إلى سفن استراتيجية. مجرد التفكير في هذه السيناريوهات يكشف حجم المخاطر التي قد تنفتح إذا اتُّخذ قرار التصعيد.

في النهاية، المسألة ليست مجرد تفوق تكنولوجي من جهة وإرادة قوية من جهة أخرى. إنها شبكة معقدة من ردع متبادل، وحسابات اقتصادية، وذكريات حروب سابقة. الطرفان يدركان أن الشرارة الأولى قد لا تبقى تحت السيطرة. لذلك يعلو منسوب التهديد في الخطاب، ويعلو معه الحذر في القرارات الفعلية. الثقة التي تظهر في طهران يقابلها تردد واضح في واشنطن، وفيما بينهما تقف المنطقة بأكملها على الحافة، تدرك جيدًا كيف تبدأ الأزمات… لكن قلة قليلة تعرف كيف تنتهي.

وللإشارة، فإن حرب الخليج الأولى دارت بين العراق وإيران في فترة عامي 1980-1988. بدأت الحرب في سبتمبر 1980 بغزو العراق للأراضي الإيرانية، واستمرت ثماني سنوات مليئة بالمعارك البرية والجوية. وانتهت هذه المواجهة بخسائر كبيرة في الأرواح (قتلى وجرحى)، ناهيك عن خسائر اقتصادية، لكلا الطرفين دون تغييرات كبيرة في الحدود.

أما حرب الخليج الثانية، فدرات خلال عامي 1990 و1991 بين العراق في عهد صدام حسين وتحالف دولي بقيادة الولايات المتحدو بعد هجوم العراق على الكويت. وانتهت بانسحاب العراق من أرض الكويت وفرض عقوبات قاسية عليه، ناهيك عن تدمير واسع للبنية التحتية الكويتية. كما شكلت ذريعة لتعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

Back to top button