
اتفاقية ستارت.. الأمن العالمي في خطر بعد انتهاء سريانها
تعتبر معاهدة “ستارت الجديدة” (New START) هي اتفاقية موقعة بين الولايات المتحدة وروسيا لخفض ترسانة الأسلحة النووية الهجومية الاستراتيجية. اسمها الرسمي هو كالآتي: “تدابير زيادة خفض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية والحد منها”. تم التوقيع عليها من قبل كل من الرئيس الأمريكي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف في 8 أبريل 2010 في العاصمة التشيكية براغ لتستمر لمدة 10 سنوات، ودخلت حيز التنفيذ بصورة رسمية عام 2011.
من أهم بنود الاتفاقية ما يلي:
– تحديد سقف 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً لكل طرف،
– تقييد عدد منصات الإطلاق (الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، الصواريخ الباليستية المحمولة على الغواصات، والقاذفات الثقيلة) إلى 700 منصة،
– إنشاء نظام تفتيش وتبادل بيانات يعتبر من أوسع أنظمة الرقابة النووية في التاريخ،
– خفض الحدود القصوى للرؤوس النووية بنسبة 30% مقارنة بالمعاهدات السابقة وتقليص آليات الإطلاق بنسبة 50%.
تجدر الإشارة إلى أن “ستارت الجديدة” ليست أول اتفاقية بين البلدين من هذا النوع، حيث سبقها كلٌ من اتفاقية “ستارت 1” الموقعة عام 1991 (أول معاهدة كبرى لتخفيض الأسلحة النووية الاستراتيجية حدّت من عدد الرؤوس النووية إلى حوالي 6,000 لكل طرف، ومن منصات الإطلاق إلى 1600)، واتفاقية “ستارت 2” الموقعة عام 1993 (هدفت إلى حظر الصواريخ الباليستية متعددة الرؤوس على الصواريخ العابرة للقارات)، إضافة إلى “ستارت 3” التي لم توقع رسمياً.
في 3 فبراير 2021، اتفقت الولايات المتحدة وروسيا على تمديدها لمدة 5 سنوات إضافية، أي حتى 4 فبراير. يوم 5 فبراير من العام الجاري انتهت صلاحيتها، ما أدى إلى غياب أي إطار قانوني مُلزِم يقيّد الترسانتين النوويتين الأكبر في العالم.
اتهمت واشنطن روسيا بخرق بعض بنود المعاهدة، بينما رأت موسكو أن الولايات المتحدة تستخدم المعاهدة كأداة ضغط سياسي. يرى كلا الطرفين أن الآخر يسعى لتطوير أنظمة تسليح جديدة (مثل الصواريخ فرط الصوتية والأسلحة النووية التكتيكية) خارج نطاق المعاهدة، مما جعلها غير كافية لضبط التوازن.
أما أهمية المعاهدة للأمن الدولي، فلا بد من الإشارة إلى أنها وفرت إطاراً قانونياً يقيّد الترسانات النووية ويمنع زيادتها، وقللت من احتمال وقوع تصعيد غير مقصود بين الطرفين، وساعدت على إبقاء التوازن بين القوتين النوويتين الأكبر، وبالتالي خفضت احتمالات اندلاع مواجهة نووية في العالم. كما يرى بعض المراقبين أن الاتفاقية مثلت نموذجاً للتعاون بين خصمين تاريخيين وأعطت زخماً لجهود نزع السلاح النووي على مستوى العالم برمته.
وفيما يتعلق بردود فعل دولية على انتهاء سريان الاتفاقية، فوصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش انتهاء المعاهدة بأنه “لحظة خطيرة للأمن الدولي”، محذراً من أن العالم بات أقرب إلى مواجهة نووية غير محسوبة .
من جهتها، حمّلت روسيا الولايات المتحدة مسؤولية انهيار منظومة الضبط النووي، مؤكدة أن الظروف السياسية الراهنة أدت إلى وضع خطير يشكل تهديداً مباشراً للاستقرار العالمي .وأعلنت أنها ستسترشد بمصالحها الوطنية في إدارة ترسانتها النووية.
أما الولايات المتحدة، فاعتبرت أن روسيا هي من عطلت آليات التفتيش وتبادل البيانات في إطار الاتفاقية، وأن أي اتفاق جديد يجب أن يشمل الصين أيضاً نظراً لتوسع ترسانتها النووية.
ورداً على ذلك شاركت الحكومة الصينية موسكو مخاوفها، وأبدت تحفظاً على فكرة إدراجها في أي اتفاق جديد، موضحة بأن ترسانتها أصغر بكثير من ترسانتي واشنطن وموسكو .
وبالنسبة لأوكرانيا، فقد رأت أن انتهاء سريان معاهدة “ستارت الجديدة” يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، لا سيما في ظل استمرار الحرب مع روسيا. وأكدت كييف على أن انهيار هذه الاتفاقية يعكس سياسة موسكو في تقويض النظام الدولي القائم على الحد من التسلح، وطالبت المجتمع الدولي بتعزيز الضمانات الأمنية ودعم أوكرانيا بشكل أكبر في مواجهة التهديدات الروسية.
حسب تقارير إعلامية هناك إشارات إلى استعداد موسكو وواشنطن للعودة إلى الحوار بشأن هذه القضية، لكن لا توجد مفاوضات رسمية معلنة حتى الآن في ظل الخلافات بين الجانبين.
يوصف المشهد الحالي بأنه “فراغ نووي قانوني”، حيث لا توجد أية معاهدة تضبط الترسانتين الأكبر في العالم. وفيما يتعلق العودة إلى المشاورات، فمن غير الواضح متى يمكن أن يبدأ الحوار الروسي الأمريكي من جديد.



