
العملاق الأمريكي في لحظة السقوط
تلخيص مقال لمازن النجار، باحث في التاريخ والاجتماع وكاتب ومترجم وباحث أكاديمي في الفكر والتاريخ والدراسات الأميركية
يرى مازن النجار أن الولايات المتحدة تمرّ بمرحلة انحدار بنيوي طويل الأمد، ناتج عن تضافر التوسع الإمبراطوري المفرط، واستنزاف الموارد، وتآكل الأسس الداخلية للشرعية والتماسك، بما ينسجم مع تصورات مدرسة الواقعية البنيوية في العلاقات الدولية التي تفسّر سلوك الدول انطلاقاً من بنية النظام الدولي وتوزيع القوة داخله، لا من النيات أو الخطابات.
ينطلق الكاتب من نقاش فكري ممتد حول أفول القوى الكبرى منذ أطروحة Oswald Spengler في كتابه The Decline of the West، ثم ينتقل إلى التنظير البنيوي المعاصر الذي بلوره Kenneth Waltz، والذي يرى أن تراكم القوة بما يتجاوز متطلبات الدفاع يدفع الدولة المهيمنة إلى استخدام القوة باعتبارها غاية في ذاتها، فتتراكم الكلفة، وتتسع دوائر المقاومة، ويتآكل الداخل، ويبدأ الانحدار بصورة تدريجية لا صادمة.
ويعزز هذا المسار التحليلي ما طرحه Paul Kennedy في كتابه The Rise and Fall of the Great Powers حول «التوسع الإمبراطوري المفرط»، حين تصبح الالتزامات العسكرية أوسع من قدرة القاعدة الاقتصادية على تحمّلها، فتتحول القوة العسكرية إلى عبء استراتيجي لا إلى مصدر تفوق.
وفق هذا المنطق، يوضح الكاتب أن الهيمنة الأمريكية لا تواجه أزمة أخلاقية بالدرجة الأولى، بل أزمة بنيوية ناتجة عن اختلال توازن القوى الذي يدفع الدول الأضعف إلى التكتل في مواجهة الدولة المهيمنة. ويشير إلى أن تجارب فيتنام، والعراق، وليبيا، وأفغانستان، تكشف نمطاً ثابتاً يتمثل في تحقيق تفوق عسكري ساحق يعجز عن إنتاج نتائج سياسية مستدامة.
ويعتبر أن المرحلة الراهنة تمثل انتقالاً أخطر في السلوك الأمريكي، من إدارة النفوذ إلى السعي العلني للاستحواذ والسيطرة المباشرة، كما يظهر في الخطاب السياسي لإدارة دونالد ترامب، وفي التهديدات المتكررة لدول ذات سيادة داخل وخارج نصف الكرة الغربي، بما يعكس تحوّلاً عقائدياً في تصور السيادة، وربطها بإرادة الولايات المتحدة.
ويحلل الكاتب ما يسميه «مبدأ دونرو» بوصفه إعادة صياغة أكثر صراحة لمبدأ مونرو، حيث يجري التعامل مع نصف الكرة الغربي كمجال حصري مغلق أمام القوى الكبرى المنافسة، وعلى رأسها روسيا والصين. ويؤكد أن هذا السلوك لا يعبر عن ثقة قوة مهيمنة بقدر ما يعكس محاولة تحصين المجال الأقرب في لحظة تراجع النفوذ العالمي.
في المقابل، يلفت إلى أن الولايات المتحدة، رغم استمرار امتلاكها أكبر بنية عسكرية في العالم من حيث القواعد والميزانيات والتكنولوجيا، تعجز بصورة متزايدة عن تحويل هذه القدرة إلى مكاسب استراتيجية. فالتجربة العملية، من فيتنام وكوريا إلى أفغانستان واليمن والعراق، تُظهر اتساع الفجوة بين التفوق العسكري والنتائج السياسية.
ويخصص الكاتب مساحة مركزية لحربي العراق وأفغانستان اللتين استنزفتا ما يزيد على ستة تريليونات دولار، وانتهتا بفشل استراتيجي، رغم السيطرة الميدانية والانهيار السريع للأنظمة المستهدفة في المراحل الأولى. ويستنتج أن غياب المعرفة بالسياق الاجتماعي والسياسي، وضعف الشرعية، وانعدام الأهداف القابلة للتحقق، جعل من «النصر العملياتي» إنجازاً بلا ترجمة سياسية.
كما يربط الانسحاب الفوضوي من كابل عام 2021 بحالة الإرهاق الإمبراطوري، ويعتبره دلالة رمزية على محدودية القوة القسرية حين تنفصل عن الشرعية المحلية، وعن القدرة على بناء نظم سياسية قابلة للبقاء.
ويخلص الكاتب إلى أن الحروب التي يخوضها الطرف الأضعف من أجل البقاء تختلف جوهرياً عن حروب تحقيق المكاسب، وأن التاريخ يبيّن أن الصبر الاجتماعي، والتماسك الداخلي، واستعداد المجتمعات لتحمل الكلفة، غالباً ما يتفوق على التفوق التكنولوجي عندما يتحول الصراع إلى صراع وجودي.
وفي هذا السياق يستحضر تحذيرات George Kennan من عواقب تجاهل مصالح الأمن الحيوية للقوى الكبرى، وكذلك نقد Andrew Bacevich لاعتماد الولايات المتحدة المتزايد على القوة العسكرية بوصفها بديلاً عن الاستراتيجية، بما يخلط بين الحركة والاتجاه، ويستنزف الموارد، ويقوض الشرعية داخلياً وخارجياً.
بالمجمل أطروحة المقال تشير إلى أن الهيمنة العسكرية الأمريكية ما تزال ضخمة من حيث الحجم والقدرات، لكنها تتراجع بصورة مطّردة في قدرتها على التأثير في النتائج السياسية والاستراتيجية الكبرى، في مقابل تراكم متزايد للتكاليف الاقتصادية والسياسية والشرعية. ولا يعكس هذا المسار لحظة سقوط مفاجئة، بل عملية تفكك بطيئة لركائز القوة، وفق منطق انحدار بنيوي يشبه ما شهدته إمبراطوريات سابقة في مراحلها الأخيرة.



