
تحقيق استقصائي | تدقيق قانوني ومؤسسي في أداء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بالصومال
براون لاند
تشهد الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في الصومال تدقيقًا قانونيًا ومؤسسيًا متزايدًا، في أعقاب تطورات أثارت نقاشًا واسعًا داخل الأوساط القانونية والإعلامية والبحثية حول مدى التزام الهيئة بالإطار الدستوري والقانوني المنظم لعملها، ولا سيما قانون التأسيس رقم (16) لسنة 2026، الذي يحدد بوضوح هيكل الهيئة وصلاحياتها وإجراءات اتخاذ القرار فيها.
الإطار القانوني الحاكم لعمل الهيئة
ويؤكد مختصون في القانون والحوكمة أن هذا القانون يقوم على مبدأ أساسي مفاده أن الهيئة تُدار بوصفها مؤسسة جماعية، لا عبر قرارات أحادية، وأن القرارات الجوهرية، خاصة تلك المتعلقة بالتعيينات في المناصب العليا، يجب أن تتم وفق إجراءات شفافة وتنافسية، تبدأ بالإعلان العلني عن الوظائف، ثم تقييم المرشحين وفق معايير مهنية واضحة، على أن تُعرض النتائج لاحقًا على الهيئة بكامل أعضائها للمداولة واتخاذ القرار بصورة جماعية. ويرى محللون قانونيون أن هذا الإطار الإجرائي لا يمثل مجرد تنظيم إداري داخلي، بل يُعد التزامًا قانونيًا يهدف إلى حماية استقلال الهيئة وضمان نزاهة قراراتها وتعزيز ثقة الجمهور في عملها.
من مخاوف الحوكمة العامة إلى تساؤلات إجرائية محددة
وخلال الفترة الأخيرة، انتقل النقاش من مستوى الملاحظات العامة المتعلقة بالحوكمة والاستقلال إلى مستوى أكثر تحديدًا، عقب تساؤلات أُثيرت حول إجراءات تعيينات إدارية حديثة داخل الهيئة، من بينها منصب المدير العام. ووفقًا لما تم تداوله في الأوساط المؤسسية، نُسب اتخاذ هذه القرارات إلى رئاسة الهيئة برئاسة الدكتورة مريم قاسم، وسط نقاش قانوني حول ما إذا كانت جميع الخطوات الإجرائية المنصوص عليها في القانون قد استُكملت، أو ما إذا كانت هذه القرارات قد عُرضت بصورة كاملة على الهيئة المكوّنة من تسعة أعضاء للنقاش والتصويت.
حدود الصلاحيات ومفهوم المخالفة الإجرائية
ويرى قانونيون أن سلطة اتخاذ مثل هذه القرارات، وفق قانون التأسيس، هي اختصاص جماعي للهيئة لا أي طرف منفرد، مشيرين إلى أنه في حال ثبوت تجاوز الإجراءات المحددة، فإن ذلك قد يشكل مخالفة إجرائية، بغض النظر عن سلامة القرار من حيث المضمون أو النوايا الكامنة خلفه، إذ إن الشكل الإجرائي في القانون الإداري يُعد جزءًا لا يتجزأ من مشروعية القرار ذاته.
التباين الداخلي وأثره على الفعالية المؤسسية
وفي موازاة هذه التساؤلات، تشير معلومات متداولة إلى وجود تباين في المواقف داخل الهيئة بشأن أسلوب الإدارة واتخاذ القرار. ويرى خبراء الحوكمة أن مثل هذا التباين، إذا لم يُدار ضمن الأطر القانونية والمؤسسية، قد يؤثر سلبًا على فعالية الهيئة، لأن الهيئات المستقلة تعتمد في قوتها على التوافق الداخلي والعمل الجماعي واحترام الإجراءات القانونية، أكثر من اعتمادها على الصلاحيات الشكلية.
الشفافية في مواجهة الشائعات والتأويلات
ومع تصاعد النقاش العام، برزت في وسائل الإعلام والدوائر البحثية أحاديث عن احتمال وجود استقطاب فكري أو تأثيرات خارجية أو مخاوف من تشدد في الخطاب داخل المؤسسات الوطنية. غير أن محللين يحذرون من الانجرار وراء مثل هذه الادعاءات غير الموثقة، مؤكدين أن التعامل معها يجب أن يتم عبر التحقق الموضوعي والإجراءات الرسمية، لا من خلال التكهنات أو الاتهامات المتداولة في الفضاء العام. ويشير مختصون إلى أن الشفافية المؤسسية، والتواصل الواضح، وتوفير الوثائق، تمثل أدوات أساسية لمعالجة هذه المخاوف والحد من انتشار الشائعات التي قد تضر بالمؤسسات وبالثقة العامة في آن واحد.
البعد الإداري والمالي للحوكمة
وفي السياق ذاته، يشدد خبراء الإدارة العامة على أن نزاهة أي عملية إدارية أو انتخابية داخل المؤسسات الوطنية ترتبط بوضوح الإجراءات المالية والإدارية، والإفصاح، وتجنب تضارب المصالح، مؤكدين أن غياب هذه المعايير يفتح المجال للتشكيك في سلامة القرارات حتى في حال عدم ثبوت مخالفات قانونية.
التقييم الدولي ومعايير الاستقلال
ويراقب الشركاء الدوليون، وفق مراقبين دبلوماسيين، أداء المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان على المدى المتوسط والبعيد، مع التركيز على مدى الالتزام بالمبادئ الدستورية، واحترام القوانين الوطنية، والتوافق مع المعايير الدولية، وعلى رأسها مبادئ باريس المنظمة لعمل هذه المؤسسات، والتي تشدد على الاستقلال، والشفافية، والحوكمة الرشيدة.
مسارات المعالجة ومفترق الطرق المؤسسي
ويجمع خبراء القانون والحوكمة على أن معالجة هذا الجدل المؤسسي لا تمر عبر النفي أو التصعيد الإعلامي، بل من خلال مراجعة داخلية واضحة، والالتزام الصارم بالإجراءات المنصوص عليها في القانون، وعند الاقتضاء إجراء تحقيق مستقل. ويرون أن هذه الآليات تحمي المؤسسة والأفراد على حد سواء، لأنها تضمن أن تكون النتائج قائمة على الأدلة لا على الانطباعات.
ومع استمرار الصومال في ترسيخ مؤسساته، يتفق المراقبون على أن مصداقية هيئات الرقابة، وفي مقدمتها الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، ستتحدد في نهاية المطاف بمدى الالتزام الصارم بالقانون، وشفافية الإدارة، والاستقلال الفعلي في الممارسة العملية، لا في النصوص وحدها.



