براون لاند – عربيتقارير

خطة ترامب لإجبار إيران على الاستسلام وخطوط طهران الحمراء

ينظر الجانب الإيراني إلى مسار المفاوضات اعتماداً على حلة عدم الثقة بنظيره الأمريكي

ينبغي على الرئيس الأميركي أن يقرأ التاريخ قبل أن يُقدم على ما قد يتبيّن لاحقًا أنه أغلى خطأ في سياسته الخارجية خلال ولايته.

قد تكون سلطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد تضرّرت بشدة عقب حادث إطلاق النار الذي نفّذه عناصر من إدارة الهجرة والجمارك في ولاية مينيسوتا، ومع ارتفاع معدلات التضخم نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها، غير أنّ ترامب ما يزال يُنظر إليه دوليًا بوصفه في موقع قوي.

فقد مارس ضغوطًا كبيرة على حلف شمال الأطلسي من أجل التوصل إلى «إطار عمل» لاتفاق مستقبلي بشأن غرينلاند، تضمّن – بحسب تقرير نُفي لاحقًا بشدة – تنازل الدنمارك عن سيادتها على المناطق التي ستُقام فيها قواعد أميركية. كما أجبر الدول الأوروبية على تحمّل قدر أكبر من أعباء إنفاقها الدفاعي.

وأقدم على اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، وعلى إثر ذلك صرّح وزير الخارجية ماركو روبيو بأن فنزويلا ستعيد سياساتها الاقتصادية. ومارس ضغوطًا على إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو لوقف الحرب على غزة. كما أنشأ «مجلس السلام» التابع له الخاص بغزة.

هذا، في نظر ترامب، هو سجلّ إنجازاته حتى الآن.

وها هو اليوم يحشد أسطولًا من السفن والقاذفات استعدادًا لضربة ثانية ضد إيران خلال أقل من عام. وهو يظن أنه قادر على أن يفعل بالجمهورية الإسلامية ما فعله بفنزويلا.

في هذا التقدير، ترامب مخطئ تمامًا. لكنه مقتنع بعقلانية موقفه. فقد أبلغ مبعوثه ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر إحدى القوى الإقليمية بما يعتقد ترامب أنه قادر على تنفيذه في إيران: ضربة جوية سريعة ومحدودة تُقصي القيادة، لكنها تُبقي النظام قائمًا.

ترامب مقتنع أيضًا بأن التوقيت بات مناسبًا للهجوم. فهو يرى أن الجمهورية الإسلامية قد أُضعفت، في نظره، بصورة جوهرية بفعل الغارات الجوية التي أمر بها العام الماضي. ثم تعرّضت إيران، خلال ثلاث سنوات، لموجة ثانية واسعة من الاضطرابات الوطنية.

وفي تقديره لنقاط الضعف المفترضة لدى إيران، يعتمد ترامب على مصدرين للمعلومات: تقييماته الاستخبارية الخاصة وتقييمات إسرائيل. غير أن الاستخبارات الإسرائيلية تنطلق أصلًا من أهداف مختلفة.

فنتنياهو يريد تغيير النظام، لا مجرد شنّ غارات جوية رمزية أو محدودة. وقد دأب لعقود على القول إن حماس وحزب الله بمثابة «حاملات طائرات» لإيران.

يشعر كل من ترامب ونتنياهو بنشوة القوة بعد العمليات العسكرية التي نفّذاها حتى الآن، ويعتقد كلٌّ منهما أنه بات سيد الميدان بلا منازع.

أما بالنسبة إيران، فلماذا تحدد «خطوطًا حمراء» صارمة لا تنوي التراجع عنها في المفاوضات وترفض تقديم تنازلات للولايات المتحدة التي تعرض رفع العقوبات والسماح بتصدير النفط الإيراني إلى الأسواق الخارجية؟

الواقع أن هذا التصدير يواجه في الوقت الراهن عراقيل جسيمة. فالمشتري الرئيسي للنفط الإيراني هو الصين التي تحصل عليه بخصومات كبيرة. أما المستوردون التقليديون الذين كانوا يشترون النفط الإيراني في السابق، مثل الهند وتركيا وكوريا الجنوبية واليابان، فقد توقفوا عن ذلك.

يبدو أن الإيرانيين يستحضرون جيدًا تجربة عهد الشاه. فبعد أن أطاحت أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية بحكومة محمد مصدّق عام 1954، وقّع الشاه اتفاقية نفطية مع الشركات الغربية، انتقلت بموجبها السيطرة على النفط الإيراني إلى كونسورتيوم دولي ضم شركات أمريكية مثل «موبيل» و«شيفرون» و«إكسون» و«تكساكو»، وشركات بريطانية مثل «بي بي» و«رويال داتش شل»، إضافة إلى شركة فرنسية هي «توتال».

وبموجب هذا الترتيب، لم تكن إيران تحصل سوى على 50 في المئة من أرباح نفطها. وفي عام 1973، أقدم الشاه على تأميم صناعة النفط عبر شراء حصص الشركات الأجنبية، غير أن هذه الخطوة لم تُفضِ إلى إنعاش الاقتصاد الإيراني.

وفي حال رفع العقوبات عن إيران، من المرجح أن تحاول إدارة ترامب تطبيق السيناريو نفسه الذي استخدمته في فنزويلا. فالولايات المتحدة تسمح ببيع النفط الفنزويلي، لكن فقط إلى دول ترضى عنها، وبشرط أن تُودَع العائدات في حسابات خاضعة لمجلس الاحتياطي الفدرالي.

وعليه، فإن مسألة السيطرة السيادية على النفط وعائداته لا تمثل بالنسبة لإيران ملفًا تفاوضيًا تقنيًا، بل قضية سيادة وطنية ورفاهية استراتيجية تتعلق بمصير الأجيال القادمة.

بالأمس انتهت الجولة الأولى من المفاوضات الأمريكية الإيرانية في سلطنة عمان بدون نتيجة معينة لكنها أدت إلى تبريد التصعيد بين الطرفين ولو لوقت محدود. أبدى كلا الطرفين إشادتهما بمسار المفاوضات، إلا أنه من المبكر تماماً التفاؤل بشأنها.

وفرض ترامب عقوبات جديدة على الدولة الإيرانية تشمل رسوماً جمركية بنسبة 25% على الدول التي تتعامل اقتصادياً مع إيران. لا تضيق العقوبات الخناق على طهران فحسبـ بل تهدد أيضاً شركاء إيران في المنطقة والعالم.

في المحصلة ينظر الجانب الإيراني إلى مسار المفاوضات اعتماداً على حلة عدم الثقة بنظيره الأمريكي.

Back to top button