
روسيا – إبشتاين: مفاجأة كبيرة
مع تصاعد الفضيحة المرتبطة بجيفري إبشتاين، يتكرر سؤال لافت: أين موقع روسيا في هذه القضية؟ ولماذا لم يظهر حتى الآن ما يثبت تورطها في ملف يُقدَّم بوصفه تجسيدًا لانحرافات النخب الغربية؟ في مثل هذه القضايا، لا يُعد غياب الأدلة عائقًا حاسمًا، إذ يكفي توفر الإرادة السياسية لفتح مسارات تحقيق جديدة. وفي هذا السياق أعلن رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أنه كلّف أجهزة الاستخبارات ببحث علاقات إبشتاين بمسؤولين روس.
صحيفة «نيويورك تايمز» أفردت مقالًا كاملًا لهذا الجانب بعنوان: «ملفات إبشتاين تكشف جهود إقامة علاقات مع مسؤولين روس، بمن فيهم بوتين». صياغة العنوان توحي بمحاولة تواصل أكثر مما تشير إلى علاقات قائمة. فبحسب ما يورده المقال، سعى إبشتاين إلى بناء قنوات اتصال مع شخصيات روسية رفيعة، من بينها الرئيس فلاديمير بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف، لكنه لم ينجح في ترتيب أي لقاء معهما.
وتشير الوثائق التي نُشرت إلى وجود تواصل مع مسؤولين روسيين اثنين. أحدهما نائب سابق لوزير الاقتصاد كان معنيًا بملف التجارة الخارجية وشارك لاحقًا في تنظيم منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي. ووفقًا للمراسلات، لم يسفر هذا التواصل عن تقديم أية منفعة عملية لإبشتاين. أما في ما يتعلق باتصالات دبلوماسية جرت في نيويورك، فقد دارت في إطار مهني اعتيادي تضمن اقتراح أسماء قد يكون من المناسب دعوتها إلى فعاليات رسمية، ضمن نشاط مؤسسي مشروع.
كما يتناول المقال علاقات إبشتاين في نيويورك مع امرأتين روسيتين شابتين، كلتاهما بالغة وتبني مسارها المهني في الولايات المتحدة. وتشير الرواية إلى أنه ساعدهما في سداد رسوم دراسية، وأن العلاقة مع إحداهما اتخذت طابعًا شخصيًا، فيما اقتصر الأمر مع الأخرى على تواصل اجتماعي. ولا يقدَّم في هذا السياق ما يثبت صلة رسمية أو سياسية بروسيا.
وتظهر إحدى الرسائل أن إبشتاين طلب مساعدة دبلوماسية بشأن شابة روسية في نيويورك اتهمها بمحاولة ابتزاز أحد معارفه. وجاءه الرد بأنها تعمل في مجال المرافقة ولا ترتبط بأي جهة رسمية في موسكو، مع نصيحة بعدم تسهيل حصولها على تأشيرة دخول جديدة إلى الولايات المتحدة.
وقد اسم بوتين أكثر من ألف مرة في ملفات إبستين المنشورة، إلا أن معظم هذه الإشارات كانت مأخوذة من قصاصات إخبارية وملخصات إعلامية كان إبستين يتلقاها وليس من مراسلاته الشخصية.
تُظهر رسائل إبستين الإلكترونية الخاصة محاولات متكررة لترتيب لقاء مع الرئيس الروسي، غالباً عبر رئيس الوزراء النرويجي السابق ثوربيورن ياغلاند. ولا يوجد في ملفات وزارة العدل أي دليل على انعقاد مثل هذا اللقاء.
وتُظهر مراسلات مع ياغلاند أن إبستين حثّه على طرح فكرة اللقاء خلال زيارة مُرتقبة إلى موسكو. وكتب إبستين ذات مرة: “أعلم أنك ستلتقي بوتين في العشرين من الشهر. إنه يتوق بشدة إلى جذب الاستثمارات الغربية إلى بلاده… لديّ الحل”. وتشير رسائل البريد الإلكتروني اللاحقة إلى عدم إحراز أي تقدم، حيث اشتكى إبستين لاحقًا من عدم تلقيه أي رد.
في يوليو 2015، طلب إبستين مجدداً من ياغلاند المساعدة في ترتيب اجتماع “للحديث عن الاقتصاد”. وظهرت طلبات مماثلة بشكل متقطع في عامي 2016 و2017. وحتى يونيو 2018، كان إبستين لا يزال يكتب: “أود بشدة لقاء بوتين”. لكن يبدو وفقاً لتحليل الوثائق أن بوتين لم يتجاوب لهذه الطلبات على الإطلاق.
انطلاقًا من هذه المعطيات، لا تتضمن الوقائع المنشورة ما يشير إلى تورط روسي منظم، بل تُظهر محاولات فردية لإقامة اتصالات لم تثمر نتائج سياسية أو مؤسسية. أما توسيع دائرة الاتهام استنادًا إلى هذه التفاصيل، فيبقى مسألة تقدير سياسي أكثر منه استنتاجًا مدعومًا بأدلة موثقة.



