
بعد أكثر من عام من القتال القائم على الاستنزاف البطيء، تقترب القوات الروسية من تحقيق اختراقات حضرية ذات دلالة استراتيجية في جنوب وشرق أوكرانيا، في تطور قد ينعكس مباشرة على ميزان القوى الميداني وعلى مسار أي مفاوضات سلام محتملة بوساطة الولايات المتحدة. فعلى الرغم من التقدم المحدود زمنيًا، فإن تراكم النجاحات الميدانية يمنح موسكو نقاط ارتكاز جديدة وقدرة متزايدة على فرض وقائع ميدانية قابلة للتحويل سياسيًا، وفقاً لما ذكرته صحيفة “نيويورك تايمز” وعدد من الصحف الأخرى.
في الجنوب الشرقي لمقاطعة زابوروجيه، باتت مدينة غولايوبول التي شكّلت لسنوات نقطة دعم أساسية على هذا القطاع من الجبهة، تحت سيطرة روسية شبه كاملة. وكانت المدينة التي بلغ عدد سكانها قبل الحرب نحو اثني عشر ألف نسمة، من آخر المراكز الحضرية التي احتفظت بها أوكرانيا في المنطقة خارج مدينة زابوروجيه نفسها. ويحدّ الطابع المفتوح للأراضي المحيطة بها من قدرة القوات الأوكرانية على التحصّن، فيما تقترب القوات الروسية في الوقت ذاته من ضواحي زابوروجيه، المركز الصناعي الكبير، ما يثير مخاوف من إدخال المدينة ضمن نطاق الطائرات المسيّرة وما يرافق ذلك من تهديد دائم للسكان والبنية التحتية.
في مقاطعة دونيتسك، تركّز أوكرانيا دفاعها على مدينتي بوكروفسك وميرنوغراد، حيث أدى انتشار القوات الأوكرانية وحرب الطائرات المسيّرة المعقّدة إلى إبطاء التقدم الروسي إلى حد كبير. إلا أن هذا البطء لا يخفي حقيقة استمرار الضغط الروسي. فوفق تقييمات صادرة عن Center for Strategic and International Studies، فإن التقدم الروسي، رغم كلفته البشرية، يتّسم بطابع منهجي طويل النفس، تستند فيه موسكو إلى التجنيد المستمر وإعادة ضخ القوات إلى ساحة المعركة، مع بقاء مساحات محدودة فقط متنازع عليها عند أطراف المدينتين.
وتُعد السيطرة المحتملة على بوكروفسك وميرنوغراد نقطة تحول عملياتية، إذ ستمنح روسيا قواعد حضرية لإخفاء مشغلي الطائرات المسيّرة، واستخدام شبكات الطرق والسكك الحديدية لتسهيل الإمداد والتموين، بما يفتح الطريق للتقدم شمالًا نحو استكمال السيطرة على مقاطعة دونيتسك التي تسيطر روسيا بالفعل على معظمها.
في هذا السياق، تبرز مدينة كونستانتينوفكا بوصفها الهدف التالي المحتمل. فالمدينة تشكّل البوابة الجنوبية لسلسلة من المراكز الحضرية التي تمثل خط الدفاع الأخير لأوكرانيا في دونيتسك. ومع تكثيف الضربات الروسية بالطائرات المسيّرة على طرق الإمداد، بات الوصول إلى المدينة شديد الخطورة، إلى درجة أن القوات الأوكرانية تعتمد بشكل متزايد على وسائل إمداد تُدار عن بُعد.
ومع استمرار هذا المسار الميداني، يُرجّح أن تواجه أوكرانيا ضغوطًا سياسية متصاعدة على الساحة الدولية، ولا سيما من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أعاد طرح فكرة أن القبول بتنازلات إقليمية قد يكون السبيل الوحيد لتجنّب حرب طويلة الأمد. وخلال لقاء سابق مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، طُرح هذا السؤال بصيغة مباشرة: هل باتت الصفقة الآن أقل كلفة من استمرار القتال؟



