براون لاند – عربيمقالات

الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران: فخ استراتيجي أم طلقة في الظلام؟

بقلم: د. عمر أ. منان

المقدمة: معضلة الأسد
غالبًا ما تُسقط الولايات المتحدة على نفسها صورة “الأسد العالمي”—المفترس الأعلى الذي يفضّل الزئير، مستخدمًا العقوبات والضربات المحدودة لفرض حضوره في الساحة الدولية. تاريخيًا، تتجنب واشنطن مستنقعات الحروب البرية؛ وحين تنخرط فيها، تكون النتائج في كثير من الأحيان كارثية.
غير أن الضربات الأمريكية على المواقع النووية الإيرانية في يونيو 2025 غيّرت الحسابات الإقليمية من منطق الردع إلى أفق أزمة وجودية وشيكة. بالنسبة للتحالف الأمريكي–الإسرائيلي، لم يعد السؤال “هل” سيحدث التصعيد، بل “بأي كلفة؟”

الحسابات المتباينة بين الحلفاء
بالنسبة لإسرائيل، الإطار الزمني ضاغط وعاجل. تشير التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية إلى أن طهران ردّت على الضربات الأخيرة بتسريع قدرات “الاندفاع نحو الاختراق النووي” داخل منشآت محصنة وسرّية. وترى حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن اللحظة الحالية تمثل نافذة “الآن أو أبدًا”. ووفق هذا التقدير، فإن أي إجراء يقل عن حملة شاملة ضد الحرس الثوري الإيراني وشبكة الصواريخ الواسعة التابعة له ليس سوى تأجيل لحكمٍ محتوم.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فالحسابات أكثر كلفة وتعقيدًا. فبينما قد تهز ضربة محدودة الأسواق، فإن حربًا إقليمية شاملة تحمل ثلاثة مخاطر رئيسية:

زعزعة الاستقرار الاقتصادي: مع وصول أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها في سبعة أشهر، يهدد صراع طويل الأمد النمو الداخلي الذي يشكل ركيزة أساسية لأجندة الإدارة الحالية.

استنزاف القدرات العسكرية: يحذر قادة أمريكيون من أن حملة ممتدة ستستنزف مخزونات أنظمة الاعتراض (باتريوت وثاد)، ما قد يضعف بشكل خطير تموضع الولايات المتحدة في منطقة المحيط الهادئ.

الارتدادات السياسية: مع انتشار ما بين 30 إلى 40 ألف جندي أمريكي في أنحاء الشرق الأوسط، فإن أي خسائر بشرية نتيجة رد إيراني تمثل “خطًا أحمر سياسيًا” لا يرغب كثيرون في واشنطن في الاقتراب منه.

الأركان المفقودة للحرب الحديثة
على خلاف حرب الخليج عام 1991 أو غزو العراق عام 2003، فإن أي صراع محتمل مع إيران يفتقر إلى المقومات الأساسية اللازمة لحملة دولية مستدامة.

  1. غياب الشرعية الدولية
    لا يوجد حاليًا تفويض من مجلس الأمن الدولي لشن هجوم على إيران. ومع امتلاك روسيا والصين حق النقض، فإن الحصول على مثل هذا التفويض يبدو مستحيلًا دبلوماسيًا. وهذا يجعل أي انخراط أمريكي محل نزاع قانوني، ويُصوَّر باعتباره “ضربة استباقية” لا تحركًا في إطار الأمن الجماعي، ما يعمّق الشكوك الدولية ويعزل واشنطن.
  2. الفراغ المالي
    في عام 1991، تكفلت دول الخليج بجزء كبير من تكلفة عملية “عاصفة الصحراء”. اليوم، اختفى هذا الدعم. فالسعودية والإمارات وقطر تحافظ على “مسافة استراتيجية”، خشية تعرضها لهجمات مضادة بالطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية. ومع معاناة أوروبا من ضغوط مالية وانقسامات سياسية، سيجد الخزانة الأمريكية نفسها مضطرة لتحمل التكاليف الباهظة بمفردها، ما يعني تضخم الدين العام والضغط على البرامج الداخلية.
  3. ائتلاف عالمي متصدّع
    لا وجود لـ”رحلة مجانية” في هذا المسرح. فإلى جانب غياب الداعمين الماليين، لا يوجد إجماع أخلاقي أو عسكري واسع.

حياد إقليمي: ترفض دول خليجية كبرى أن تكون منصات انطلاق لضربات غربية.

دعم خصومي: ورغم أن روسيا والصين قد تتجنبان مواجهة مباشرة، إلا أنهما في موقع يمكّنهما من تزويد طهران بدعم في مجال الحرب الإلكترونية والاستخبارات، ما يجعل أي ضربة غربية معقدة تقنيًا ومليئة بالمفاجآت.

الخاتمة: أسد في الزاوية
يأتي هذا التوتر في لحظة حرجة للدبلوماسية الأمريكية. فالعلاقات مع الصين متوترة بفعل الرسوم التجارية؛ والروابط مع أوروبا مشدودة بسبب الإنفاق الدفاعي ومسار الحرب في أوكرانيا؛ والمواجهة غير المباشرة مع روسيا بلغت أكثر مراحلها تقلبًا منذ عقود.

في غياب الغطاء الدبلوماسي، وتقاسم الأعباء المالية، والتعاون الإقليمي الذي ميّز النجاحات الأمريكية السابقة، قد لا يكون التصعيد مع إيران “فخًا محسوبًا” كما يتصور المخططون. بل قد يتحول إلى “طلقة في الظلام” تترك الأسد ليس منهكًا فحسب، بل مُضعفًا بصورة دائمة على المسرح العالمي.

Back to top button