براون لاند – عربيتقارير

النيل الأزرق: من جبهة هامشية إلى عقدة صراع إقليمي

لم تعد ولاية النيل الأزرق في السودان مجرد امتداد ثانوي للحرب الدائرة منذ أبريل 2023، بل تحولت تدريجيًا إلى نقطة ارتكاز استراتيجية تتقاطع فيها حسابات الداخل السوداني مع رهانات القوى الإقليمية. التطورات الأخيرة تشير بوضوح إلى أن ما يجري في هذه الولاية يتجاوز كونه مواجهة عسكرية محلية، ليصبح جزءًا من إعادة تشكيل خريطة النفوذ في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي.

تصعيد ميداني متسارع

بدأت موجة التصعيد الحالية في 11 يناير 2026، عندما نفذ الجيش السوداني (SAF) غارات جوية استهدفت قافلة في منطقة يابوس بولاية النيل الأزرق، في أول رد عسكري مباشر على اتهامات بدعم خارجي لقوات الدعم السريع (RSF). تكررت الغارات في 22 يناير لتشمل مناطق إضافية في محلية الكرمك.

وفي 25 يناير، انتقل الصراع إلى مستوى جديد مع اندلاع أول مواجهة برية مباشرة بين:

الجيش السوداني

قوات الدعم السريع

الحركة الشعبية/شمال بقيادة عبد العزيز الحلو

في مناطق السلك وملكان وأحمير، قبل أن يستعيد الجيش السيطرة على بعض المواقع في اليوم التالي. إلا أن القتال لم يتوقف، حيث شهد 3 فبراير استمرار الاشتباكات مع استخدام طائرات مسيّرة، وسيطرة جزئية لقوات الدعم السريع وحلفائها على مواقع في الكرمك.

📊 بيانات Armed Conflict Location & Event Data تكشف عن تحول نوعي في وتيرة العمليات:

فبراير 2026: 19 ضربة جوية ومسيرة – 68 قتيلًا

يناير 2026: 3 ضربات فقط

➡️ هذا الارتفاع يعكس انتقال الصراع إلى مرحلة كثافة نارية أعلى وتوسع في أدوات القتال.

شبكات إمداد وتحالفات عابرة للحدود

أحد أبرز ملامح هذا التصعيد هو تزايد الاتهامات بوجود دعم إقليمي مباشر أو غير مباشر. إذ تتهم الحكومة السودانية إثيوبيا بـ:

فتح الحدود لتدريب عناصر الدعم السريع

السماح باستخدام مطاراتها لنقل مرتزقة ومعدات عسكرية

كما تشير تقارير إلى دور الإمارات العربية المتحدة في توفير الدعم اللوجستي عبر شبكات نقل إقليمية، وهو ما تنفيه أبوظبي رسميًا.

في المقابل، اتخذت مصر والمملكة العربية السعودية خطوات مضادة، شملت:

إغلاق المجال الجوي أمام الطائرات المرتبطة بهذه العمليات

تنفيذ ضربات على مسارات تهريب السلاح، منها غارة مصرية في 13 يناير 2026 على قافلة قرب المثلث الحدودي مع ليبيا

كما أدى انسحاب الإمارات من الصومال إلى إغلاق أحد أهم مسارات الإمداد (ميناء بوصاصو)، ما دفع إلى البحث عن بدائل — ويبرز هنا مسار النيل الأزرق عبر إثيوبيا كخيار محتمل.

الأهمية الاستراتيجية: بوابة وسط السودان

تكتسب ولاية النيل الأزرق أهمية مضاعفة لكونها:

متاخمة لولاية سنار، المدخل الحيوي إلى وسط السودان

قريبة من مناطق النزاع في كردفان

نقطة ربط بين السودان وإثيوبيا وجنوب السودان

بالتالي، فإن السيطرة عليها تعني:

فتح ممرات تقدم نحو العمق السوداني

أو قطع خطوط الإمداد الحيوية للطرف الآخر

كما أن تحالف قوات الدعم السريع مع الحركة الشعبية/شمال (الحلو) ضمن ما يعرف بـ”تحالف تأسيس” منحها:

عمقًا بشريًا محليًا

خبرة قتالية ميدانية

قدرة على استغلال التوترات القبلية والحدودية

  • النيل الأزرق وسد النهضة: البعد الأخطر

لا يمكن فهم هذا التصعيد بمعزل عن ملف سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في المنطقة.

الصراع حول السد بين:

مصر

إثيوبيا

السودان

أعاد تشكيل التحالفات العسكرية والسياسية في المنطقة، حيث:

تسعى القاهرة إلى الضغط على إثيوبيا عبر أوراق غير مباشرة

ترى أديس أبابا في النيل الأزرق منطقة عازلة لحماية السد

يصبح السودان ساحة محتملة لـحرب بالوكالة

مع اكتمال السد، تقل احتمالات الضرب المباشر، لكن تزداد أهمية أدوات الضغط غير المباشر — وهنا تبرز النيل الأزرق كواحدة من أهم هذه الأدوات.

  • إعادة رسم خريطة الصراع

ما يحدث اليوم في النيل الأزرق يعكس تحولًا أعمق في طبيعة الحرب:

من صراع داخلي بين الجيش والدعم السريع

إلى نزاع متعدد المستويات تشارك فيه قوى إقليمية عبر:

الدعم غير المباشر

التحكم في الإمدادات

إعادة تشكيل التحالفات

النيل الأزرق لم تعد مجرد ساحة قتال، بل أصبحت:

ممرًا لوجستيًا حاسمًا

نقطة توازن بين قوى إقليمية متنافسة

ورقة ضغط في ملف مياه النيل وسد النهضة

وبذلك، فإن مستقبل السيطرة على هذه الولاية قد لا يحدد فقط مسار الحرب في السودان، بل قد يؤثر أيضًا على معادلات القوة في شرق أفريقيا بأكملها.

رقية الجيلاني الحسين

Back to top button