
رغم الجراح والخسائر التي تعرض لها خلال حرب “طوفان الأقصى” والفترة التي تلت اتفاق وقف إطلاق النار بين المقاومة وإسرائيل الموقع في شهر نوفمبر عام 2024 (استهدافات إسرائيلية يومية تقريباً لكوادر الحزب وبنيته التحتية في خروقات منتظمة للاتفاق، مما أسفر عن استشهاد الكثير من قياداته)، قرر حزب الله الدخول في الحرب الدائرة حالياً في المنطقة. واللافت في الموضوع أن المقاومة اللبنانية لم تقتصر على شن عمليات شكلية لا تسمن ولا تغني من جوع، بل انخرطت في القتال بقوة فاجأت الصديق قبل العدو.
رسمياً بدأ الحزب عمليات عسكرية ضد إسرائيل ليلة يوم 1 على 2 من شهر مارس الجاري. وأعلن في بيان له إطلاق صواريخ ومسيرات على إسرائيل، مؤكداً أن العملية جاءت دفاعاً عن لبنان وشعبه ورداً على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة. واستهدفت العملية موقع مشمار الكرمل للدفاع الصاروخي التابع للجيش الإسرائيلي جنوب مدينة حيفا. وأصبحت هي أول عملية عسكرية يقوم بها الحزب اللبناني منذ بدء سريان وقف اتفاق النار المذكور.
وبعد هذا الحدث البارز بحوالي 24 ساعة كانت المنطقة على موعد مع حدث هام آخر بتوقيع المقاومة اللبنانية أيضاً. ففجر يوم 3 مارس أصدر الحزب بياناً جديداً قال فيه: “ثأراً للدم الزاكي لسماحة آية الله العظمى الإمام السيد على الحسينى الخامنئى الذى سُفك ظلماً وغدراً على يد العدو الصهيونى المجرم، ودفاعاً عن لبنان وشعبه وفي إطار الرد على الإعتداءات الإسرائيلية المتكررة، استهدفنا منتصف ليل الأحد الإثنين الواقع في الثاني من مارس 2026 بصلية من الصواريخ النوعية وسرب من المسيرات موقع مشمار الكرمل للدفاع الصاروخى التابع لجيش العدو الإسرائيلى جنوب مدينة حيفا المحتلة”.
وشدد الحزب: “لطالما أكدت قيادة المقاومة أن استمرار الإعتداءات الإسرائيلية واغتيال قادتنا وشبابنا وأهلنا يعطينا الحق فى الدفاع، والرد فى الزمان والمكان المناسبين”، وأكد على أنه “لا يمكن للعدو الإسرائيلي أن يستمر فى عدوانه الممتد منذ 15 شهرا من دون أن يلقى رداَ تحذيرياً لوقف هذا العدوان والإنسحاب من الأراضى اللبنانية المحتلة”.
واختتم بيانه بالقول: “هذا الرد هو رد دفاعي مشروع وعلى المسؤولين والمعنيين أن يضعوا حداً للعدوان الإسرائيلي الأميركي على لبنان. المقاومة في قلب المعركة وملتزمة بالوفاء لدماء الشهداء”. وبهذا البيان الذي حمل توضيحاً سياسياً وعقائدياً لما جرى، أعلنت المقاومة الإسلامية دخول الحرب بشكل رسمي لتبدأ تنفيذ عمليات يومية ضد أهداف إسرائيلية.
وفي هذا السياق نشير على سبيل المثال لا الحصر إلى تنفيذ حزب الله 20 عملية أمس الجمعة الواقع 6 مارس، وما لا يقل عن 9 عمليات اليوم السبت حتى كتابة هذا التقرير.
وشهدت ليلة اليوم عملية نوعية للمقاومة في لبنان تمثلت في صد إنزال جوي لقوات إسرائيلية خاصة في بلدة النبي شيت الواقعة في منطقة البقاع شرقي لبنان. وشهدت البلدة مواجهات عنيفة بين الطرفين وباءت بفشل القوة المهاجمة في تحقيق هدفها.
وأعلنت وسائل إعلام وقوع القوة الإسرائلية في كمين محكم على يد مقاتلي الحزب، مما دفع للاعتقاد بتكبدها خسائر بشرية مباشرة في صفوفها بين قتلى وجرحى. كما انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة تظهر تصدي الحزب والأهالي بشراسة لمروحيات إسرائيلية في المنطقة. فيما ظهرت في مقاطع أخرى تعليقات للسكان المحليين تفيد بإسقاط المقاومة مروحية إسرائيلية واحدة وكذلك أسر جندي أو أكثر، إلا أن هذه المعلومات لم تؤكد رسمياً حتى الآن.
وأصدر الحزب البيان التالي تعليقاً على ما حدث في النبي شيت: “رَصَدَ مجاهدو المُقاومة الإسلاميّة عند الساعة 22:30 من مساء الأمس الجمعة 06-03-2026 تسلّل 4 مروحيّات تابعة لجيش العدو الإسرائيلي من الاتجاه السوري، حيث عمدت إلى إنزال قوّة مشاة عند مثلّث جرود بلدات يحفوفا، الخريبة ومعربون.
وتقدّمت قوّة المشاة المعادية باتّجاه الحيّ الشرقيّ لبلدة النبي شيت (حي آل شكر)، وعند وصولها إلى المقبرة، عند الساعة 11:30، اشتبكت معها مجموعة من مجاهدي المقاومة الإسلاميّة بالأسلحة الخفيفة والمتوسّطة.
وتطور الاشتباك بعد انكشاف القوّة المعادية، حيث لجأ العدو إلى تنفيذ أحزمة ناريّة مكثّفة شملت نحو أربعين غارة، مستعملاً الطيران الحربيّ والمروحيّ لأجل تأمين انسحاب القوّة من منطقة الاشتباك. في غضون ذلك، نفّذ سلاح المدفعيّة في المقاومة رمايات مركّزة بالأسلحة المناسبة على محيط منطقة الاشتباك وعلى امتداد مسار انسحاب القوّة المعادية، في ما شارك أهالي القرى المجاورة في الإسناد الناري”.
أما الجيش اللبناني، فأصدر بياناً منفصلاً أعلن فيه: “ليل ٦ -٧ / ٣ /٢٠٢٦، عند الساعة ٢٢:٥٠، رصدت وحدات الجيش ٤ طوافات إسرائيلية معادية فوق منطقة الخريبة – بعلبك عند الحدود اللبنانية السورية، حيث عمدت طوافتان إلى إنزال قوة معادية في محيط المنطقة، بالتزامن مع قصف جوي عنيف وواسع النطاق للقرى المجاورة.
على أثر ذلك، نفذت الوحدات العسكرية المختصة تدابير استنفار ودفاع فوري، وأطلقت قنابل مضيئة لكشف بقعة الإنزال، في حين كان عناصر القوة المعادية قد تواروا عن الأنظار.
تخللت الإنزالَ عمليةُ قصف وتمشيط معادٍ لهذه البقعة، تَلاها تبادل لإطلاق النار بين القوة المعادية وأبناء المنطقة بعد انتقال هذه القوة من موقع الإنزال إلى منطقة النبي شيت، فيما استمرت العملية حتى نحو الساعة ٣:٠٠ فجرًا. وقد استشهد ٣ عسكريين وعدد من المواطنين نتيجة القصف المعادي العنيف الذي رافق العملية. تجري المتابعة للوقوف على ملابسات العملية”.
وفور وقوع القوة الإسرائيلية في الكمين شرع الطيران الإسرائيلي في قصف المنطقة بشكل مكثف لإفساح المجال أمام جنوده للانسحاب منها وربما في إطار تفعيل “عقيدة هانيبال” لمنع وقوع العسكريين في الأسر لدى المقاومة.
وحتى كتابة هذا التقرير أسفر القصف الإسرائيلي للمنطقة عن استشهاد 41 شخصاً وإصابة 40 آخرين. أما منذ بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان بشكل عام يوم 2 مارس الجاري، فأعلنت وزارة الصحة اللبنانية استشهاد 294 مواطناً وإصابة 1023 آخرين.
واتضح فيما بعد حسب تقارير صحفية بأن هدف القوة الإسرائيلة التي نفذت إنزالاً جوياً في النبي شيت والتي تعرضت للكمين المحكم على يد حزب الله كان العثور على رفات رون آراد، وهو هو طيار وملاح جوي إسرائيلي فُقد في لبنان منذ شهر أكتوبر عام 1986 (أصيبت طائرته العسكرية خلال غارة على لبنان وسقطت، وعلى إثر ذلك أسرته المقاومة اللبنانية) وما زال مصيره مجهولًا حتى اليوم رغم مرور نحو أربعة عقود على اختفائه. قضيته تُعد من أكثر الملفات غموضًا في تاريخ الصراع اللبناني الإسرائيلي ومن أكثر المفات إيلاماً للاستخبارات الإسرائيلية وتعود إلى الواجهة بين الحين والآخر مع محاولات إسرائيلية جديدة للبحث عن معلومات تتعلق به أو رفاته.
وذكرت مصادر صحفية محلية أن الجانب الإسرائيلي ربما حصل على معلومات جديدة تخص مكان دفع الجندي المفقود، مشيرة إلى أن هذه المعلومات وردت من أحمد شكر، هو ضابط لبناني متقاعد من الأمن العام اختفى في ديسمبر 2025 في ظروف غامضة وسط ترجيحات أمنية وقضائية بأن المخابرات الإسرائيلية استدرجته وخطفته بسبب صلات مشبوهة بملف رون آراد.
وفي المحصلة يعكس فشل عملية الإنزال الإسرائيلي في النبي شيت فشلاً استخبارياً واضحاً. المسألة تمكن في أن إسرائيل نسقت عملية واسعة تشمل إنزال قوات على الأرض بهدف استعادة جثمان طيارها ولم تنجح في تحقيق هدفها، بل ووقعت في الكمين.
لا يمكن لإسرائيل الحذرة دائماً القيام بتعريض قوات للخطر واحتمال وقوع إصابات أو قتلى أو حتى أسر بينهم من أجل محاولة أو احتمالات ضعيفة لتحقيق هدف. الأمور تشير إلى احتمال واحد بأن إسرائيل كانت تملك ربما معلومة ذهبية وحاسمة، وعلى أساسها خططت للعملية ليتبين لاحقاً أن لا متعلقات أو رفات لرون أراد في المكان.
وتستمر الحرب على قدم وسابق ومعها عمليات عسكرية لحزب الله اللبناني بمختلف أنواعها والأسلحة المستخدمة فيها. وقد تحمل الأيام القادمة تطورات مدوية في هذا الصدد.



