
روسيا تقترب من إيران: ما الذي يعنيه تغير الخطاب الروسي في الصراع مع الغرب؟
براون لاند
أثارت تصريحات السفير الروسي في لندن أندريه كلين نقاشاً واسعاً في الأوساط الدبلوماسية الغربية بعد تأكيده أن موسكو لا تنظر إلى الصراع الحالي مع إيران من موقع الحياد، بل من زاوية سياسية ترى فيها أن السياسات الغربية في المنطقة تسهم في تصعيد التوتر. هذا الموقف يعكس تحولاً ملحوظاً في الخطاب الروسي، إذ باتت موسكو تتحدث بوضوح أكبر عن دعمها السياسي لطهران وانتقادها للنهج الذي تتبعه الولايات المتحدة وحلفاؤها.
يأتي هذا التطور في سياق بيئة دولية متوترة تتقاطع فيها عدة أزمات جيوسياسية من الحرب في أوكرانيا إلى التنافس الاستراتيجي في الشرق الأوسط. لذلك تنظر موسكو إلى أية مواجهة كبرى ضد إيران باعتبارها جزءاً من صراع أوسع مع الغرب وليس مجرد أزمة إقليمية معزولة.
في هذا السياق تتحدث بعض التقارير الغربية عن مؤشرات على تعاون عسكري وتقني متزايد بين روسيا وإيران، خصوصاً في مجالات الطائرات المسيّرة وأنظمة الاستطلاع. ووفق هذه التقديرات، فإن الخبرة التقنية الروسية في مجالات الحرب الإلكترونية والاستشعار قد تسهم في تطوير قدرات بعض المنظومات الإيرانية، وهو أمر يتابعه الخبراء العسكريون في الغرب باهتمام متزايد.
كما تشير تحليلات أمنية إلى احتمال وجود مستوى من التنسيق المعلوماتي بين الطرفين في إطار التعاون الاستراتيجي الذي تطور خلال السنوات الأخيرة. غير أن هذه التقديرات تبقى في معظمها ضمن نطاق التحليل الاستخباراتي أو التقدير السياسي، إذ لا توجد أدلة علنية قاطعة تثبت وجود مشاركة روسية مباشرة في أية عمليات عسكرية ضد أهداف أمريكية أو بريطانية في المنطقة.
مع ذلك، فإن مجرد تعاظم التعاون بين موسكو وطهران يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد الإقليمي. فالغرب ينظر إلى هذا التقارب بوصفه جزءاً من تشكل محور سياسي وعسكري يسعى إلى موازنة النفوذ الغربي في عدة مناطق من العالم، بينما ترى روسيا أن تعزيز علاقاتها مع إيران يدخل في إطار إعادة تشكيل التوازنات الدولية في مرحلة تتسم بتراجع الأحادية القطبية.
في ضوء ذلك، يبدو أن الصراع الدائر حول إيران لم يعد مجرد مواجهة إقليمية محدودة، بل أصبح ساحة يتقاطع فيها التنافس بين القوى الكبرى. وفي مثل هذه البيئات المعقدة، غالباً ما تتجنب الدول الكبرى الانتقال إلى مواجهة مباشرة، مفضلة إدارة الصراع عبر الضغوط السياسية والاقتصادية أو عبر دعم غير مباشر لحلفائها.
وبحسب شبكة CNN، أفاد مسؤول أمني غربي بأن روسيا بدأت بالفعل بتقديم دعم أكثر تفصيلاً لإيران في مجال حرب الطائرات المسيّرة. ويشمل هذا الدعم نقل تكتيكات طُوّرت خلال الحرب في أوكرانيا، ما يُساعد إيران على استهداف مواقعها في المنطقة بشكل أكثر فعالية.
وتشمل المساعدة، بحسب التقارير، استراتيجيات تشغيلية لاستخدام طائرات “شاهد” المسيّرة استناداً إلى خبرة روسيا في الحرب وفي مواجهة أنظمة الدفاع الجوي الغربية، بما في ذلك توصيات محددة بشأن طرق الهجوم كإطلاق الطائرات المسيّرة في موجات منسقة وتغيير مسارات طيرانها لتفادي أنظمة الدفاع الجوي.
كما صرح ممثل روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فاليري نيبينزيا بأن المواقع والبنية التحتية العسكرية للولايات المتحدة في منطقة الخليج تعتبر أهدافاً مشروعة للدولة الإيرانية في إطار حقها في الدفاع عن النفس.
ويحمل هذا التصريح دلالتين هامتين. أولهما أن روسيا ترى أن إيران يحق لها مهاجمة الأهداف الأمريكية في المنطقة أية كانت في إطار المواجهة الحالية على أساس الدفاع عن النفس، مبررة خطوات طهران العسكرية بهذه الصيغة. وثانيهما أن المسؤول الروسي ربما لمح إلى أن بلاده تعتبر نفسها حرة في تقديم الدعم لحليفها الاستراتيجي ضد الخصم الأمريكي لأن ذلك لا يندرج تحت عدوان عسكري غير مبرر من طرف طهران، وإنما لصون أمنها عن الهجمات التي بادرت بها أمريكا وإسرائيل. أي أن هذه الخطوات دفاعية فرضت عليها وليست عدائية.
يبقى السؤال المطروح في الأوساط الاستراتيجية: إلى أي مدى سيتطور هذا التقارب الروسي الإيراني، لا سيما في المجال العسكري الأمني الاستخباراتي.
وبالتوازي مع ذلك فتحت أوكرانيا التي ترى روسيا عدواً لدوداً لها بعد الحرب التي اندلعت عام 2022، جبهة مضادة للتعاون الروسي الإيراني في المواجهة الخليجية، واقفة مع الحلف الأمريكي الإسرائيلي.
وقد أرسلت السلطات الأوكرانية فرقاً من خبراء الطائرات المسيّرة إلى السعودية وقطر والإمارات لمساعدة هذه الدول في مواجهة هجمات المسيّرات الإيرانية، وذلك في إطار تعاون أمني مع دول الخليج العربية وسط تصاعد حدة المواجهة. وأكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن هذه الخطوة جاءت بطلب أمريكي وبهدف تعزيز قدرات الدفاع الجوي في المنطقة.
وفي تفاصيل المبادرة الأوكرانية هناك ثلاث فرق تضم مهندسين وعسكريين أوكرانيين بدأت العمل فعلياً في الدول الثلاث اعتماداً على خبرتهم ذات الصلة التي اكتسبوها طيلة سنوات الحرب مع روسيا. عرضت أوكرانيا مسيّرات اعتراض محلية الصنع وطرحت مبادرة لتبادلها مع صواريخ “باك-3” التابعة لمنظومة “باتريوت” الأمريكية. فيما طلبت واشنطن من كييف المساهمة بخبرتها في مواجهة المسيّرات الإيرانية، ما يعكس تنسيقاً ثلاثياً بين الولايات المتحدة وأوكرانيا ودول الخليج.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن بلاده تمتلك “أكبر خبرة في العالم” في مواجهة مسيّرات شاهد الإيرانية التي وصفها بأنها “أكبر تحدٍ” في المنطقة. وأوضح بأن كييف تلقت طلبات من عدة دول خليجية للاستفادة من خبرتها، وبأنه أجرى اتصالات مباشرة مع أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الإمارات محمد بن زايد آل نهيان، كما تحدث وزير خارجيته مع نظيره الكويتي.
وكشف زيلينسكي أن الأمين العام لمجلس أمن الدفاع القومي الأوكراني رستم أوميروف توجه إلى الدول المذكورة لبحث تفاصيل التعاون بشكل مباشر.
وعند الوقوف على الدلالات الاستراتيجية لهذه الخطوة لا بد من الإشارة إلى أن أوكرانيا لا تقتصر على جبهتها المباشرة ضد روسيا، بل تصدر خبراتها العسكرية إلى مناطق أخرى (كما فعلت في عدة دول إفريقية خلال السنوات الماضية أرسلت إليها خبراء تقنيين وشحنات مسيرات أيضاً لمواجهة النفوذ التي اكتستبه روسيا فيها والقوى المحلية المتحالفة معها). كما تعكس مشاركة أوكرانيا في هذه الأنشطة اصطفافاً أوضح مع الولايات المتحدة وحلفائها ضد إيران وروسيا.
يمثل إرسال خبراء أوكرانيين إلى الخليج تحركاً أمنياً جديداً يربط الحرب في أوكرانيا بالصراع الإقليمي في الشرق الأوسط من زاوية أن كلتي الحربين هما في الحقيقة مواجهة بين القوى الكبرى في العالم إلى حد كبير.



