
مستقبل الحياد الخليجي في مواجهة الأزمة الإيرانية-الأمريكية
أزمة فُرضت لا اختُيرت
باتت دول مجلس التعاون الخليجي في مواقف لم تسعَ إليها يوماً؛ فبدلاً من دورها التقليدي كجسر للتهدئة بين القوى المتصارعة، وجدت نفسها فجأة في قلب المعركة تتلقى الأضرار دون أن تكون جزءاً من المواجهة. وقد عبّر الأمين العام لمجلس التعاون جاسم البديوي عن هذا الواقع بصراحة نادرة، حين شدد على أن دول المجلس بمنأى تام عن هذا الصراع.
ففي أعقاب الضربة الأمريكية الإسرائيلية على طهران في الثامن والعشرين من فبراير 2026، شنّت إيران هجمات واسعة طالت مواقع في ست دول خليجية، مؤكدةً أنها استهدفت حصراً المنشآت العسكرية الأمريكية. إلا أن الواقع على الأرض جاء مختلفاً، حيث امتدت الضربات لتصيب مناطق سكنية ومرافق بالغة الحيوية.
الخليج ساحة بديلة في الحسابات الإيرانية
تبرز من خلال رصد الهجمات الإيرانية منذ بدء الحرب معطيات لافتة؛ إذ وُجِّهت نحو 83% منها صوب الأراضي الخليجية، في حين لم تتجاوز حصة إسرائيل 17% منها. وتعكس هذه النسبة رؤية إيرانية تقوم على توظيف البيئة الخليجية أداةً لرفع ثمن الدعم الإقليمي للعمليات الأمريكية، عوضاً عن المواجهة المباشرة مع القوتين الأمريكية والإسرائيلية.
سياسة ضبط النفس: اختيار مدروس أم ضرورة مفروضة؟
في مواجهة هذا الواقع، انتهجت دول الخليج مساراً قائماً على التصدي للهجمات عبر منظومات الاعتراض الجوي، مع الامتناع عن أي رد عسكري هجومي. وأكد البديوي في أكثر من مناسبة أن بلاده لن تشارك في أي عمل عسكري ضد إيران، مشيراً إلى أن هذا الموقف يصدر عن وعي تام بمحاولات الأطراف المتصارعة استدراج المنطقة إلى معركتها.
بيد أن ثمة إشارات متصاعدة توحي بنفاد هذا الصبر تدريجياً؛ إذ حذّر وزير الخارجية السعودي صراحةً من أن قدرة بلاده على تحمّل الاعتداءات الإيرانية لها سقف، فيما أصدرت كل من الكويت والإمارات والبحرين والسعودية وقطر والأردن بياناً مشتركاً يؤكد حق الدفاع عن النفس استناداً إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما عدّه المراقبون تهيئةً للأرضية القانونية لخيار الرد.
إجراءات دبلوماسية وبوادر عسكرية
على صعيد التصعيد الدبلوماسي، أقدمت قطر على طرد الملحقين العسكري والأمني الإيرانيين، وتبعتها السعودية بإجراءات مماثلة، فيما جمّدت الإمارات تمثيلها الدبلوماسي في طهران. وعلى المستوى الميداني، نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مصادر مطلعة أن الرياض أذنت باستخدام قاعدة الملك فهد الجوية لعمليات أمريكية ضد إيران، وأن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان كان على أعتاب اتخاذ قرار الانخراط في الحرب. كما أشار التحقيق ذاته إلى أن بعض عمليات الصواريخ الأرضية الموجهة نحو إيران انطلقت من الأراضي البحرينية، في حين شرعت الإمارات بتضييق الخناق على الأصول الإيرانية داخل أراضيها.
متى ينكسر الحياد؟
يكاد يُجمع المحللون على أن انخراط دول الخليج في الحرب ليس مستبعداً، وإنما مرهون بتجاوز عتبات بعينها. يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة قطر علي باكير أن تصاعد الهجمات الإيرانية على قطاع الطاقة سيولّد ضغطاً متزايداً على دول المجلس للانتقال من الدفاع إلى الهجوم، خاصة مع استنزاف مخزون منظومات الاعتراض. ويؤكد المحلل السعودي سعد الحامد أن المسّ بمنشآت النفط والغاز يمثل الخط الفاصل الذي لن تقبل دول الخليج تجاوزه دون استجابة.
وقد تجلّى هذا الاتجاه في حدة الردود الرسمية؛ إذ وصفت الخارجية القطرية استهداف مجمع رأس لفان الصناعي بأنه اختراق سافر للسيادة الوطنية وتهديد مباشر للاستقرار الإقليمي.
لماذا لا تزال الحرب خياراً مكلفاً؟
رغم تصاعد الضربات، تُدرك دول الخليج حجم الثمن الذي ستدفعه إن هي انزلقت إلى المواجهة المفتوحة. فعلى الصعيد الاقتصادي، قدّرت شركة ريستاد إنرجي تكلفة إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة في قطاع الطاقة بما يتجاوز 25 مليار دولار، فضلاً عن خسائر تتراوح بين 18 و20 مليار دولار من عائدات النفط والغاز جراء إغلاق مضيق هرمز ستةً وعشرين يوماً. والأشد وطأةً أن التعافي من بعض هذه الأضرار قد يمتد لسنوات بصرف النظر عن الإمكانات المالية المتاحة، إذ قد تحتاج إعادة تشغيل مجمع رأس لفان في قطر إلى نحو خمس سنوات كاملة.
وتتراكم فوق هذه الاعتبارات الاقتصادية تحديات استراتيجية أعمق، أبرزها احتمال أن تُعلن الإدارة الأمريكية انتصارها وتنسحب من الميدان، تاركةً الخليج في مواجهة إيران وحيداً. يُضاف إلى ذلك ما ينطوي عليه الاصطفاف العسكري مع إسرائيل من تداعيات على صورة دول الخليج في محيطها العربي والإسلامي، ناهيك عن التباين الجوهري بين أولويات هذه الدول القائمة على التنمية والرخاء، وبين منطق الحرب الرامي إلى إعادة رسم موازين القوى الإقليمية.
واشنطن تضغط والخليج يحسب
تسعى الإدارة الأمريكية إلى توظيف دول الخليج غطاءً إقليمياً للعمليات العسكرية ضد إيران، وهو ما تشير إليه مصادر وكالة رويترز من أن واشنطن تمارس ضغوطاً مباشرة على دول المجلس للانضمام إلى الحملة. كما تتجلى ضغوط غير مباشرة في طبيعة التصعيد ذاته، حيث إن استهداف البنى التحتية داخل إيران قد يستدعي رداً إيرانياً يطال منشآت الطاقة الخليجية، فيدفعها قسراً نحو الانجرار.
غير أن الضغط الأمريكي يواجه في المقابل مقاومةً خليجية هادئة، وتحذيرات من مغبة توسع الصراع، لا سيما أن انعكاساته بدأت تطفو على أسواق المال الأمريكية ذاتها، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي إلى تمديد مهلة التصعيد مرات متعاقبة.
التوازن الهش وحده الممكن
خلاصة المشهد يصيغها المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية خالد الجابر بدقة: حماية السيادة واجب لا تنازل عنه، والردع أداة لا غنى عنها، لكن الانجرار إلى مواجهة مفتوحة من غير حساب كافٍ ثمنه أثقل مما يمكن تحمّله. أما الباحث الحواس تقية فيرى أن التمسك بالموقف الدفاعي يظل أرجح الخيارات المتاحة، كونه يفتح الباب أمام دالخليج لإعادة بناء علاقاتها مع كلٍّ من واشنطن وطهران على أسس أكثر استقراراً.
في نهاية المطاف، تجد دول الخليج نفسها في مواجهة معادلة قاسية: الصمت مؤلم، والتحرك أكثر إيلاماً. وحين تضيق الخيارات على هذا النحو، يغدو الحفاظ على التوازن المتزعزع خياراً بحد ذاته، ورهاناً على أن هذه العاصفة ستمر.



