
(5-2) الجذور التاريخية والبنية التأسيسية للصراع الأمريكي – الإسرائيلي – الإيراني
د. ميمونة سعيد ادم أبورقاب
الصراع في ميزان الواقعية والردع والأمن الإقليمي
يُعدّ الصراع الأمريكي – الإسرائيلي – الإيراني نموذجاً تطبيقياً كلاسيكياً لنظريات الواقعية السياسية في العلاقات الدولية. فمن منظور الواقعية الكلاسيكية عند Hans Morgenthau، فإن السياسة الدولية محكومة بصراع دائم على القوة، حيث تسعى الدول إلى تعظيم مصالحها في بيئة فوضوية تفتقر إلى سلطة مركزية عليا. ووفق هذا المنظور، فإن التوتر بين طهران وواشنطن وتل أبيب ليس صراعاً أيديولوجياً صرفاً، بل هو تعبير عن تنازع إرادات على إعادة توزيع القوة والنفوذ في الإقليم.
أما الواقعية البنيوية كما صاغها Kenneth Waltz، فترى أن بنية النظام الدولي – لا طبيعة الأنظمة – هي المحدد الأساس للسلوك. وضمن هذه القراءة، فإن تحوّل إيران إلى قوة إقليمية صاعدة بعد 1979 أحدث اختلالاً في ميزان القوى التقليدي الذي كان يميل لصالح المحور الأمريكي – الإسرائيلي – الخليجي، ما ولّد دينامية ردعية متبادلة.
في هذا السياق يبرز مفهوم الردع، بوصفه آلية مركزية لتنظيم الصراع دون الانزلاق إلى حرب شاملة. الردع هنا ليس فقط نووياً، بل متعدد الأبعاد: صاروخي، سيبراني، غير متماثل. كما أن التحالفات تمثل أداة توازن تقليدية، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز تحالفاتها الإقليمية، بينما بنت إيران شبكة من الفاعلين غير الدولتيين لتوسيع مجالها الحيوي.
وتُعدّ نظرية “الأمن الإقليمي المركب” لباري بوزان إطاراً تفسيرياً مناسباً، إذ تفترض أن أمن الدول في إقليم معين مترابط إلى حد يصعب معه فصل أمن دولة عن الأخرى. في الحالة الشرق أوسطية، لا يمكن فهم أمن إسرائيل دون فهم السلوك الإيراني، ولا يمكن قراءة التمدد الإيراني بمعزل عن الحسابات الأمريكية.
التحول البنيوي بعد الثورة الإيرانية
شكّلت Iranian Revolution نقطة التحول الجوهرية في إعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي. قبل 1979، كانت إيران الشاه أحد أعمدة الاستراتيجية الأمريكية في الخليج، وشريكاً ضمنياً في منظومة “الأطراف” التي اعتمدتها إسرائيل لاحتواء محيطها العربي. لكن الثورة أسقطت هذا التوازن دفعة واحدة.
تحول النظام الإيراني الجديد من حليف استراتيجي لواشنطن إلى خصم أيديولوجي وسياسي، رافعاً شعار مقاومة “الاستكبار العالمي” وداعماً لقضية فلسطين بوصفها جزءاً من شرعيته الثورية. هذا التحول لم يكن رمزياً؛ بل أعاد تعريف هوية الدولة الإيرانية ودورها الإقليمي.
بالنسبة للولايات المتحدة، فقدت إحدى ركائز سياستها الخليجية، ما دفعها إلى إعادة هندسة شبكة تحالفاتها وتعزيز وجودها العسكري المباشر. أما إسرائيل، فقد انتقلت إيران في إدراكها الاستراتيجي من دولة بعيدة جغرافياً إلى تهديد وجودي محتمل، خاصة مع تطور برنامجها الصاروخي والنووي.
ومع مرور الوقت، تطورت العقيدة الأمنية الإسرائيلية تجاه إيران من سياسة “المراقبة الحذرة” إلى “العقيدة الاستباقية”، القائمة على منع إيران من امتلاك قدرات استراتيجية نوعية. وقد تجلى ذلك في عمليات استهداف منشآت نووية، واغتيال علماء، وتنفيذ هجمات سيبرانية. في المقابل، اعتمدت إيران استراتيجية “الصبر الاستراتيجي” وبناء العمق عبر حلفاء إقليميين، معتبرة أن المواجهة المباشرة تخدم خصومها.
إذن، ما حدث بعد الثورة لم يكن مجرد تغيير نظام، بل إعادة صياغة لبنية الصراع الإقليمي.
مراحل التصعيد الكبرى
- مرحلة الاحتواء
في الثمانينيات والتسعينيات، سادت سياسة الاحتواء المزدوج، حيث سعت واشنطن إلى الحد من نفوذ كل من إيران والعراق معاً. تميزت هذه المرحلة بفرض عقوبات، وعزل دبلوماسي، ومحاولات تطويق النفوذ الإيراني عبر تحالفات إقليمية.
غير أن هذه السياسة لم تنجح في تقويض المشروع الإيراني، بل ساهمت في دفعه نحو تطوير أدوات غير تقليدية للنفوذ، ما عزز دينامية الصراع غير المباشر. - مرحلة العقوبات القصوى
بلغت الضغوط ذروتها بعد أزمة البرنامج النووي الإيراني، وصولاً إلى توقيع Joint Comprehensive Plan of Action عام 2015، الذي مثّل لحظة انفراج نسبي. لكن انسحاب إدارة ترامب أعاد الأمور إلى مربع التصعيد، عبر سياسة “الضغط الأقصى” الهادفة إلى إنهاك الاقتصاد الإيراني ودفعه لتغيير سلوكه الإقليمي.
غير أن هذه المرحلة كشفت حدود القوة الاقتصادية، إذ لم تؤدِ إلى انهيار النظام أو تغيير استراتيجي جذري، بل دفعت إيران إلى تسريع بعض جوانب برنامجها النووي وتعزيز تموضعها الإقليمي. - مرحلة حرب الظل
منذ أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، دخل الصراع مرحلة “حرب الظل”. وهي حرب منخفضة الكثافة، متعددة الأدوات، تشمل اغتيالات، هجمات سيبرانية، استهداف سفن، وضرب منشآت عسكرية.
في هذه المرحلة، تحوّل الردع إلى لعبة دقيقة لإدارة الحافة: ضربات محسوبة لا تصل إلى عتبة الحرب الشاملة. إسرائيل تسعى إلى منع التموضع الإيراني في سوريا ولبنان، وإيران تستخدم أوراقها الإقليمية للرد غير المباشر.
وهنا يظهر الطابع البنيوي للصراع: هو صراع على قواعد اللعبة الإقليمية، وليس فقط على ملف بعينه.
(د) الخلاصة التحليلية: بنيوي أم ظرفي؟
السؤال الجوهري: هل هذا الصراع ظرفي مرتبط بملفات محددة، أم هو صراع بنيوي عميق؟
المؤشرات النظرية والتاريخية تميل إلى اعتباره صراعاً بنيوياً. فهو مرتبط بإعادة توزيع القوة في الشرق الأوسط، وبسعي إيران لانتزاع اعتراف بدورها كقوة إقليمية كبرى، وبحرص إسرائيل على الحفاظ على تفوقها النوعي، وبسعي الولايات المتحدة لمنع ظهور قوة مهيمنة منافسة في الإقليم.
كما يصعب فصل هذا الصراع عن التحولات الدولية الأوسع. فمع تراجع الأحادية القطبية وصعود قوى كبرى أخرى، أصبحت هوامش الحركة الإيرانية أوسع، بينما باتت الولايات المتحدة أكثر حذراً في الانخراط العسكري المباشر. هذه التحولات تعيد تعريف قواعد الردع، وتفتح المجال لسيناريوهات أكثر تعقيداً.
بالتالي، يمكن القول إن الصراع ليس مجرد خلاف حول برنامج نووي، ولا هو نتيجة لحظة سياسية عابرة؛ بل هو تعبير عن خلل بنيوي في معادلة الأمن الإقليمي، وعن صدام رؤى حول هوية الشرق الأوسط ومستقبله.
إنه صراع على من يحدد قواعد النظام الإقليمي: هل يبقى خاضعاً للمظلة الأمريكية – الإسرائيلية، أم يتجه نحو توازن قوى جديد تكون إيران أحد أقطابه؟
وهذا السؤال هو ما سيحكم مسار المنطقة في العقود القادمة، سواء عبر انفجار شامل أو عبر إدارة صراع طويل النفس.



