
الحرب في إيران / بين منطق الردع الإقليمي وتحولات النظام الدولي
تقرير تحليلي — أبريل 2026
باحث أكاديمي: رقية الجيلاني الحسين
أولاً: المقدمة — توصيف الصراع في سياقه التاريخي والراهن
في الثامن والعشرين من فبراير 2026، اندلع ما بات يُعدّ أشد موجات التصعيد العسكري حدةً في الشرق الأوسط منذ حرب الخليج الثانية؛ إذ شنّت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضربات عسكرية منسّقة ومتزامنة استهدفت قلب المنظومة الحاكمة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأسفرت في ساعاتها الأولى عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار قادة الحرس الثوري الإسلامي، فضلاً عن تدمير واسع للبنية التحتية العسكرية والنووية الإيرانية. وقد جاء هذا الاندفاع العسكري المفاجئ ليطيح بمسار مفاوضات نووية كانت تجري خلف الكواليس، وكان قد بلغ — وفق ما أفادت به المصادر العُمانية — مرحلة «الاتفاق الجوهري» قُبيل الضربات بساعات قليلة.
ولم يكن هذا الحادث — من المنظور الإيراني — مجرد ضربة عسكرية، بل يمثّل في أعين القيادة الإيرانية وباحثيها «غدراً استراتيجياً» من أعلى مستوياته؛ إذ إن الضربة الوقائية التي جاءت في خضم مفاوضات كانت طهران تعتبرها جدية ومتقدمة تُسقط الإيمان بجدوى الدبلوماسية أمام القيادة الإيرانية ذاتها، وتُقوّي المتشددين الداخليين على حساب المعتدلين. وهو ما يُفسّر لماذا جاء الرد الإيراني بهذا الحجم ومتعدد الاتجاهات: فليس الهدف منه الانتصار العسكري الحاسم، بل إثبات أن التكلفة المفروضة على العدو تُساوي تكلفة إيران أو تتجاوزها.
غير أن ما بدا وكأنه عملية «قطع رأس» سريعة Decapitation Strike [1]تحوّل إلى حرب إقليمية متعددة الأبعاد؛ ردّت إيران في غضون ساعات بإطلاق مئات الصواريخ الباليستية والمسيّرات الانتحارية نحو إسرائيل وقواعد أمريكية في البحرين والكويت وقطر والسعودية والإمارات، في حين انتقلت حرارة الاشتباك إلى لبنان حيث فتح حزب الله جبهة واسعة ضد إسرائيل، بينما سارعت فصائل الحشد الشعبي في العراق إلى تفعيل قدراتها الصاروخية. وعلى مدى ستة أسابيع متواصلة، ارتسمت معالم أزمة متشعبة الخيوط تجمع في طياتها ديناميات الردع النووي، وحرب الوكالة، واختناقات الطاقة العالمية، ومعادلات إعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي.
وتُقدّم طهران هذه الحرب باعتبارها «عدواناً سافراً» يستدعي الدفاع المشروع، لا صراعاً انفجر من فراغ؛ فمنذ 2002 — حين كُشف عن البرنامج النووي الإيراني — تعرّضت طهران لعقوبات اقتصادية خانقة، وهجمات إلكترونية أمريكية-إسرائيلية (ستوكسنت)، واغتيالات لعلمائها النوويين، واستهداف قادتها العسكريين؛ وكلها تراكمت في الوعي الاستراتيجي الإيراني بوصفها حرباً منخفضة الحدة لم توقفها طهران قط، بل تحمّلتها. وفي ضوء ذلك، يرى المحللون المقرّبون من طهران أن إيران لا تسعى إلى حرب موسعة، بل تُنبّه خصومها إلى ما يمكن القيام به لردعهم، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة — إذ تراهن على الزمن أكثر مما تراهن على الحسم السريع.
وفي الثامن من أبريل 2026 — يوم إعداد هذا التقرير — يكون قد أُعلن عن وقف إطلاق نار لأسبوعين بوساطة باكستانية، تضمّن فتح مضيق هرمز وانطلاق مفاوضات في إسلام آباد. بيد أن التسوية تظل هشّة: إذ تواصل إسرائيل عملياتها في لبنان مؤكدةً أن الهدنة لا تشملها، فيما تتمسك طهران بموقفها التفاوضي المتصلّب. يسعى هذا التقرير إلى تشريح بنية هذا الصراع من زوايا ثلاث: طبيعته — محلية أم دولية؟ — وأدواته — منظومة الوكلاء الإقليميين — وأفقه — السيناريوهات المحتملة.
ثانياً: الإشكالية — صراع إقليمي أم دولي؟
السؤال الذي يطرحه كثير من المحللين — هل هو صراع إقليمي أم دولي؟ — يحمل في جوهره افتراضاً ضمنياً مفاده أن إيران طرف «مُزعزع للاستقرار» في منظومة إقليمية أو دولية معيّنة. غير أن المقاربة الإيرانية تقلب هذه المعادلة بالسؤال: مَن صنع هذا النظام الإقليمي أصلاً؟ ولصالح مَن؟
أ. إيران وإعادة تعريف الشرعية
لا تنظر طهران إلى سياستها الإقليمية بوصفها تدخلاً، بل تعتبرها تحالفات مع أطراف تواجه ما تصفه بـ«الاحتلال والهيمنة». وهذا ليس مجرد خطابة دفاعية، بل موقف نظري متسق يقوم على مبدأ «المقاومة» بوصفه مفهوماً مُقابلاً لمبدأ «الاستقرار» الذي ترى فيه طهران «تثبيتاً للظلم القائم.
وهنا يكمن جوهر الاختلاف في التأطير: فحين توصف المصادر الغربية منظومة الحلفاء الإيرانيين الإقليميين بأنها «انقلبت ضد صانعيها»، يعني ذلك — من المنظور الغربي — أن استراتيجية الدفاع المتقدم أنتجت تصعيداً عكسياً. بينما يرى المنظور الإيراني أن هذا التأطير يُسقط من المعادلة طرفاً أساسياً: الاعتداء الأصلي الذي أجبر إيران على بناء هذه المنظومة من الأساس. ويُعبّر عن ذلك بالتساؤل: «هل من الأخلاق أن تُترك الأراضي والسماء والبحر لتُستخدم ضد إيران؟
ب. الطابع الدولي: إشكالية النظام والمعايير
تتبنّى طهران نظرة إلى هذا الصراع بوصفه معركةً في صميم إشكالية النظام الدولي: هل يمكن لدولة أن تصنع برنامجاً نووياً مشروعاً بموجب معاهدة NPT — التي انضمت إيران إليها[2] — دون أن تتعرض للاعتداء؟
تستند السردية الإيرانية في هذا السياق إلى ما تعدّه تناقضاً صارخاً في تطبيق معايير الشرعية الدولية: فإسرائيل تمتلك أسلحة نووية غير معلنة وتتهرب من كل رقابة دولية ولم تتعرض لأي عقوبات؛ في حين تلتزم إيران بمعاهدة عدم الانتشار وتخضع للتفتيش، وتُضرب بسبب برنامجها النووي. ومن هذا التناقض تستمد طهران حجتها بأن الصراع يمثّل في جوهره أزمة منظومة دولية، لا مجرد نزاع إقليمي.
في المقابل، ترى الدول الغربية أن البرنامج النووي الإيراني يتجاوز حدود الاستخدام السلمي المنصوص عليه في المعاهدة، وأن التهديد الوجودي الذي يمثّله لإسرائيل والمنطقة يُبرّر التدخل. ومن ثَمّ، يبقى التباين في التأطير القانوني والأخلاقي لهذا الصراع محوراً لا يمكن تجاهله في أي قراءة تحليلية متوازنة.
ثالثاً: التحليل — الردع ومنظومة الحلفاء الإقليميين
أ. مفهوم «محور المقاومة» — إشكالية التسمية والتوصيف
يبدأ الخلاف من التسمية ذاتها: تصف المصادر الغربية الحلفاء الإقليميين لإيران بـ«الوكلاء»، مما يعني تبعية اندماجية وأوامر مباشرة من طهران. في حين يُصرّ المنظور الإيراني — ويدعمه بعض الوقائع الميدانية — على أن «محور المقاومة» نسق من التحالفات الطوعية بين جهات تشترك في مرجعية أيديولوجية مشتركة، لكنها تحتفظ باستقلالية تكتيكية ملحوظة.
ويُستشهد على ذلك بأن الحوثيين أبرموا هدنة مع واشنطن عام 2025 خلافاً لتوجهات طهران، وأن فصائل الحشد العراقي تصرّفت بـ«انتقائية» لافتة في تورطها بهذه الحرب. وهو ما يعني — في الرؤية الإيرانية — أن هؤلاء الحلفاء يتصرفون انطلاقاً من مصالحهم الذاتية وإيمانهم الأيديولوجي، لا بتعليمات صادرة من طهران.
حزب الله — الحليف الأعمق
يُقدّم المنظور الإيراني حزب الله لا بوصفه «جيش إيران في لبنان»، بل بوصفه «المقاومة اللبنانية» التي نشأت في سياق الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 — أي قبل أن تقرر إيران دعمها — وتجذّرت عضوياً في البيئة الشيعية اللبنانية. وقد فتح الحزب جبهةً متواصلة دعماً لإيران فور اندلاع المواجهة، وهو ما تعتبره طهران دليلاً على فاعلية منظومتها الردعية وقدرتها على إيجاد ثمن حقيقي للعدوان.
غير أن رفض إسرائيل إدراج لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار يكشف — وفق التحليل الإيراني — مسعىً إسرائيلياً مستقلاً يتجاوز الحرب على إيران ذاتها، إذ يُعدّ ذلك «استراتيجياً بامتياز» يستهدف تفريغ الجبهة اللبنانية من أي ضمانة دولية.
الحوثيون — إرادة مستقلة في إطار مشترك
يمثّل ملف الحوثيين اختباراً لمفهوم الاستقلالية داخل محور المقاومة: فقد قرّروا في مارس 2026 استئناف ضرباتهم باتجاه إسرائيل بقرار ذاتي، معلنين هدفهم إغلاق باب المندب إكمالاً لضغط هرمز الإيراني. والموقف الإيراني من هذا: أن «الحلفاء يتصرفون بما يتوافق مع القيم المشتركة، لا بأوامر مباشرة»، لا سيما أن الحوثيين باتوا يصنّعون أسلحتهم محلياً مما يُقلّص فعلياً اعتمادهم على طهران.
فصائل العراق — الردع المُتحفّظ
يُمثّل الموقف العراقي أعقد تجليات هذه العلاقة؛ إذ ردّت الفصائل المقرّبة من إيران على الضربة الأمريكية لقاعدة الحبانية بضربات انتقائية مدروسة، متحاشيةً التورط الشامل، والتفسير الإيراني لهذا الاعتدال — خلافاً للرواية الغربية التي تصفه بـ«الضعف» — هو أن هذه الفصائل تُحسب كلفة الانخراط داخل البيئة السياسية العراقية المعقدة، دون أن تتخلى عن دورها الردعي.
ب. منطق الردع الإيراني — من سردية الضحية إلى سردية الصمود
تقوم نظرية الردع الإيرانية على ثلاثة مستويات متداخلة:
أولها: الردع بالكلفة المتبادلة، من خلال القدرة على إلحاق أضرار بالغة بالاقتصاد العالمي عبر مضيق هرمز، وبالأمن الإقليمي عبر ضرب قواعد ومصالح أمريكية في الخليج.
ثانيها: الردع بالامتداد الزمني؛ فإيران — وفق قراءتها لذاتها — «تُراهن على الزمن». في كل يوم تبقى فيه الجمهورية الإسلامية قائمةً رغم الضربات، يتحوّل البقاء نفسه إلى رسالة ردعية مفادها أن الاستنزاف لن ينجح.
ثالثها: الردع بالتكامل الميداني؛ إذ تعتبر طهران منظومة المحور «خط دفاع متقدماً» يُبعد الحرب عن الأرض الإيرانية، وهو ما أثبته الواقع الميداني حين حاربت إسرائيل حزب الله في لبنان واليمن وغزة لسنوات دون أن تصطدم بإيران الدولة مباشرة.
وتُقرّ طهران بوضوح بأنها تُدرك حجم الكلفة التي ستتحملها، وتُدرك في الوقت ذاته الكلفة التي ستفرضها على خصومها — وهو اختيار واعٍ لخوض المواجهة مع إدراك تام لأبعادها.
ج. روسيا والصين — الحضور الغائب
يُفنّد المنظور الإيراني الانتقادات الموجّهة إلى إيران بسبب قتالها منفردة بحجة أن التوقعات لم تكن في أي وقت أن تدخل روسيا أو الصين مواجهةً عسكرية مباشرة، بل إن مثل هذا التدخل قد يكون خطراً على طهران نفسها لأنه قد يُوسّع رقعة الحرب ويُحوّلها إلى صدام بين قوى كبرى تُدفع كلفته على الأرض الإيرانية.
وتحضر موسكو وبكين بأشكال فاعلة لا بالتدخل المسلح : دعم قانوني في مجلس الأمن، وتعاون تقني وعسكري سابق يظهر جزء منه في الأسلحة الإيرانية المستخدمة، ومعارضة السردية الغربية في المحافل الدولية.
رابعاً: هدنة 8 أبريل 2026 — قراءة في السرديتين
أ. السردية الإيرانية للهدنة
حين أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني قبول وقف إطلاق النار، صاغ بيانه باللغة الانتصارية الصريحة: «طهران رفضت خلال الشهر الماضي جميع طلبات وقف إطلاق النار التي قدمها العدو. قرارها منذ البداية كان الاستمرار في الحرب حتى تحقيق أهدافها الاستراتيجية. الأهداف العسكرية تحققت إلى حد كبير”.
ويستند هذا الخطاب إلى قراءة إيرانية للمعطيات الميدانية: واشنطن أنفقت مليارات الدولارات وحشدت حاملات طائرات وقاذفات بعيدة المدى، ثم انتهت إلى قبول وقف إطلاق النار مقابل «فتح محدود لمضيق هرمز تحت السيطرة الإيرانية» — وهو المضيق الذي كان مفتوحاً قبل الحرب. ويُوصف هذا المشهد إيرانياً بأنه «إفشال لمخطط الحرب الخاطفة”.
في المقابل، يرى المنظور الغربي أن الهدنة تعكس إنهاك الطرفين، وأن إيران دفعت ثمناً باهظاً في بنيتها التحتية العسكرية والنووية، مما يُضعف موقفها التفاوضي على المدى البعيد. ووصف بعض المحللين الغربيين نتيجة الهدنة بـ«التعادل المرّ» الذي لا ينتصر فيه أحد حقاً.
ب. قراءة الهدنة وأبعادها
يرى التحليل الإيراني أن «المرحلة المقبلة ستختلف جذرياً عمّا سبقها»، وهو تأطير يُلمّح إلى أن طهران تعتبر نفسها قد أثبتت قدرتها الردعية ودخلت المفاوضات من موقع القوة لا الضعف.
ويُوصف موقف طهران من المهل الأمريكية المتكررة بأن مهلة ترامب الثالثة تمثّل «خديعة ثالثة» من منظورها، إذ تستند إلى سابقتين: مرة في حرب يونيو 2025 التي جاءت عقب مفاوضات، ومرة في فبراير 2026 حين جاءت الضربة في خضم مفاوضات جارية. وهو ما يُشكّل — في منطق طهران — الدليل التأسيسي على أن الولايات المتحدة لا تصلح طرفاً في أي اتفاق ما لم تتوفر ضمانات دولية متعددة الأطراف تُقيّد حرية واشنطن في نقض أي تسوية.
ج. الإعلام الإيراني وسردية البقاء
سارعت القنوات الرسمية الإيرانية إلى ترويج سردية النصر، غير أن الصورة ليست أحادية: فبعض الصحف المتشددة في طهران وصفت وقف إطلاق النار بأنه «هدية متعددة الجوانب للعدو»، داعيةً إلى مواصلة الضغط. هذا الانقسام الداخلي يكشف أن النظام الإيراني يعمل بقدر ملموس من التعددية الداخلية في قراءة نتائج الحرب، وهو ما يتناقض مع الصورة الغربية التي تُصوّر القرار الإيراني مركزياً أحادياً.
خامساً: السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول: مفاوضات إسلام آباد وتسوية نووية (احتمالية متوسطة)
تحمل المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد إشكالية جوهرية: مسألة التخصيب. فطهران تتمسك بحق التخصيب بوصفه حقاً سيادياً منصوصاً عليه في معاهدة عدم الانتشار، في حين يُصرّ نتنياهو على «إزالة اليورانيوم وإنهاء التخصيب». بيد أن ثمة تفاؤلاً حذراً: الوساطة الباكستانية والانخراط الصيني والتركي والمصري توفّر إطاراً متعدد الأطراف لم يكن متاحاً سابقاً، وباكستان بوصفها دولة نووية مسلمة تُقدّم لطهران «ضامناً رمزياً» يختلف نوعياً عن الوسيط العُماني.
السيناريو الثاني: التجميد الهش وعودة الاشتعال (الأكثر ترجيحاً)
تُشير العوامل الميدانية إلى أن وقف إطلاق النار يسير في منطقة رمادية: إسرائيل تواصل عملياتها في لبنان معلنةً أن الهدنة لا تشملها، والمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أكّد أن «أيدينا على الزناد». وتحتاج الهدنة — في ظل اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية — إلى «مظهر انتصار» من كلا الطرفين، مما يمنحها عمراً مؤقتاً دون أن يحل التناقضات الجوهرية.
السيناريو الثالث: تثبيت معادلة ردع جديدة (احتمالية متوسطة)
قد تكون إيران قد أثبتت بهذه الحرب ما عجزت عن إثباته بالدبلوماسية: أن كلفة مهاجمتها تتجاوز ما يتحمّله الاقتصاد العالمي. وإن صحّ ذلك، فقد يُرسي معادلة ردع «بعد الحرب» أكثر استقراراً مما كان عليه الوضع قبلها — إيران المُنهكة لكن التي فرضت احتراماً لقدراتها.
السيناريو الرابع: الانهيار الداخلي ومخاطره
يُقرّ المنظور الإيراني بوجود احتجاجات داخلية، غير أنه يُقدّمها بوصفها دليلاً على أن إيران «دولة قائمة على المؤسسات» قادرة على استيعاب التوترات الداخلية دون انهيار، خلافاً لما يصفه بالتبسيط الغربي الذي يُصوّر كل احتجاج بوصفه بوادر انهيار وشيك. في المقابل، يرى المحللون الغربيون أن الاستنزاف العسكري والاقتصادي قد يُراكم ضغطاً شعبياً يُصعب على النظام استيعابه على المدى البعيد.
سادساً: مقارنة نقدية بين السرديتين
نقاط التقاطع: يُقرّ الجانبان بأن وقف إطلاق النار الراهن هشّ، وأن المسألة النووية لا تزال معلّقة بوصفها العقدة الجوهرية. ويُجمع المحللون من الاتجاهين على أن الانتقال إلى سلام دائم يتطلب معالجة أعمق بكثير للملف النووي.
نقطة التباين الأولى: الغرب يرى في المنظومة الإيرانية الإقليمية تهديداً للاستقرار ينبغي تفكيكه. طهران تراها تحالفات تملك شرعية ذاتية مستقاة من التاريخ الإقليمي وموازين القوى اللامتكافئة.
نقطة التباين الثانية: الغرب يُصوّر البرنامج النووي الإيراني باعتباره تهديداً مشروعاً للتدخل العسكري. طهران تُصوّره حقاً سيادياً محمياً دولياً، وترى أن الاعتداء عليه يُقوّض نظام الحد من الانتشار النووي عالمياً.
نقطة التباين الثالثة: الغرب يُقدّم الاحتجاجات الداخلية الإيرانية دليلاً على هشاشة النظام. طهران ومحللوها يُقدّمونها دليلاً على حيوية المجتمع المدني في دولة مؤسساتية راسخة.
سابعاً: الخاتمة التحليلية — المعضلة المفتوحة
لعل الدرس الأعمق الذي تكشفه السردية الإيرانية — وهي سردية تستحق الفهم حتى من قِبَل من يختلف معها — أن ثمة معادلة مُهملة في كثير من التحليلات: الاعتراف بأن السياسة الإيرانية ليست عشوائية ولا انفعالية، بل تقوم على حسابات استراتيجية بعيدة المدى متجذّرة في تجربة تاريخية خاصة من الحصار والاستهداف المستمر. وأن الجواب على سؤال «لماذا تتصرف إيران بهذه الطريقة؟» لا يكتمل بمعزل عن سؤال مكمّل: «ماذا فُعل بإيران على مدار العقود الماضية؟
في المقابل، تطرح السردية الغربية تساؤلات مشروعة هي الأخرى حول شرعية التمدد الإيراني في المنطقة وتبعاته على الدول التي تحتضن فصائل المحور رغماً عن مؤسساتها، وحول حق الدول المجاورة في الأمن من مخاطر برنامج نووي تقول إنها لا تثق بنواياه.
في 8 أبريل 2026، تُدخل هدنة إسلام آباد المنطقة مرحلة استراحة المحارب، لا مرحلة السلام. الجبهة اللبنانية مفتوحة بإرادة إسرائيلية مستقلة. والمسألة النووية — التي فجّرت الحرب — ما تزال تحتاج إلى تسوية لم تُعرض بعد على الطرفين بشروط يمكن لكليهما القبول بها. ويبقى السؤال الأعمق: هل ثمة استعداد للاعتراف بأن إيران دولة ذات مصالح مشروعة؟ أم أن المنطق الاستئصالي الذي يرفضها كلياً هو ما سيُبقي المنطقة في دوامة التصعيد؟ — وهو سؤال لا يملك إجابته طرف واحد.
[1] مصطلح سياسي عسكري وهو هجوم يستهدف القيادات العليا (السياسية أو العسكرية) بهدف شلّ القدرة على اتخاذ القرار وإرباك منظومة القيادة والسيطرة لدى الخصم.
[2] معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) Non-Proliferation Treaty



