
الغطاء السياسي للمحرقة
كيف منحت النخبة المدنية شرعية للمليشيا؟
في الفلسفة القانونية، ثمة مفهوم يُعرف بـ«الامتناع عن التصرف» كشكل من أشكال المسؤولية، فمن يشهد جريمة ترتكب أمامه ويصمت، يحمل في جيبه قدراً من الإثم القانوني والأخلاقي، وهذا المفهوم بالضبط هو ما يجري تطبيقه في الشارع السوداني وأروقة المنظمات الحقوقية على تحالف «صمود» وسابقته «تقدم»: فالصمت أمام جرائم الدعم السريع، والتخفيف من الإدانة، وتوقيع الاتفاقيات أثناء المجازر، كل ذلك يُفسَّر باعتباره «غطاءً سياسياً» لمليشيا يراها قطاع واسع من السودانيين مجرمةً لا شريكةً في أي مسار مدني.
أولاً: أصل الاتهام وجوهره
تعود نقطة الانكسار الكبرى إلى ما يُعرف بـ«إعلان أديس أبابا»، الذي وقّعته قيادات محسوبة على التيار المدني مع قائد قوات الدعم السريع، في لحظة كانت فيها المليشيا توسّع رقعة انتشارها في الخرطوم والجزيرة ودارفور، وتوثّق فيها منظمات حقوق الإنسان الدولية جرائم إبادة وتطهير عرقي، جاءت المصافحة السياسية لتمنح قوات الدعم السريع شيئاً لا يُشترى بالمال: الشرعية الرمزية. فالصورة التي تجمع سياسياً مدنياً بقائد مليشيا تعني في لغة السياسة الدولية أن القائد «محاور مقبول»، لا مجرم ينبغي عزله.
يلتزم «صمود» رسمياً بمبدأ «عدم الانحياز لطرفي النزاع»، مؤكداً أن نداءه لوقف الحرب يشمل الجانبين، غير أن المنتقدين يرون أن الممارسة الفعلية تكشف ازدواجية صارخة: إذ تتسم البيانات الصادرة تجاه الجيش السوداني بلغة مباشرة وقاطعة، في حين تتسم تلك المتعلقة بجرائم الدعم السريع بالتلطيف والتعميم وتجنّب الإدانة الصريحة.
ثانياً: الديمقراطية لا تُبنى بهذه الطريقة
ثمة تناقض فلسفي جوهري في المشروع السياسي لـ«صمود» يستحق التوقف عنده: التحالف يرفع لافتة «الديمقراطية والحكم المدني» هدفاً لا يُساوَم عليه، لكنه في الوقت ذاته يدعو إلى الحوار مع مليشيا لا تعترف بأي شرعية سوى شرعية البندقية. ويطرح مفكرون ودستوريون سودانيون سؤالاً صعباً: كيف يمكن تأسيس ديمقراطية حقيقية في ظل وجود قوة مسلحة خارج سلطة الدولة؟ وهل الدعوة إلى «دمج الدعم السريع» في الجيش الوطني حل واقعي أم وصفة لتقنين الفوضى؟
وثيقة يونيو 2025 الصادرة عن «صمود» تقترح أفقاً انتقالياً يمتد لعشر سنوات، يقوم جزء منه على تشكيل جيش وطني موحد يضم الدعم السريع وفصائل الحركات المسلحة. وفي نظر شريحة واسعة من السودانيين، خاصة أولئك الذين فقدوا ذويهم في ما بات يُوصف بأنه إبادة جماعية في دارفور، هذه الرؤية ليست حلاً بل إهانة إضافية لدم الضحايا.
ثالثاً: الانقسام المدني وتكسير الأوعية
ربما يكون أثمن ما خسره «صمود» في هذه المعركة هو وحدة الفضاء المدني السوداني، فبدلاً من أن تكون القوى المدنية كتلةً متماسكة في مواجهة الحرب ودعاتها، انقسمت على نفسها بعمق، ففي حين التزم «صمود» بما يصفه بـ«الحياد الإيجابي»، انخرطت فصائل أخرى في تشكيل «تحالف السودان التأسيسي» الذي مضى في طريق الحكومة الموازية، وبات المشهد المدني السوداني أمام طيف من التحالفات المتنافسة بدلاً من جبهة موحدة، مما أضعف الجميع وأبهج أطراف الحرب من الجانبين.
في هذا السياق، تأتي الأبعاد الإقليمية لتزيد المشهد تعقيداً، فـ«صمود» يجد نفسه في حالة تقارب مع أطراف إقليمية ترعى الأزمة السودانية لحسابات استراتيجية وتنافسية بعيدة كل البُعد عن مصالح الشعب السوداني، وهذا ما يجعله هدفاً سهلاً للاتهام بأنه «أداة لمشاريع إقليمية»، وهو اتهام يصعب دحضه بالبيانات وحدها.
رابعاً: الشرعية وإشكالية المصدر
السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يواجهه «صمود» هو: من أين تستمد شرعيتك؟ إن كانت الشرعية مستمدة من الشارع، فإن هذه الشرعية تآكلت بفعل الانفصال والمواقف الملتبسة، وإن كانت مستمدة من المجتمع الدولي والاعتراف الخارجي، فإنها شرعية هشة لا جذور لها في التربة السودانية، وإن كانت مستمدة من برنامج سياسي، فإن الوثيقة التي أصدرها التحالف نوقشت ونُقدت بشدة من أطراف حليفة قبل أن تصلها أطراف معارضة.
الشرعية في السياسة ليست وثيقة تُكتب في عاصمة أجنبية، بل هي علاقة حية بين القائد وشعبه تُختبر في أحلك اللحظات. والشعب السوداني اليوم يعيش لحظة حالكة تستدعي القرب لا البُعد، والإدانة الواضحة لا الغموض المحسوب.
خاتمة: ثمن الموقف الملتبس
يبقى «صمود» رهين ما يمكن تسميته «مصيدة الغموض»، فهو لا يستطيع إدانة الدعم السريع إدانة قاطعة دون أن يفقد بعض خيوط التواصل مع الجانب الدولي الراغب في عملية سلام شاملة، ولا يستطيع المضي في خطاب «الحياد» دون أن يفقد الشارع السوداني الذي لا يرى حياداً ممكناً أمام مجازر موثقة، هذا التناقض الوجودي هو جوهر الأزمة، وما لم يُحسم بجرأة وشفافية، فإن «صمود» سيظل يراوح في مكانه.



