براون لاند – عربيتقارير

المفاوضات الإيرانية الأمريكية: مصير مجهول

وما حقيقة قصة أصفهان؟

شهدت المفاوضات الإيرانية الأمريكية أول جلسة لها في العاصمة الباكستانية، إلا أنها لم تسفر عن نتيجة. لا يزال مصيرها مجهولاً، كما الوضع في المنطقة بشكل عام، لا سيما مع اقتراب انتهاء فترة وقف إطلاق النار.

بداية العملية

تجدر الإشارة إلى أن المفاوضات عقدت بين الجانبين بالفعل واستمرت أكثر من 21 ساعة. لكن تبيّن لاحقاً أنها وصلت إلى «طريق مسدود» منذ بدايتها تقريبًا. صحيح أن أحدًا لم يكن يتوقع حلّ كل شيء خلال يوم واحد. إلا أن ظهور نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس أمام الصحافة بعد اليوم الأول أثار قلق من كانوا يعوّلون على عملية سلام. فمواقف الطرفين متباعدة إلى درجة تجعل من الصعب حاليًا توقع تحقيق نتائج ملموسة.

في العادة، من الطبيعي أن يبالغ الطرفان في مطالبهما في البداية، ثم يقدمان تنازلات ويقربان وجهات النظر تدريجيًا. لكن المواجهة الحالية بين إيران والولايات المتحدة مختلفة، خاصة بالنسبة للجانب الإيراني الذي يرى المعركة وجودية بالنسبة له.

حسب التسريبات، دخل الأمريكيون العملية بأسلوبهم التقليدي: عرضوا أولًا «طُعمًا» (الإفراج عن جزء من الأموال المجمدة بقيمة 6 مليارات دولار)، ثم بدأوا بطرح مطالبهم.

والمثير للاهتمام أن هذه المطالب هي نفسها التي لم يتمكنوا من تحقيقها عسكريًا، وأبرزها فتح مضيق هرمز بسرعة.

لكن مسألة السيطرة على المضيق تُفهم بشكل مختلف تمامًا لدى الطرفين. فإيران تراها ضمانة للحصول على تعويضات وضمان سلام مستقبلي دائم (من خلال القدرة على إغلاقه في أي وقت إذا تعرضت لهجوم من إسرائيل أو الولايات المتحدة). أما البيت الأبيض، فيراها تحت رقابة مشتركة. وهو طرح لا يبدو أن له جدوى بالنسبة لإيران، ما أدى بحسب تصريح نائب الرئيس الأمريكي إلى وصول المفاوضات إلى طريق مسدود حتى الآن.

استفزاز أمريكي

في الوقت نفسه، حاولت البحرية الأمريكية أثناء المفاوضات تنفيذ سيناريو معتاد لديها، وهو استفزاز ميداني. فبينما كانت المباحثات جارية في إسلام آباد، تحركت مدمرتان أمريكيتان باتجاه مضيق هرمز.

من جانبها، رصدت إيران هذا التحرك فورًا. وأبلغت الوسطاء الباكستانيين بأنه إذا لم تغيّر السفن الأمريكية مسارها، فسيتم استهدافها خلال 30 دقيقة.

ويبدو أن الأمريكيين أرادوا اختبار ما إذا كان الإيرانيون جادين، فواصلوا التقدم. لكن إيران بدأت دون تردد هجومًا باستخدام طائرات مسيّرة. ومع ظهور مؤشرات الهجوم، تراجعت السفن الأمريكية، فقامت إيران بدورها بسحب مسيراتها قبل أن تصل إلى مدى الهجوم.

بعد ذلك، ومع تعثر المفاوضات ميدانيًا وسياسيًا، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بطريقته المعتادة أنه سيفرض حصارًا على التجارة الإيرانية. وقال ترامب لاحقاً إن الموانئ الإيرانية والمضيق ستبقى تحت حصار أمريكي. وأعلن الجيش الأمريكي أنه تم تنفيذ هذه الخطوة.

مصير المفاوضات الإيرانية الأمريكية لا يزال مجهولاً

لاحقاً نشرت تسريبات كثيرة تفيد بأن التواصل بين الجانبين مستمر. وأمس وصل وفد باكستاني رفيع بقيادة رئيس هيئة الأركان إلى طهران، حاملاً رسالة من الأمريكيين، وفقاً لتقارير صحفية. وبعد محادثات مع نظرائهم الإيرانيين، من المتوقع أن يلتقي الباكستانيون مع الأمريكيين في مسعى لدفع العملية إلى الأمام. وتتمثل الخطوة التالية المتوقعة بعد ذلك في عقد جولة ثانية من المفاوضات بين الجانبين.

إضافة إلى ذلك، تزداد الأمور تعقيداً بسبب الوضع في لبنان. فقد صرحت القيادة الإيرانية بأن الاتفاق يجب أن يشمل وقف العدوان الإسرائيلي ضد لبنان. وأكدت أن هذا الشرط هو من الشروط الرئيسية التي تم التفاهم بشأنها منذ بداية العملية. ومن اللافت أن الجانب الباكستاني – الوسيط بين طهران وواشنطن – أكد ذلك أيضاً.

وجدير بالذكر أن مصير المفاوضات لا يزال مجهولاً. تنتهي فترة وقف إطلاق النار بعد حوالي أسبوع. قد يتم تمديدها لإتاجة فرصة أخرى أمام الدبلوماسية. إلا أن الاعتقاد السائد لدى الخبراء يؤكد أن عودة الحرب عاجلاً أم آجلاً هو الخيار الأكثر توقعاً.

المفاوضات الإيرانية الأمريكية تجري وسط غياب نتائج
المفاوضات بين طهران وواشنطن: وفد باكستاني في طهران

الحرس الثوري يحذر

من جهتها، قالت القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني إن أية خطوة خاطئة “ستوقع العدو في دوامات مميتة في مضيق هرمز”.

وأكدت القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني في بيان رسمي فرض السيطرة على مضيق هرمز. وأشارت إلى أن حركة الملاحة في المضيق الاستراتيجي تخضع لرقابتها وضوابطها الخاصة.

كما أوضحت بأنها تسمح لبعض السفن غير الحربية بالمرور عبر المضيق بشرط التنسيق المسبق مع إيران ووفقاً للضوابط التي تضعها.

إيران مستعدة لمواصلة القتال

وفي هذا السياق أكد مستشار المرشد الإيراني محسن رضائي أن طهران مستعدة تماما للحرب الطويلة على عكس الولايات المتحدة.

وقال رضائي: “لن نتخلى عن مضيق هرمز حتى استعادة كامل حقوقنا”. وأضاف: “بناء على تجربة المفاوضات السابقة، يجب أن نكون هذه المرة أكثر دقة في صياغة الاتفاقيات، ونؤكد بشدة على القضايا الاقتصادية”.

وتابع: “على عكس الأمريكيين الذين يخشون الحرب المستمرة، نحن مستعدون تماماً للحرب الطويلة وملّمون بها”. وتساءل: “إذا كان البحرية الإيرانية قد دُمّرت، فلماذا لا تجرؤ أمريكا على عبور مضيق هرمز؟”.

وختم رضائي: “على عكس المفاوضات السابقة التي كان الخصم يحدد الشروط المسبقة، فإن إيران هذه المرة هي من حددت الشروط المسبقة”.

من جانبها، أفادت وكالة “تسنيم” الإيرانية  بأن الفريق الإيراني سيجري التحقيقات اللازمة بعد الاجتماع مع الوفد الباكستاني.

وكتبت الوكالة نقلاً عن مصدر: “ثم سيتخذ قراراً بشأن الجولة القادمة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة”.

وأضافت: “وقف إطلاق النار في لبنان يُعدّ مؤشراً إيجابياً لقرار إيران بشأن الجولة القادمة من المفاوضات”.

كما ذكرت: “على الولايات المتحدة الالتزام بالإطار المنطقي للمفاوضات وعدم عرقلة العملية بتجاوز حدودها أو انتهاك الوعود التي قطعتها”.

ماذا حدث في أصفهان؟

وفي سياق متصل نريد لفت الانتباه إلى قصة وقعت خلال الحرب لها تأثير على  عملية التفاوض. ألا وهي قصة الطيار الأمريكي المفقود الذي ادعت القيادة الأمريكية بأنها أنقذته في عملية خاصة. وقعت العملية جنوبي إيران وأسفرت عن خسائر كبيرة في صفوف القوات الأمريكية، كما اتضح لاحقاً. وهو أمر بالمناسبة لم تعترف به واشنطن رسمياً.

لا بد من القول إن التحليلات اللاحقة أشارت إلى أن الحقيقة تختلف عن الرواية الرسمية. العملية، كما يُعتقد، لم تنفذ لإنقاذ الطيار، بل كانت عملية إنزال جوي في عمق الأراضي الإيرانية. علاوة على ذلك، تشير بعض الدلالات على أنها أجريت في منطقة قريبة من أحد المواقع النووية الإيرانية.

شكلت العملية الأمريكية أول محاولة لعمل عسكري بري خلال الحرب. كان هدفها إما جص نبض الإيرانيين لمعرفة قدراتهم الحقيقية على الأرض أو محاولة الاستيلاء على كمية من اليورانيوم المخصب لنقلها خارج البلاد. وفي كلتي الحالتين أفشل الجانب الإيراني العملية، حيث سارعت القوات الأمريكية إلى التراجع ومغادرة الأراضي الإيرانية.

وهنا ينبغي القول إن فشل هذه العملية البرية شكل أحد الأسباب لدفع أمريكا إلى الانخراط في عملية التفاوض، وذلك لإعادة ترتيب أوراقها وحساباتها قبل التطورات المقبلة.

وختاماً نود الإشارة إلى أن الطرف الأمريكي يواصل حشد قوات عسكرية في منطقة الشرق الأوسط خلال فترة وقف إطلاق النار. كما تشير صور أقمار صناعية إلى الجهود التي تبذلها إيران لإعادة تموضع منصاتها الصاروخية أيضاً. لذلك، فإن خياري المفاوضات وعودة الحرب يسيران مع بضعهما البعض.

خاص: براون لاند

Back to top button