
تشاد والسودان: هجوم مضاد أم تحويل للأنظار؟
حين تتقدّم أحزاب الظل للدفاع عن النظام أمام المحاكم الدولية
تقرير موثَّق | أبريل 2026
أولًا: السياق — الحرب القانونية في لاهاي
في أبريل 2026، نشر موقع TchadOne — وهو منبر إخباري تشادي مستقل يتخذ من نجامينا مقرًّا له، ويُعرف بتغطيته النقدية للشأن السياسي الداخلي — تقريرًا لافتًا كشف فيه عن تحرّك غير مسبوق: حزب سياسي صغير موالٍ للسلطة يتوجّه بشكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ضد نظام الجنرال البرهان في السودان، بينما تقف الدولة التشادية رسميًا على الحياد. ولفهم ما يجري، لا بدّ من استيعاب الخلفية الأشمل التي تدور فيها هذه الأحداث.
في الخامس من مارس 2025، رفع السودان دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد الإمارات العربية المتحدة، بتهمة انتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وذلك على خلفية الأعمال التي ارتكبتها قوات الدعم السريع وميليشيات حليفة ضد جماعة المساليت في دارفور منذ عام 2023 على الأقل، مدّعيًا أن الإمارات تتحمّل مسؤولية الإبادة الجماعية من خلال دعمها الواسع للمليشيات.
غير أن المحكمة الدولية ردّت هذه الدعوى بسرعة؛ ففي الخامس من مايو 2025، أعلنت محكمة العدل الدولية أنها “تفتقر بشكل صريح” إلى الصلاحية للنظر في الدعوى، وأسقطت القضية. وقد احتجّت الإمارات بأنها اشترطت عند توقيع اتفاقية الإبادة الجماعية عدم إخضاعها للبند الذي يمنح المحكمة الاختصاص القضائي.
أما تشاد تحديدًا، فقد وجدت نفسها في مرمى الاتهامات السودانية مباشرةً؛ إذ أشار محامو السودان أمام المحكمة إلى تقييم استخباراتي يُثبت — بحسب زعمهم — أن إمدادات الأسلحة الإماراتية لقوات الدعم السريع تمرّ عبر تشاد المجاورة. وعلى إثر ذلك، صرّح الفريق ياسر العطا، عضو مجلس السيادة السوداني، بأن المطارات التشادية أهداف عسكرية مشروعة للقوات المسلحة السودانية، لاعتقاده أنها تُستخدم لتزويد قوات الدعم السريع بالسلاح عبر الإمارات، مهددًا باتخاذ إجراءات انتقامية ضد الرئيس التشادي.
ثانيًا: ردّ الفعل التشادي — الدولة أولًا، ثم الحزب
على المستوى الرسمي للدولة، رفض الحكومة التشادية “بالجملة” الاتهامات التي تربطها بالنزاع في السودان، ووصفتها بأنها “اتهامات فجّة ومدفوعة سياسيًا”، مؤكّدةً أنها تبنّت منذ بداية المواجهات “موقف الحياد التام” المتسق مع القانون الدولي وحسن الجوار. وأكد البيان الرسمي أن تشاد هي نفسها “ضحية مباشرة” للأزمة السودانية.
وعلى الصعيد الميداني، لقي جنديان تشاديان حتفهما في ضربة بطائرة مسيّرة انطلقت من السودان أواخر ديسمبر 2025، وسقط سبعة آخرون خلال يناير جرّاء هجوم لقوات الدعم السريع على معسكر عسكري تشادي، ثم أغلقت تشاد حدودها مع السودان في فبراير إثر اشتباكات أودت بحياة خمسة جنود تشاديين.
على المستوى الحزبي، حشد حزب حركة الوحدة والتجديد (MUR) مئات المناضلين في مقرّه بالحي الرابع بنجامينا في الثامن والعشرين من مارس 2026، تحت شعارات من قبيل “تشاد ليست ساحة تصفية حسابات” و”تشاد خطّ أحمر”، معربًا عن “دعمه الراسخ لرئيس الجمهورية” في الدفاع عن السيادة الإقليمية، لا سيما على خلفية التوترات المتكررة عند تينيه على الحدود التشادية السودانية.
ثم جاءت الخطوة الأبعد أثرًا؛ فبدلًا من الاكتفاء بالمهرجانات الداخلية، توجّه الحزب بشكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية ضد نظام الجنرال عبد الفتاح البرهان، وبعث بمناضلين إلى لاهاي لإضفاء الحضور الميداني على هذه الخطوة.
ثالثًا: من هم الفاعلون؟ — الحزب والرجل
صالح بورما علي شخصية تجمع بين المنصب الحكومي وزعامة الحزب؛ فهو مسؤول رفيع في الإدارة وإدارة الموارد، وحاصل على تكوين في القانون والتاريخ، فضلًا عن كونه المؤسس والرئيس الوطني لحزب حركة الوحدة والتجديد (MUR). وقد أعاد مؤتمر استثنائي للحزب في الثالث عشر من ديسمبر 2025 انتخابه رئيسًا، وجدّد فيه بورما علي دعمه لرئيس الجمهورية المشير محمد إدريس ديبي إتنو، مؤكدًا أن هذا الدعم “لا يخضع للمساومات ولا لحسابات المناصب ولا لتقاسم المصالح الشخصية”.
والحزب ذاته مرّ بأزمة داخلية لا يمكن إغفالها؛ إذ انتقد عدد من قادته ومناضليه الأسلوب الاستبدادي في القيادة، مشيرين إلى أن بورما علي يدير الحزب دون مكتب تنفيذي منذ أكثر من خمس سنوات، ويحول دون انعقاد أي مؤتمر، وهو ما أضعف الحزب وأفضى إلى نتائج انتخابية متدنية وموجة استقالات في صفوف القيادات والمكاتب الإقليمية.
رابعًا: التحليل — هجوم مضاد أم تحويل للأنظار؟
يطرح منشور TchadOne — الذي جاء في سياق مراسلة ميدانية خاصة من نجامينا، وتبنّى فيه الموقع موقفًا نقديًا صريحًا من توظيف الأحزاب الموالية في المعارك القانونية الدولية — السؤالَ الجوهري بلا مواربة: السؤال الجوهري بصراحة:
هل هذا التحرّك الحزبي نحو المحكمة الجنائية الدولية ردٌّ قانوني جدّي على الاتهامات السودانية، أم مجرد مسرحية مُدبَّرة تهدف إلى إخفاء إحراج النظام التشادي على الساحة الدولية؟
حجج من يرى أنه تحويل للأنظار:
أولًا، توقيته لافت؛ تأتي خطوة الحزب بعد أن أعربت الجمعية الوطنية التشادية (الغرفة السفلى للبرلمان) عن استنكارها من اتهامات وجّهتها منظمة غير حكومية مسجّلة في فرنسا تُدعى “Priority Peace Sudan” إلى المحكمة الجنائية الدولية تتّهم فيها الرئيس التشادي ماهامات إدريس ديبي بدعم قوات الدعم السريع، ووصفت الاتهامات بأنها “لا أساس لها وسخيفة”.
ثانيًا، التسلسل الزمني يكشف نمطًا؛ فقد تعرّضت تشاد لاتهامات من السودان، ردّت عليها الدولة رسميًا، ثم أعقب ذلك تحرّك حزبي يُضخّم الردّ دون أن يحمل أي صفة قانونية رسمية، وهو ما يجعله في نظر المنتقدين أداةً للمطبلة لا أداةً للمساءلة.
ثالثًا، المحكمة الجنائية الدولية تملك صلاحية على السودان بموجب إحالة مجلس الأمن الدولي عام 2005، وهي إحالة شملت أصلًا الجرائم المرتكبة في دارفور منذ يوليو 2002. وهذا يعني أن مسار المساءلة قائم فعليًا، ولا يحتاج إلى تدخّل أحزاب صغيرة لتفعيله.
حجج من يرى أنه ردّ حقيقي:
في المقابل، ثمة سياق لا يمكن تجاهله؛ فتشاد تتعرّض لضغوط أمنية واقتصادية حقيقية جرّاء الحرب السودانية. فقد باتت أزمة اللاجئين تُزعزع استقرار المنطقة الأشمل، ومن بينها تشاد التي تواجه تحدّيات مضاعفة من جرّاء التدفّق الكبير للاجئين وخطر امتداد النزاع إلى أراضيها.
خامسًا: الدولة في الظل — حين تتقدّم الأحزاب بدلًا عن المؤسسات
ما يكشفه هذا المشهد التشادي السوداني هو ظاهرة باتت مألوفة في السياسة الإقليمية الأفريقية؛ حين تتراجع الدولة خطوةً إلى الخلف وتدفع بأدواتها الحزبية إلى الواجهة، مستغلّةً هامش الغموض الذي توفّره التنظيمات غير الرسمية في المحافل الدولية. وهكذا تجرّأت الأحزاب الصغيرة المتحالفة مع الأنظمة على شغل مساحات قانونية دولية لم تكن مخصّصة لها أصلًا، متسلّحةً بالولاء بديلًا عن الشرعية.
والخطورة هنا مضاعفة: أولًا، إضفاء الضبابية على الحدود بين المؤسسة الرسمية والأداة الحزبية، وثانيًا، تقديم صورة دولية لنشاط يبدو منظَّمًا ومدنيًا، بينما يبقى في جوهره أداةً في يد السلطة التنفيذية.
خلاصة
تكشف هذه القضية عن ثلاثة أنماط متشابكة:
أولًا: الصراع التشادي السوداني ليس مجرد توتّر حدودي عابر، بل هو انعكاس لحرب بالوكالة إقليمية أشمل تتقاطع فيها مصالح الإمارات والسودان وتشاد.
ثانيًا: حزب MUR يعمل بوصفه “جناحًا ناعمًا” للنظام، يُحرَّك في اللحظات الحرجة لتوفير غطاء شعبي أو إجراء قانوني دون أن تتحمّل الدولة نفسها المسؤولية المباشرة.
ثالثًا: توظيف المحاكم الدولية — سواء من السودان في قضيته ضد الإمارات أو من الأحزاب التشادية ضد الخرطوم — أصبح ورقةً دبلوماسية وإعلامية في حدّ ذاتها، بصرف النظر عن النتائج القانونية الفعلية.
والسؤال الذي يظل معلّقًا: هل يملك حزب بلا وزن قانوني حقيقي، يعاني داخليًا من أزمة قيادة موثّقة، أن يُشكّل ضغطًا جدّيًا على نظام عسكري كالذي يحكم السودان؟ الإجابة في الغالب: لا. لكن الأثر الإعلامي والسياسي لمجرّد إرسال ناشطين إلى لاهاي والتقاط الصور أمام مبنى المحكمة الجنائية الدولية — كما يظهر في الصورة المرفقة — قد يكون هو الغاية الأصلية من البداية.



