
حين تسقط الأقنعة
تحالف «صمود» وأزمة الثقة الشعبية في السودان
تحليل معمّق مدعوم بمصادر دولية ◆ أبريل 2026
مقدمة: مشهد من قلب المأساة
في مخيمات النزوح المنتشرة على أطراف مدن السودان المحاصرة، حيث يتدافع الناجون من جحيم الحرب، ثمة سؤال يتكرر بمرارة على ألسنة المشردين: «أين صمود؟». ليس سؤالاً بريئاً، بل هو إدانة صامتة لتحالف سياسي ادّعى تمثيل أصوات المدنيين السودانيين، ثم وجد نفسه في المنفى الاختياري، يعقد الاجتماعات في أديس أبابا ولندن ونيروبي، بينما يحترق الوطن.
منذ تأسيس التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» في الحادي عشر من فبراير 2025 – عقب انهيار تنسيقية «تقدم» وحلّها نفسها إثر خلافات حادة حول الحكومة الموازية – واجه التحالف بقيادة رئيس الوزراء الأسبق عبدالله حمدوك تحدياً وجودياً يتجاوز الخلافات السياسية: أزمة ثقة شعبية عميقة تبدو في ظل المعطيات الراهنة شبه مستعصية على الحل.
أولاً: مولد التحالف في لحظة انكسار
لم يولد «صمود» في ظروف مواتية، فقد جاء في أعقاب مرحلة «تقدم» التي أثارت جدلاً واسعاً بسبب ما رآه كثير من السودانيين انحيازاً ضمنياً لقوات الدعم السريع، وانتهت بانشقاق داخلي حين رفضت مكونات عدة الانجرار نحو تشكيل حكومة موازية في مناطق سيطرة المليشيا. غير أن الفصيل الذي نجا بنفسه ليشكّل «صمود» لم يستطع الهروب من ظل هذا الإرث الثقيل؛ فالشارع السوداني لا يميّز بسهولة بين مرحلة وأخرى، بل يحكم على المسيرة الكاملة.
وفق مراقبين سياسيين سودانيين، يحمل الشارع ما يمكن تسميته «ذاكرة انتقالية» تجمع في حزمة واحدة كل إخفاقات «قوى الحرية والتغيير» منذ 2019، مروراً بانقلاب أكتوبر 2021، ووصولاً إلى اتفاق أديس أبابا والحرب الكارثية التي اندلعت في أبريل 2023. وهذا يجعل أي محاولة لـ«صمود» للتقديم بوصفه قوة مدنية نظيفة تصطدم بجدار صلب من الريبة والرفض.
ثانياً: غياب الرمز وتآكل القاعدة
لعب عبدالله حمدوك دوراً محورياً في منح «صمود» شيئاً من المصداقية، إذ يحمل رصيداً تكنوقراطياً وسيرة مدنية أسبغت على التحالف قدراً من القبول الدولي، بيد أن المشكلة تكمن في أن حمدوك نفسه بات شخصية مثيرة للجدل داخل السودان؛ فهو من وقّع على الاتفاق الإطاري الذي مهّد في نظر كثيرين لأحداث أفضت لاحقاً إلى المواجهة العسكرية. ويرى منتقدون أن الرجل الذي كان «رمزاً للمدنية» تحوّل إلى عبء سياسي لا يسهل التخلص منه.
يُضاف إلى ذلك ما أشارت إليه تقارير متعددة من تراجع دور لجان المقاومة – تلك الشبكة الشعبية التي كانت العمود الفقري لثورة ديسمبر 2018 – في دعم التحالف، فقد انقسمت هذه اللجان بحدة، وترفض شريحة واسعة منها التعامل مع «صمود» بسبب مواقفه المتشابكة من ملف الدعم السريع، في حين غادر بعض الكوادر الشبابية المشهد السياسي برمّته يائساً من الأحزاب والتحالفات على حد سواء.
ثالثاً: «الحل العقلاني» وإشكالية التوقيت
حين أصدر تحالف «صمود» رؤيته السياسية في يونيو 2025 تحت عنوان «رؤية سياسية لإنهاء الحروب واستعادة الثورة وتأسيس الدولة»، وصفها بعض المحللين بأنها «مقال طويل يختلط فيه الرأي بالتحليل وخارطة الطريق». ولعل الإشكالية الأعمق تكمن في أن الوثيقة اقترحت مرحلتين انتقاليتين مدتهما عشر سنوات، وهو ما رأى فيه المنتقدون تكريساً للفوضى الانتقالية التي عانى منها السودان منذ الاستقلال.
يلفت الناقدون أيضاً إلى تناقض لافت في الوثيقة: فبينما تذكر وثيقة «صمود» المؤسسة العسكرية ثماني مرات، لا تُشير إلى قوات الدعم السريع إلا مرتين وبصورة غير مباشرة. وفي مناخ سوداني يعيش لحظة وجع وغضب جرّاء انتهاكات المليشيا، يبدو هذا الاختيار اللغوي وكأنه تجنّب متعمد لاستفزاز حليف ضمني، لا انتصار لضحايا الحرب.
رابعاً: النخبة المنفصلة ومرارة الشارع
ربما يكون العنوان الذي يجمع كل هذه الإشكاليات هو ما يردده السودانيون في الفضاء الرقمي ومخيمات النزوح على حد سواء: «الأبراج العاجية». فمعظم قيادات «صمود» تقيم في العواصم الإقليمية والغربية – أديس أبابا، القاهرة، لندن، دبي – بعيداً عن أنين الجرحى في مستشفيات أم درمان وصرخات الجائعين في أحياء الخرطوم. وهذا البُعد الجغرافي الجسدي يعكس في نظر كثيرين بُعداً معنوياً وسياسياً أعمق.
في شهر أكتوبر 2025، عقد التحالف لقاءً تشاورياً مع فريق الوساطة المكوّن من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية وهيئة إيغاد، في محاولة لاستعراض رؤيته لوقف الحرب، غير أن هذا الانخراط الدولي، بدلاً من أن يعزز مكانة التحالف شعبياً، زاد الشكوك لدى شريحة واسعة من السودانيين ترى في التدخل الدولي خطراً على السيادة الوطنية لا أداةً للإنقاذ.
خاتمة: هل ثمة طريق للعودة؟
تبقى أزمة الثقة بين «صمود» والشارع السوداني رهينة عوامل متشابكة لا يمكن فكّها بالبيانات والوثائق السياسية وحدها. الثقة، كما يقول علماء السياسة، تُبنى في المواقف الصعبة ولا تُسترد بالأوراق البيضاء، والشعب السوداني الذي يخوض تجربة الحرب القاسية يمتلك ذاكرة جمعية حادة لا تنسى من خذله في لحظات المحنة، ما لم يحدث تغيير جوهري في المواقف وليس فقط في الخطاب، فإن «صمود» مُقيَّد بهذه الأزمة إلى أجل غير مسمى.



