
عجلات الدم: من كندا إلى أبوظبي… كيف تُصنع إبادة السودان
الإبادة في السودان لم تولد من فراغ، ولم تكن نتاج صراع داخلي فقط، بل ثمرة شبكة دولية متشابكة: كندا التي سمحت لشركة "ستريت" بالإفلات من القوانين، ونظام أبوظبي الذي وفّر الأرض والموانئ والبترودولار، والغرب الذي غطّى بصره وأدار ظهره. هكذا تحوّل الحصار والجوع إلى أدوات حرب، وهكذا صارت دماء القرى سلعة في سوق السياسة والسلاح
بقلم صباح المكّي

لم يعد نزيف السودان وليد رصاص الميليشيات وحدها، بل ثمرة شبكة دولية من المال والسلاح؛ حيث تتقاطع مصانع كندية، وموانئ نظام أبوظبي، وبترودولاره في صناعة إبادة تُرتكب على مرأى العالم. من أوتاوا إلى أبوظبي وصولاً إلى الفاشر، تغذّي المدرعات الكندية الصنع دماء السودان، وفق ما يكشفه تحقيق ذا غلوب آند ميل عن خط إمداد قاتل مكّن ميليشيا الدعم السريع من الحصار والتجويع والتطهير العرقي، في سلسلة توريد تربط بترودولار نظام أبوظبي بتواطؤ غربي في الإبادة الجماعية. هذا ليس مجرد خرق للقوانين أو ثغرة في الرقابة، بل منظومة متكاملة تفضح كيف تتحول أسواق السلاح إلى جسر بين الربح والدم، بين المصانع والقبور.
الأدلة الميدانية: بصمات المدرعات الكندية في دارفور
وضعت أدلة فوتوغرافية ومرئية جديدة مدرعات “سبارتان” الكندية الصنع في أيدي ميليشيا الدعم السريع، الجنجويد سيئي الصيت في السودان. ويكشف التحقيق الأخير للصحفي جيفري يورك في صحيفة ذا غلوب آند ميل، والمنشور بتاريخ 26 أغسطس 2025، أن هذه المدرعات، المنتَجة من قبل شركة “ستريت جروب” الكندية المملوكة لمستثمرين كنديين والتي يقع مصنعها الرئيسي في الإمارات العربية المتحدة، تعمل الآن في دارفور وكردفان.
لم تكن تلك المدرعات مركونة في مخازن أو معروضة في استعراضات. لقد استُخدمت خلال الحصار الذي فرضته قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر طوال عام كامل، وهو حصار جَوّع المدنيين، دمّر المستشفيات، وأودى بحياة الآلاف عبر المجاعة والقصف وضربات الطائرات المسيّرة. مقاطع فيديو نشرها مقاتلو ميليشيا الدعم السريع بأنفسهم على وسائل التواصل الاجتماعي أظهرت المدرعات في الميدان، وأكّد خبراء أسلحة مستقلون بصمتها المميزة من خلال النوافذ والشكل الجانبي لها.
ستريت جروب: الشركة التي تحوّل الحديد إلى دم
تأسست شركة ستريت جروب في كندا عام 1992، وتطورت لتصبح واحدة من أكبر مصنّعي العربات المدرعة في العالم. وفي عام 2012، نقلت عملياتها الرئيسية إلى الإمارات، لتتموضع في واحد من أكثر مراكز إمداد السلاح عدوانية في العالم. وقد تمّ مراراً تحديد نظام أبوظبي كأكبر مموّل ومزوّد للأسلحة لميليشيا الدعم السريع.

لطالما روّجت الشركة لمركباتها على أنها منصات “دفاعية”، غير مسلحة إلا إذا أضيفت إليها الأسلحة لاحقاً. غير أن المشاهد الواردة من السودان تترك مجالاً ضيقاً للمراوغة؛ إذ تظهر مدرعات “سبارتان” وهي مزودة برشاشات ثقيلة مثبتة وتعمل بشكل مباشر في عمليات ميليشيا الدعم السريع.
هذه الجدل ليس جديداً. ففي عام 2010، حصلت صحيفة ذا غلوب آند ميل على تصاريح التصدير الإماراتية التي أظهرت شحن 30 شاحنة مدرعة من طراز “تايفون” إلى السودان، رغم العقوبات الكندية التي تحظر على مواطنيها تصدير “معدات عسكرية وشبه عسكرية” إلى البلاد. رفضت الشركة التعليق على تلك الصفقة، بينما واصلت الإصرار على أن مركباتها “غير عسكرية”.
وتكرر النمط ذاته. ففي عام 2012، اتهم فريق خبراء الأمم المتحدة الشركة بانتهاك حظر السلاح المفروض على ليبيا من خلال مبيعات غير مصرّح بها. وفي عام 2015، غرّم المنظمون الأميركيون فروع الشركة بمبلغ 3.5 مليون دولار أميركي، ودفع مؤسسها غيرمان غوتوروف شخصياً 250 ألف دولار أميركي بسبب صادرات غير مرخصة إلى فنزويلا ونيجيريا والعراق وأفغانستان. وفي عام 2016، أفادت ذا غلوب أن “ستريت جروب ” باعت أكثر من 170 عربة مدرعة إلى جنوب السودان، استُخدم الكثير منها لاحقاً في حربه الأهلية الوحشية.
إنها ليست شركة وقعت في الخطأ مصادفة، بل شركة موثّقة مراراً وهي تصدّر إلى مناطق حرب خاضعة للحظر. ووجودها في السودان اليوم ليس سوى فصل جديد في تاريخ طويل من المتاجرة بالحروب.
الثغرات القانونية: حين يتحول “التسوق القضائي” إلى تجارة موت
هنا يكمن جوهر الجريمة الدولية: كيف يمكن لشركة مملوكة لكنديين أن تتورط بهذا العمق في إبادة جماعية دون أن تتحمل كندا نفسها المسؤولية؟
الجواب يكمن في الثغرات القانونية. فقد اعترفت أوتاوا منذ عام 2010 بأن لوائحها لا تنطبق إلا على الصادرات المنطلقة من داخل كندا، لا من المصانع الخارجية. ومن خلال بناء مصنعها في الإمارات، تمكنت ” ستريت جروب ” من الإفلات من الرقابة الكندية بينما واصلت جني الأرباح من النزاعات.
هذه الممارسة، التي أطلق عليها الباحث الكندي في شؤون التسليح كِلسي غالاغر وصف “التسوق القضائي”، تتيح للشركات إنشاء عمليات خارجية خصيصاً لتفادي التدقيق.
ومع ذلك، فإن انضمام كندا عام 2019 إلى معاهدة تجارة الأسلحة يُلزم مواطنيها بالحصول على تصاريح وساطة لترتيب صادرات عسكرية بين دول أجنبية. وتؤكد وزارة الخارجية الكندية أنها لم تصدر أي تصاريح من هذا النوع للسودان. لكن إذا ثبت أن مركبات “ستريت” وُسِّطت أو صُدِّرت إلى السودان، فإن القانون الكندي يُلزم أوتاوا بمقاضاة غوتوروف، بغض النظر عن مكان تصنيع المركبات. لكن الصمت في تطبيق القانون، إلى جانب سنوات من المبيعات الموثقة، يترك السؤال مفتوحاً: هل لدى كندا الإرادة لتطبيق قوانينها حين تكون النتيجة إبادة جماعية في الخارج؟
من الثغرات إلى الفظائع: من الفراغ القانوني إلى الإبادة
لا يمكن التعامل مع وجود هذه المركبات في السودان باعتباره مجرد خرق تقني للقوانين. إنها أدوات جريمة. فقد اتُّهمت ميليشيا الدعم السريع بتنفيذ تطهير عرقي في دارفور، وقتل الرجال والفتيان — بمن فيهم الرضّع — على أساس عرقي، مع اغتصاب النساء والفتيات بشكل منهجي. وفي يناير 2025، أعلنت الحكومة الأميركية رسمياً أن المجازر في السودان تُعد إبادة جماعية.
في هذا السياق، ليست مركبات “ستريت” محايدة. إنها ممكنات وأدوات للقتل. فهي توفّر للمليشيات القدرة على الحركة، والحماية من النيران المضادة، ومنصات لتركيب الأسلحة الثقيلة. كل مركبة “سبارتان” أو “تايفون” تصل إلى أيدي الدعم السريع تُضاعف قدرة المليشيا على تطويق المجتمعات، إرهابها، وتجويعها حتى الخضوع.
مسؤولية مزدوجة: نظام أبوظبي الممول وكندا المتواطئة
تكشف قضية “ستريت” عن طبقتين من المسؤولية:
- الإمارات هي المركز المادي: تستضيف المصنع الرئيسي لـ” ستريت جروب “، وتوفر البنية اللوجستية، وتعمل كالممول والمزوّد الأول لميليشيا الدعم السريع. فهي ليست مجرد ساحة محايدة، بل مهندس للحرب.
- كندا من جهتها تتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية، بصفتها بلد تسجيل الشركة وموطن جنسية مؤسسها. إن سماحها باستمرار “التسوق القضائي” لأكثر من عقد قوّض نظامها للرقابة على السلاح، وسمح ضمناً لمواطنيها بالربح من الفظائع.

إن هذه المسؤولية المزدوجة أمر حاسم. فإبادة السودان ليست نتاج انهيار داخلي فقط، بل حرب بالوكالة، تغذيها وتمكّنها سلاسل إمداد عالمية تدمج بين البترودولار لنظام أبو ظبي والشركات المرتبطة بالغرب.
تحذير للقانون الدولي: إذا صمتت كندا، فمن يحاسب؟
تكشف قضية ” ستريت جروب ” قصور أنظمة ضبط السلاح في صناعة دفاعية معولمة. فمراكز الإنتاج يمكن نقلها عبر الحدود، لكن الملكية والأرباح والمسؤولية تظل مرتبطة بالهويات الوطنية.
إذا فشلت كندا في اتخاذ إجراء، فإنها تبعث برسالة إلى كل رجل أعمال في قطاع الدفاع بأن مجرد الانتقال إلى ولاية قضائية متساهلة يكفي لغسل الأيدي من الدماء. لهذا السبب يؤكد خبراء القانون أن على كندا مقاضاة غوتوروف إذا ثبتت وساطته في الصادرات إلى السودان. ليس فقط للوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات، بل لترسيخ سابقة قانونية: لا يمكن أن تكون الجنسية الكندية درعاً يحمي من التواطؤ في الإبادة الجماعية.
الحقيقة المرة: السودان بين دم القرى وصمت العالم
يعيش السودان اليوم حصاراً خانقاً ومجاعة مصطنعة في بعض أجزائه، خصوصاً في الفاشر حيث تفرض مليشيا الدعم السريع حصاراً يمنع وصول أي مساعدات إلى السكان، في ظل مجازر جماعية مستمرة. إن حملات مليشيا الدعم السريع في دارفور وكردفان تعيد إنتاج أحلك فصول التاريخ الحديث. وظهور المدرعات الكندية الصنع، المبنية في مصانع نظام أبوظبي، وسط هذه المجازر ليس تفصيلاً تقنياً في خطوط الإنتاج، بل وصمة عار لا تُمحى.
إن الأدلة على تورّط نظام أبوظبي في هذه الحرب دامغة. فدوره لم يعد سراً؛ فقد وثّقه فريق خبراء الأمم المتحدة، وأكدته تحقيقات مستقلة، ونشرته وسائل إعلام دولية مرموقة. بصمات النظام واضحة في إمداد السلاح واللوجستيات والتمويل التي تغذي آلة حرب الدعم السريع. ما يواجهه العالم اليوم ليس جهلاً بل ما يواجهه العالم اليوم ليس جهلاً، بل منح حصانة زائفة، وتفويضاً بالجريمة، وصكّ إفلات من العقاب.
إن نظام أبوظبي ليس متفرجاً، بل مهندس دمار، يستخدم البترودولار لتوسيع نفوذه إلى ما هو أبعد بكثير من حجمه. والسؤال هو: أين سيرسم العالم الخط الفاصل؟ فبدولة لم يتجاوز عمرها خمسين عاماً، وبعدد سكان أقل من كثير من المدن، يتضح أنها وُجِدَت وأُنشِئَت لتكون دولةً وظيفيّة، وتكون فقط قفّازًا في يد مخلبٍ أكبر، تشتري البقاء والنفوذ بالبترودولار بينما تنفذ مشاريع تفوق قدرة أسسها الهشة على الاحتمال. وقد برهنت على ذلك بسجل طويل من مشاريع الفساد وزعزعة الاستقرار، إذ زجّت بنفسها في كل كارثة إقليمية تقريباً: سوريا، اليمن، ليبيا، المغرب، الجزائر، الصومال، السودان، ومصر. واليوم تمد يدها إلى إفريقيا أيضاً. إن تمكن مثل هذه الدويلة من تمويل الفظائع في السودان، وخصوصاً دارفور، مع الحفاظ على صورة دولية مصقولة، هو الدليل على مدى رخص ثمن العدالة العالمية.
هذه ليست مأساة السودان وحده، بل عرضٌ لمرض عالمي هو التسامح مع إفلات البترودولار من العقاب. يجب تسمية نظام أبوظبي بما هو عليه: خزينة الميليشيات وراعٍ للحروب بالوكالة. كما يجب على كندا أن تواجه تواطؤها وتغلق الثغرات التي تسمح لمواطنيها بالربح من الفظائع. وعلى المجتمع الدولي أن يقرر: هل سيواصل إدارة ظهره بينما إمارة صحراوية هشّة، تقف على ساقَي دجاجة، وتصدّر الدمار عبر القارات، أم يعترف بجبنه؟ إن الصمت في وجه الإبادة ليس حياداً، بل تفويض. والشعارات الفارغة عن العدالة والديمقراطية يجب أن تنتهي.
كل مركبة من ” ستريت جروب ” تجوب قرية سودانية تحت سيطرة الدعم السريع لا تحمل مقاتلين فقط، بل تحمل أيضاً ثِقَل الخيانة. فهي رمز لعالم رأى الأدلة، وسمع التحذيرات، لكنه ما زال يفضّل الإفلات من العقاب على العدالة.
لقد رسّخ نظام أبوظبي اليوم نفسه مركزاً عالمياً للحروب بالوكالة وتجارة المرتزقة. لكنه ليس قائداً بل تابعاً، وقد اختار أن يكون تابعاً ذليلاً، ويحمل بجدارة لقب شيطان العرب. ولكن، إن كيد الشيطان كان ضعيفاً، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. والتاريخ يثبت أن ساعة الحساب حين تحين، فإن الأتباع المطيعين هم أول من يُسحق. إنها مسألة وقت لا أكثر.
السودان: مرآة للنظام الدولي
إن السودان ليس ساحة اختبار لمصير شعب واحد، بل مرآة لمستقبل نظام دولي يقبل أن تُشترى العدالة بالبترودولار، ويُدار الإفلات من العقاب كسلعة في سوق السياسة. كل مركبة مدرعة تجوب قرى دارفور اليوم تحمل وصمة على جبين العالم: وصمة التواطؤ، وصمة الصمت، وصمة الخيانة. وإذا كان نظام أبوظبي قد رسّخ نفسه خزينةً للميليشيات ومختبراً للحروب بالوكالة، فإن التاريخ لا يرحم التابعين؛ فحين تأتي ساعة الحساب، يسقطون أولاً، وتنهار أوهام القوة على رؤوس صانعيها. وما ذلك ببعيد.
عن الكاتبة
صباح المكّي كاتبة سودانية وتشغل منصب نائب رئيس التحرير في براون لاند نيوز. تتناول أعمالها قضايا الجيوسياسة والعنف السياسي والقانون الدولي والمقاومة الثقافية والوعي الاجتماعي، من منظور يرتكز على الحقائق المتغيرة في السودان.
تسعى صباح إلى كسر الروايات السائدة عبر إعادة تموضع صوت المواطن السوداني ـ داخل الوطن وفي المهجر ـ ذلك الصوت الذي يُستبعد غالباً من الخطاب العالمي. وتطرح كتاباتها أسئلة جريئة حول معنى الحرب والسلام والعدالة، مؤكّدة أن التغيير الحقيقي يبدأ من هدم البُنى الاستعمارية المتجذّرة.
تنظر صباح إلى الصحافة كفعل مقاومة ثقافية وفكرية وفلسفية، تواجه من خلاله البُنى التي تغذّي الصراع وتصادر الأصوات. تكتب من قلب العاصفة.
حصرياً في براون لاند نيوز
حيث السيادة ليست محل مساومة، والحقيقة عصيّة على التزييف.
أرضنا. صوتنا. أخبارنا.



