
مرايا الحرب: كيف تغيّر ميزان القوة الإعلامية في السودان؟
لم تعد الحرب معركة في الميدان وحده، بل ساحة سرديات تتقاطع فيها الحقيقة والدعاية، والتاريخ والخيال. من "ساحات الفداء" في تسعينات القرن الماضي إلى "حرب الكرامة" بعد 2023، تحوّل الإعلام من ناقل للحدث إلى قوة تصوغ الوعي الجمعي وتعيد تعريف علاقة المجتمع بالحرب. وبينما نجح داخليًا في تعبئة الجبهة الوطنية، ظل الإعلام الخارجي الحلقة الأضعف، تاركًا فراغًا ملأه الخصوم برواياتهم. فهل آن الأوان لصوت وطني محترف يخاطب العالم بلغته ويعيد للسودان روايته؟
بقلم : محمد سعد كامل

مقدمة: مرايا الحرب
رجل نائم يحلم، وفي الحلم يرى نفسه يحلم، حتى تضيع الحدود بين النوم واليقظة. وعند إدغار آلن بو يقف رجل أمام مرآته، يمدّ يده لمصافحة صورته، فإذا بالصورة تشدّه إلى الداخل وتبتلعه.
الكتابة عن الحرب اليوم تشبه هذا المشهد: طبقات من الواقع والرمز تختلط فيها الصور بالحقائق، والأحداث تبتلع الكتّاب والمتلقين معًا. حجم الحدث وصدقه المصوَّر جعلا الحرب معركة في السردية بقدر ما هي في الميدان، لكن في زمن الفبركة الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي لم تعد الصورة دائمًا مرآة للحقيقة، بل قد تصبح أداة لتزييفها وصناعة روايات بديلة.
هكذا يتحوّل الإعلام الحربي إلى مرآة مضطربة: يبدأ كأداة نقل، لكنه سرعان ما يصبح قوة تصوغ الوعي الجمعي والمعنى. وقد خبر السودان هذا مبكرًا مع ” في ساحات الفداء“، حين كان يحشد الجبهة الداخلية كما وصف إسحق أحمد فضل الله: حماية الداخل من الشائعات، مواجهة الحرب النفسية، وتعبئة المجتمع خلف القوات المسلحة.
“ساحات الفداء”: الإعلام كسلاح في التسعينات
في تسعينات القرن الماضي، برز برنامج” في ساحات الفداء” كأحد أبرز أدوات الإعلام الحربي في السودان. لم يكن مجرد مادة تلفزيونية، بل أُعتبر بمثابة “تشوين معنوي” يعادل السلاح والذخيرة والتجنيد.
- أهدافه: رفع الروح المعنوية، تقديم الحرب باعتبارها مشروعًا حضاريًا ودينيًا، وتحشيد الجبهة الداخلية خلف القوات المسلحة.
- أثره: حتى الخصم المباشر للحكومة آنذاك، الحركة الشعبية لتحرير السودان، أقرّ بتأثير البرنامج واضطر إلى إنتاج حملات دعائية مضادة لمواجهته.
- بيئته: في غياب الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، كان التلفاز والإذاعة هما المصدران الأساسيان للمعلومات، وهو ما منح البرنامج سيطرة شبه مطلقة على الرأي العام.
كان السودانيون يفرغون الشوارع مساء الاثنين لمتابعة البرنامج، الذي قدّم الحرب بلغة أسطورية ورمزية، ممزوجة بالصور الدينية والوطنية. لقد خلق بذلك فضاءً وجدانيًا يصعب الخروج منه، وأعاد تعريف العلاقة بين المجتمع والحرب.
حرب أبريل 2023: “حرب الكرامة“ بلا أسوار
لكن المشهد تبدّل جذريًا في أبريل/نيسان 2023، حين استيقظ السودانيون على أصوات الرصاص والمدافع في كل مكان. كانت حربًا شعواء بين الجيش ومليشيا الدعم السريع، قضت على مؤسسات الدولة وأصابت الإعلام نفسه في مقتل.
- الانهيار الأولي: انقطعت الكهرباء والإنترنت، وتوقّف البث التلفزيوني، وتعرّضت مقار إعلامية للتدمير.
- محاولات الاستعادة: لاحقًا بدأ تلفزيون السودان يعود عبر البث الفضائي، وظهرت صحف إلكترونية ومنصات رقمية لإسناد الجيش.
- التحدي الأكبر: انفجار وسائل التواصل الاجتماعي جعل الساحة الإعلامية مفتوحة، بحيث لم يعد الصوت الرسمي وحده قادرًا على احتكار الرواية. صارت المنصات الرقمية، من تويتر إلى تيك توك، ساحات حرب موازية لا تقل ضراوة عن ساحات القتال.
من “ساحات الفداء” إلى “حرب الكرامة“: كيف تغيّر ميزان القوة الإعلامية؟
تكشف المقارنة بين التجربتين حجم التحول الجذري في بنية الإعلام الحربي السوداني.
- في التسعينات: كان غياب البدائل الإعلامية (كالإنترنت ووسائل التواصل) يمنح الإعلام الرسمي سيطرة شبه مطلقة على الرأي العام. برنامج في ساحات الفداء لم يكن مجرد مادة تلفزيونية، بل كان الصوت الوحيد تقريبًا الذي يوجّه الوعي الجمعي، ويملأ الفراغ الإعلامي الداخلي والخارجي.
- في 2023: تغير المشهد تمامًا. انفتحت الساحة على وسائط جديدة: الإنترنت، البث الفضائي، ثم وسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت آلاف الأصوات الفردية والجماعية. لم يعد الإعلام الرسمي يحتكر الرواية، بل وجد نفسه في معركة مفتوحة مع منافسين محليين ودوليين.
هذا التغيير لم يُضعف الإعلام الحربي، بل زاد من أهميته. فإذا كان ” في ساحات الفداء” قادرًا على تعبئة السودانيين عبر وسيط واحد هو التلفاز، فإن إعلام حرب الكرامة يواجه تحديًا أعقد: إدارة روايات متعددة ومتضاربة تنتشر بسرعة البرق، عبر قنوات يصعب ضبطها أو التحكم بها.
الإعلام كسلاح استراتيجي
لم يعد الإعلام الحربي ترفًا ولا مجرد أداة لرفع المعنويات، بل غدا جزءًا من الاستراتيجية الشاملة للحرب:
- على المستوى الداخلي: يعبّئ المجتمع المدني، يرسّخ الانتماء الوطني، يرفع الروح المعنوية للمقاتلين، ويحصّن الجبهة الداخلية من الشائعات التي قد تنال من الثقة العامة. هنا يصبح الإعلام خط دفاع معنوي موازٍ للجبهات العسكرية.
- على المستوى الخارجي: يقدّم رواية الدولة للعالم، يواجه الحملات الدعائية المضادة، ويؤثر في صانعي القرار الدولي. فالحرب لم تعد شأنًا محليًا؛ بل حدثًا مراقبًا من العواصم، تتسابق على تفسيره وتوظيفه.
أهداف الإعلام الحربي وتحدياته
لتحقيق أهدافه، يحتاج الإعلام الحربي إلى تخطيط يستند إلى محورين رئيسيين:
١. المحور الداخلي:
- تعبئة المجتمع المدني وتهيئته لمواجهة الحرب.
- تعزيز الثقة بالقوات المسلحة وإبراز تضحياتها.
- رفع الروح المعنوية، وتأهيل المقاتلين، والمواطنين نفسيًا، وروحيًا.
- محاربة الشائعات بسرعة وشفافية عبر تدفق المعلومات الدقيقة قبل أن تصل من مصادر أخرى.
- غرس الانضباط وتحفيز الإنتاج وربط كل فرد بدوره في المعركة.
- الدفع بحملات التوعية القومية والدينية والثقافية إلى الجبهات لترسيخ العقيدة القتالية وتعزيز الانتماء الوطني.
٢. المحور الخارجي:
- مخاطبة الرأي العام العالمي بوسائل احترافية ولغات متعددة.
- تقديم رواية السودان في المحافل الدولية لمواجهة الحملات الدعائية المناوئة.
- بناء صورة إيجابية للدولة وإبراز عدالة قضيتها وأهدافها القومية.
ورغم النجاح النسبي داخليًا، ظل الإعلام الموجّه للخارج الحلقة الأضعف، وهو ما أتاح للخصوم ملء الفراغ بروايات مناوئة.
الإعلام الخارجي.. الغائب الأكبر
يمثل الإعلام الموجه للخارج الحلقة الأضعف في التجربة السودانية للإعلام الحربي. فبرغم نجاحه داخليًا في رفع المعنويات وتحصين الجبهة الداخلية، بقي صوته في الخارج خافتًا، وأحيانًا غائبًا كليًا، نتيجة إهمال رسمي متراكم لم يتعامل معه كأداة استراتيجية لبناء صورة السودان عالميًا، بل عومل غالبًا كأمر ثانوي.
هذا الفراغ ترك الباب مفتوحًا أمام خصوم السودان لترويج روايات مناوئة، تُقدّم الحرب في قالب مبسّط باعتبارها “صراع جنرالات” أو “حربًا أهلية”، متجاهلة أبعادها الإقليمية والدولية، ودور قوى خارجية في إذكاء الصراع. وبذلك أصبح الرأي العام العالمي أقرب إلى سرديات الخصوم، بينما الرواية الوطنية مغيبة أو مشوّهة.
الإعلام الخارجي ليس ترفًا دعائيًا، بل ضرورة استراتيجية؛ فهو يعكس هوية الدولة، ويعزّز حضورها الدولي، ويصحّح الصور المغلوطة، كما يبرز المنجزات والمشروعات الكبرى ويعيد بناء الثقة بين السودان والمجتمعات الدولية، بما ينعكس على المواقف السياسية والاقتصادية.
اليوم، وبعد أكثر من عامين على اندلاع الحرب، تبدو الحاجة ملحة إلى إعلام خارجي سوداني محترف يوازي في أهميته الإعلام الداخلي؛ إعلام يستثمر في اللغات الأجنبية، يستند إلى مراكز بحثية ومؤسسات متخصصة، ويخاطب كبريات وسائل الإعلام العالمية بلغة يفهمها العالم. دون ذلك، سيبقى السودان متلقيًا لسرديات الآخرين بدلاً من أن يكون صاحب رواية مؤثرة تُعبّر عنه وتدافع عن قضيته.
خاتمة: من المرايا إلى المبادرة
الإعلام الحربي في السودان هو مرآة الأمة؛ قد يعكس قوتها أو يبتلعها إذا لم يُدار بوعي. وتجربة ساحات الفداء حتى حرب الكرامة تكشف أن زمن السيطرة المنفردة انتهى، وأن معركة السردية تحتاج اليوم إلى أدوات جديدة: مهنية وشفافية ولغات متعددة.
التحدي لم يعد في ترديد ما يحدث في الميدان، بل في صناعة رواية وطنية قادرة على مواجهة الدعاية المضادة، وتقديم السودان كما يراه أبناؤه، لا كما يفرضه الآخرون.
نُشر هذا المقال لأول مرة على موقع الجزيرة نت: [رابط المقال]
عن الكاتب
محمد سعد كامل صحفي سوداني، ورئيس تحرير براون لاند نيوز، ومنتج تلفزيوني مخضرم يمتد عطاؤه لأكثر من ثلاثة عقود عبر أكثر من خمسٍ وعشرين شبكة دولية. مسيرته المهنية عبرت ميادين الحرب، وتقلبات السياسة، وجبهات الثقافة، موثقًا تاريخ السودان بإتقانٍ مهني صارم وبحرفية عالية والتزام راسخ بالحقيقة.
من الـ CNN والـ BBC إلى الجزيرة ورويترز، حمل محمد صوت السودان إلى العالم، متحديًا التحريف ومُعلياً أصواتًا طالما جرى تغييبها ومحوها من السرديات الدولية. صحافته تكشف عنف السياسة، وتدافع عن الحقوق الأصيلة، وتحفظ الذاكرة التاريخية للسودان.
لا يرى محمد الإعلام مجرد مراقب محايد، بل قوة فاعلة لمواجهة الإفلات من العقاب، ومقاومة التحريف والمحو، وصون كرامة أولئك الأكثر عرضة للخطر، كاتبًا من خطوط المواجهة في معركة وطن من أجل العدالة والسيادة.
حصرياً في براون لاند نيوز
حيث السيادة ليست محل مساومة، والحقيقة عصيّة على التزييف.
أرضنا. صوتنا. أخبارنا.



