براون لاند – عربيمقالات

الإعلام في زمن الحرب: كيف تُدير الدول المعلومة بين الرقابة والسيادة (٢)

في زمنٍ أصبحت فيه المعلومة سلاحًا لا يقل فتكًا عن الرصاصة، يقدّم هذا المقال تناولًا للتحديات الراهنة في الفضاء الإعلامي وخطوات التصويب لبناء سيادة إعلامية سودانية تُوازي الصمود العسكري. من الرقابة العسكرية إلى الأمن الوطني ووزارة الإعلام، نحاول رسم ملامح منظومةٍ متكاملة تُحوِّل الإعلام إلى جبهة دفاع عن الوطن، وتُعيد للكلمة دورها كسلاحٍ يحمي الحقيقة ويصون الوعي الجمعي في معركة الكرامة والوجود والسيادة.

الدروس المستفادة للسودان وبناء الإطار الوطني للسيادة الإعلامية وتعزيز الجبهة الداخلية وحماية الأمن الوطني

بقلم صباح المكّي

خَلَصَ الجزء الأول إلى نتيجةٍ واحدةٍ لا تقبل التهوين: المعلومات في زمن الحرب سلاحٌ استراتيجي لا يقلُّ فاعليةً عن الرصاصة أو الدبابة. من إسرائيل وروسيا وأوكرانيا إلى قطر ونظام أبوظبي، برهنت التجارب الدولية أن من يضبط السردية ويؤمّن تدفق المعلومة يحرز نصف النصر. لم تكن السيطرة على المعلومة ترفًا فكريًا أو رغبةً إعلامية فقط، بل ركيزةٌ من ركائز الأمن القومي، وشرطٌ أساسي لحماية الجبهة الداخلية وصون الروح الوطنية.
السودان اليوم يقف على مفترقٍ مماثل: حربُه ليست فقط حربَ سلاحٍ في الميدان، بل حربُ وعيٍ في الفضاء الرقمي وداخل المجتمعات. الحملات المموَّلة، والشائعات المدسوسة، ومحاولات تشويه صورة الجيش ووحدته الوطنية تشكّل جبهةً فعليةً تُستنزف فيها الثقة الوطنية. لذلك لا يكفي التصدي الميداني وحده؛ نحتاج إلى منظومة إعلامية متماسكة تُدير المواجهة الاتصالية بنفس حزم وتخطيط العمليات العسكرية.
ينطلق هذا الجزء الثاني كمحاولة لرسم آليات تنفيذية وخريطة طريق عملية: تحويل وزارة الإعلام إلى قيادة عملياتية زمن الحرب، وإرساء تكامل واضح بين الرقابة العسكرية وجهاز الأمن الوطني والإعلام الرسمي، مع تعبئة شبابية رقمية وتشكيل وجود رقمي وطني مضاد. نهدف إلى ترسيخ مبادئ واضحة: قيادة مركزية واستجابة لامركزية، سرعة ووضوح في الرسائل، احترافية وتوثيق قانوني لكل إجراء، ومساءلة شفافة تحمي الحقوق وتحصّن الوطن.

ولكن في البدء، لا بد من إبراز الأطر العامة لوزارة الإعلام.

وزارة الإعلام ليست جهازًا ناطقًا باسم الدولة أو الحكومة فحسب، بل هي مؤسسة سيادية تنظيمية تُعنى بتخطيط السياسة الإعلامية العامة، وضمان انضباط الرسائل الوطنية، وتنمية البيئة الاتصالية التي تعكس هوية الدولة وتحمي وعي المجتمع. وتتمثّل واجباتها الأساسية فيما يلي:
١. وضع السياسة الإعلامية الوطنية: إعداد الأطر العامة التي تنظّم الخطاب الإعلامي الرسمي والخاص بما يتوافق مع مبادئ الدستور ومتطلبات الأمن القومي.
٢. تنظيم البيئة الاتصالية والإعلامية: إصدار القوانين واللوائح المنظمة لعمل وسائل الإعلام، ومنح التراخيص، ومراقبة التزام المؤسسات الإعلامية بالمعايير المهنية والأخلاقية.
٣. تعزيز السيادة الإعلامية والمعلوماتية: وضع الخطط التي تضمن حماية المعلومة الوطنية من الاختراق والتضليل، وتطوير آليات الاستجابة الإعلامية للأزمات.
٤. إدارة الاتصال الحكومي الاستراتيجي: توحيد الرسائل الصادرة عن مؤسسات الدولة ضمن إطار وطني منسّق يعبّر عن السياسات العامة لا عن الآراء الفردية للمسؤولين.
٥. الإشراف على الإعلام الوطني العام: توجيه أداء الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء الرسمية «سونا» بما يحقق التوازن بين حق المواطن في المعرفة ومتطلبات الأمن الوطني.
٦. بناء القدرات الإعلامية الوطنية: تصميم برامج تدريب وتأهيل للإعلاميين والمتحدثين الرسميين وفق المعايير الوطنية في النزاهة والمصداقية وأمن المعلومات.
٧. إدارة الشراكات الإعلامية والدبلوماسية الاتصالية: التنسيق مع وزارتي الخارجية والثقافة لتوضيح الصورة الوطنية في الخارج، والتعاون مع وسائل الإعلام الدولية ضمن مبدأ المعاملة بالمثل.
٨. قيادة حملات التوعية الوطنية: توظيف الإعلام في خدمة القضايا المجتمعية مثل مكافحة الشائعات، وتعزيز الوحدة الوطنية، ودعم القيم الثقافية والأخلاقية المشتركة.
٩. دعم حرية الإعلام المسؤولة: حماية حق الصحفيين في الوصول إلى المعلومات ضمن ضوابط المصلحة العامة، وضمان ممارسة مهنية منضبطة تحترم القوانين والسيادة.

وفي ظلّ تقليص عدد الوزارات، تتطلع وزارة الإعلام إلى دورٍ أكبر في إدارة الفضاء الإعلامي، مقروءًا ومسموعًا ومرئيًا. ومن هذا المنطلق، تأتي الآليات الآتية.

أولًا :الرقابة العسكرية والأمن الوطني: جناحان لحماية السيادة الإعلامية

في ظلّ الحرب التي يخوضها السودان، لم يعد الحديث عن الإعلام ترفًا تنظيريًا أو شأنًا إداريًا، بل أصبح ضرورةً سياديةً لحماية الوعي الوطني وصون الجبهة الداخلية. تُظهر تجارب الحروب أن المعلومة قد تقتل مثل السلاح، وأن من يملك سردية الحرب يملك نصف النصر. وفي ظلّ واقع الحرب الراهن الذي يتعرّض فيه السودان لهجماتٍ ميدانيةٍ وإعلاميةٍ متزامنة، يحتاج الوطن إلى انضباطٍ إعلامي، وعدالةٍ قانونية، واستراتيجية وعيٍ وطنيةٍ مضادة تُفشل الحملات المموّلة من الخارج، وتعيد للإعلام دوره الطبيعي كسلاحٍ للدفاع عن السيادة لا كمنبرٍ للاختراق.
هكذا فقط يمكن للدولة أن تستعيد زمام الوعي، وتحوّل الكلمة من قذيفةٍ تُطلق ضدها إلى درعٍ يحميها.
وفي زمنٍ تُدار فيه الحروب بالسلاح والمعلومة معًا، يصبح التكامل بين الرقابة العسكرية والأمن الوطني حجر الزاوية في حماية السيادة الإعلامية. فالرقابة العسكرية تنظّم المعلومة الميدانية وتمنع تسريب ما قد يضرّ بالقوات أو المعنويات، بينما يضطلع الأمن الوطني برصد الحملات المموّلة، ومواجهة الشائعات، وتعقّب أدوات الاختراق الإعلامي التي تستهدف الجبهة الداخلية. فالميدان العسكري يحمي الأرض، والميدان الإعلامي يحمي الحقيقة، أما الأمن الوطني فيحمي الوعي من الاختراق والدعاية المعادية.

١. الرقابة العسكرية: حماية الميدان والمعلومة
الرقابة العسكرية ليست ابتكارًا سودانيًا، بل ممارسةٌ راسخة في جميع الدول زمن الحرب. فكما رأينا في إسرائيل وروسيا وأوكرانيا، تتولى هذه الرقابة ضبط المعلومات المتعلقة بالجيش والتحركات الميدانية والخسائر والمعدات، وتمنع نشر أي تفاصيل قد تُستخدم استخباراتيًا أو تؤثر على معنويات الجبهة الداخلية.
في السودان، تشمل مهمة الرقابة العسكرية على:
• مراجعة المواد الصحفية والبصرية ذات الصلة بالعمليات العسكرية قبل النشر.
• منع تصوير أو بثّ مواقع القوات والتحركات إلا بإذن رسمي.
• مراقبة المراسلين المحليين والأجانب في مناطق العمليات.
• حظر نشر الشائعات العسكرية أو بيانات العدو تحت طائلة القانون.
وبهذا المعنى، فإن الرقابة العسكرية ليست عداءً للصحافة، بل درعًا سياديًا للمعلومة الميدانية في وجه الاستغلال المعادي.

٢. رقابة الأمن الوطني: مواجهة الاختراق والدعاية الداخلية
في موازاة الميدان العسكري، هناك جبهةٌ أخرى لا تقلّ خطرًا، وهي جبهة الوعي الداخلي، حيث تُستخدم المنصات الرقمية ووسائل الإعلام المحلية لترويج الدعاية الممولة، والشائعات، والتشكيك، والفرقة.
هنا يتدخل جهاز الأمن الوطني بوصفه الحارس الأول للجبهة الداخلية، ومسؤولًا عن رصد ومكافحة الاختراقات الإعلامية الناعمة التي تُدار من الخارج عبر وكلاء محليين أو حسابات تموّلها جهات معادية.
تشمل مهامه:
• رصد المحتوى المضلل على وسائل التواصل الاجتماعي وتحليل الحملات التي تثير الكراهية أو الشكوك أو الإحباط.
• تتبع المموّلين والمحرّضين المحليين الذين يعملون كوكلاء لجهات خارجية أو يسعون لمصالح ضيقة على حساب الوطن.
• إغلاق الصفحات والمنصات التي تنشر دعاية معادية أو معلومات كاذبة تمسّ الأمن القومي.
• التحقيق مع الإعلاميين أو الكتّاب الذين يثبت تواصلهم مع جهات أو قنوات أجنبية دون ترخيص رسمي.
• تقديم إنذارات رسمية للوسائل أو الأفراد المخالفين مع مهلة لتصحيح الوضع قبل الإحالة للقضاء.
تُمارس هذه الرقابة بضوابط قانونية ومهنية واضحة بالتنسيق مع وزارة الإعلام، لضمان الانضباط دون تكميم الأفواه. فهدفها ليس إسكات الرأي الحر، بل تحصين المجتمع من الحروب النفسية والدعاية التحريضية التي تهدف إلى إضعاف الجبهة الوطنية.

٣. التنسيق المؤسسي
لتحقيق التكامل، يجب أن تعمل القيادة العسكرية وجهاز الأمن الوطني ووزارة الإعلام ضمن غرفة عمليات إعلامية موحدة، بحيث:
• تتولى الرقابة العسكرية المعلومات الميدانية والأمنية.
• يتولى الأمن الوطني مواجهة الدعاية والتضليل الداخلي ورصد الاختراقات.
• تشرف وزارة الإعلام على التنسيق العام، والتصاريح، والردود الرسمية.
بهذا الترتيب، تتكامل الأدوار: الجيش يحمي الميدان، والأمن يحمي الوعي، والإعلام يقود الخطاب الوطني.

ثانيًا: نحو إطار تنظيمي وتنفيذي سوداني عملي لمواجهة الحرب الإعلامية ودور قيادي واضح لوزارة الإعلام

السودان لا يحتاج اليوم إلى خطابات نظرية، بل إلى قيادة إعلامية مركزية فاعلة، تقودها وزارة الإعلام ووزير يمتلك صلاحيات تنفيذية واضحة خلال زمن الحرب.
يجب أن تتحول الوزارة من جهة تنظيمية إلى قيادة عمليات إعلامية وطنية تخوض الحرب على التضليل، وتستثمر القنوات الرسمية مثل التلفزيون والإذاعة ووكالة سونا للأنباء، وتعبئ طاقات الشباب الرقمي للوصول إلى الجمهور على كل المنصات.

قيادة الوزير
يجب أن يكون وزير الإعلام والاتصال قائدًا استراتيجيًا لحرب الوعي. يوجّه غرفة العمليات الوطنية، ويربط بين الجيش والدبلوماسية، ويوحّد الإعلام الرسمي مع طاقات الشباب الرقمي.
فالسودان يزخر بخبرات رقمية وإعلامية مبدعة داخل البلاد وفي المهجر. عقول تنتظر فقط نداءً رسميًا وبابًا مفتوحًا لتتحول جهودها المبعثرة إلى جبهة إعلامية موحدة تواجه الدعاية والتضليل الممولين من الخارج.
حين تتوحد هذه الجهود تحت قيادة وزارية منضبطة ومهنية، سيستعيد السودان زمام المبادرة الإعلامية، ويحوّل الكلمة من أداة اختراق إلى سلاح وطني للدفاع والسيادة.

أ. المرتكزات العامة
١. القيادة مركزية والتنفيذ لامركزي، إذ تضع الوزارة الاستراتيجية وتشرف عليها، بينما تُنفَّذ المهام ميدانيًا عبر غرف العمليات .
٢. السرعة والوضوح عبر إصدار بيانات موحدة ومبسطة يوميًا بلغات محلية عند أي تطور مهم.
٣. الاحترافية والتوثيق من خلال تثبيت كل إجراء رقابي أو عقابي بأدلة قانونية قابلة للمراجعة.
٤. التحقيق قبل الحجب، مع أولوية التفنيد والردّ السريع وبناء الرواية الوطنية قبل اتخاذ إجراءات المنع.
٥. فالمساءلة ليست قيدًا، بل ضمانة للانضباط وعدالة القرار، فالانضباط بلا محاسبة لا يستقيم، إذ من أَمِنَ العقاب أساء الأدب.

ب. مهام وسلطات وزارة الإعلام والاتصال
١. غرفة عمليات الإعلام الوطني
تُعدّ الغرفة بمثابة خليةٍ لإدارة الأزمات الإعلامية، وتضمّ ناطقين رسميين، وخبراء في التحقق الرقمي، وفريقًا قانونيًا، وممثلين عن الجيش ووزارة الخارجية وجهاز الأمن الوطني. وتتولى التنسيق بين الجهات الإعلامية والأمنية، وجمع الأدلة، وتحليل الشائعات، وإصدار الردّ الرسمي خلال ٧٢ ساعة، فضلًا عن إدارة البلاغات المجتمعية وخط الطوارئ الإعلامي.
٢. تحويل التلفزيون والإذاعة ووكالة سونا إلى أدوات تعبئة مهنية
١. الموجزات والبرامج الميدانية
• بث موجزات وتقارير ميدانية وبرامج تحقق لرفع المعنويات وتعزيز الثقة العامة.
• تنفيذ خطة عمليات إعلامية رقمية متكاملة تشمل استجابة فورية خلال ٧٢ ساعة لجمع الأدلة، وإصدار الإنذار، وطلب إزالة المحتوى، ونشر الرد الرسمي.
• تنفيذ حملات مضادة تمتد من ٣٠ إلى ٩٠ يومًا لإنتاج فيديوهات قصيرة ومواد توعوية موجهة للشباب لترسيخ الوعي الوطني.
• إنشاء شبكة إبلاغ مجتمعية ورقم ساخن، مع مكافآت رمزية للمواطنين المساهمين في كشف الشائعات.
٢. تثقيف المواطنين وتعزيز الوعي الداخلي
يشمل هذا المحور إطلاق حملات وبرامج توعوية عبر الإذاعات الرسمية والمنصّات الرقمية والرسائل النصية تحت شعار موحد، على سبيل المثال: «تحقّق قبل أن تنشر، المعلومة سلاح».
ولا تقتصر التوعية على النصح العام، بل تمتد إلى تفكيك أساليب التضليل والدعاية الموجّهة عبر برامج تحليلية وتفاعلية توضّح للجمهور كيف تُفبرك الأخبار الكاذبة وكيف تُدار الحملات الدعائية وكيف يُصنع الرأي العام الزائف عبر الذكاء الاصطناعي أو الحسابات الممولة.
فعلى سبيل المثال، يمكن تحويل البرامج الشبابية مثل «ترند» إلى منصّات وعي وتحليل رقمي توضّح للمشاهدين آليات التضليل وأدوات التلاعب بالمعلومة، لتتحول من برامج تتابع ما هو رائج إلى برامج تصنع الوعي الوطني وتفكك الدعاية المعادية.
٣. توجيه الخطاب الإعلامي الخارجي
يجب توظيف البرامج الموجهة إلى الخارج مثل «Sudan in Focus» الناطق بالإنجليزية وغيرها من النوافذ الإعلامية الدولية لإيصال الرواية السودانية إلى الجمهور الغربي والدولي.
فبدل أن تكون هذه البرامج مجرد ترجمة للأخبار، ينبغي أن تتحول إلى أداة تواصل استراتيجي تُبرز سردية السودان من منظور وطني، وتفنّد الدعاية المعادية، وتعرض المواقف الرسمية للرأي العام الدولي بلغة مهنية ومؤثرة.
٤. المنصات متعددة اللغات: سدّ الفجوة الاتصالية الدولية
يبقى السؤال الجوهري: لماذا لا توجد حتى الآن برامج موجهة بلغات متعددة تحمل الرواية السودانية إلى العالم؟ ففي الوقت الذي تُبث فيه الدعاية المعادية ضد السودان بالإنجليزية والفرنسية والسواحلية ولغات أخرى، يظل الصوت السوداني محصورًا داخل لغته فقط.
إن تعدد اللغات الإعلامية ضرورة أمنية وسيادية وليس ترفًا، لأنه يُمكّن السودان من مخاطبة الشعوب الإفريقية والآسيوية والغربية بلغاتها الأصلية، ويكشف بالأدلة والبراهين ما يُنشر من تضليل في وسائل الإعلام ومواقع التواصل.
ولهذا يجب أن تتبنى وزارة الإعلام خطة عاجلة لإطلاق منصات ناطقة بالإنجليزية والفرنسية والسواحلية وغيرها من اللغات الإقليمية والدولية، تُدار بكفاءات وطنية وتُبنى على المحتوى الموثق، لتكون واجهة السودان في الدفاع عن سيادته وكشف الحقائق.
وينبغي أن تُبرز هذه المنصات الحقائق التي يتداولها السودانيون على وسائل التواصل بالأدلة الميدانية والصور والوثائق، وتحولها إلى مادة إعلامية دولية موثقة ومؤثرة تفضح الجهات التي تمول الحرب وتشوه صورة السودان وجيشه.
٥. تعبئة الكفاءات والخبرات الإعلامية الوطنية
يمتلك السودان العديد من الكفاءات الإعلامية والخبرات المهنية في الداخل والخارج ممن يتقنون اللغات الأجنبية ويفهمون طبيعة الإعلام الدولي. ويمكن إدماجهم ضمن فرق متخصصة تتولى صياغة الرسائل الموجهة إلى الغرب والإقليم وتدريب المتحدثين الرسميين على الخطاب الإعلامي الدولي متعدد اللغات بما يخدم المصلحة الوطنية ويعزز حضور السودان في المنصات العالمية.

ج. تنظيم الإعلام والصحافة الوطنية والأجنبية زمن الحرب
١. الصحافة المحلية
• اعتماد مؤقت بإشراف وزارة الإعلام وجهاز الأمن الوطني.
• توقيع ميثاق التزام مهني وأمني يمنع تسريب المعلومات أو التعامل مع جهات أجنبية دون تصريح.
• أولوية التدريب والتغطية للصحفيين الملتزمين بالمعايير الوطنية.
• محاسبة الصحفيين والوكلاء الإعلاميين ومؤثري التواصل الاجتماعي الذين يثبت تورطهم في نشر شائعات أو خدمة أجندات خارجية، باعتبارها جريمة تمسّ الأمن القومي والإعلامي للدولة.
• إلزام العاملين في الإعلام ومنصات التواصل بتقديم أدلة موثقة على ما ينشرونه عند تداول أي معلومات أو اتهامات، ومساءلة كل من يروّج للشكوك أو الأكاذيب دون دليل.
• التعامل مع كل منشور يهدف إلى تضليل الرأي العام أو تقويض الثقة بالمؤسسات الوطنية باعتباره عملًا عدائيًا ضد الدولة.
• شمول المساءلة للجهات أو الأفراد المموِّلين أو الداعمين لأي نشاط إعلامي أو رقمي يهدف إلى التحريض أو زعزعة الاستقرار، سواء بالتمويل المباشر أو غير المباشر.
٢. قانون مكافحة التضليل
يُعدّ هذا القانون أداةً تنظيمية لحماية الوعي العام من التشويه والدعاية الموجّهة، ويمنح وزارة الإعلام والاتصال صلاحية توجيه الإنذار أو الإيقاف المؤقت لأي وسيلة إعلامية أو منصة رقمية أو حساب ينشر محتوىً مضللًا أو تحريضيًا، على أن تُراجع القرارات لاحقًا عبر السلطة القضائية المختصة لضمان العدالة والشفافية.
ويهدف القانون إلى تحقيق الردع الوقائي دون تقييد حرية التعبير المسؤولة، وإلى صون الفضاء الإعلامي الوطني من الفوضى والمعلومات المضللة التي تُستخدم كسلاحٍ ضد الأمن القومي والإدراك العام.
٣. المراسلون الأجانب
• تصاريح محددة المدة والمكان تصدر عن وزارة الإعلام بالتنسيق مع جهاز الأمن الوطني.
• منع الدخول إلى مناطق العمليات أو البث الميداني دون إشراف رسمي مباشر.
• سحب التصاريح فورًا في حال نشر مواد تضر بالأمن القومي أو تخالف القوانين الوطنية.
• إلزام المراسلين باحترام خصوصية المواطنين والابتعاد عن الخطاب التحريضي أو الموجّه سياسيًا.
٤. المكاتب الإعلامية الأجنبية
• ترخيص سنوي خاضع لرقابة وزارة الإعلام بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.
• مراقبة ميدانية ورقمية عبر وحدة متابعة مشتركة ترفع تقاريرها إلى مجلس الأمن والدفاع الوطني.
• تعليق أو إغلاق أي مكتب يثبت تورطه في نشر مضامين مضللة أو منحازة ضد السودان.
٥. تمويل الإعلام
• حظر تلقي أي تمويل خارجي دون إذن مسبق من وزارة الإعلام.
• إلزام جميع المؤسسات الإعلامية بتقديم إفصاح سنوي عن مواردها ومصادر تمويلها.
• معاقبة أي جهة تتلقى أموالًا مجهولة المصدر أو من أطراف معادية للدولة.
• إإنشاء سجل وطني شفاف للتمويلات الإعلامية يخضع للرقابة المالية والقانونية.
٦. الصندوق الوطني لدعم الإعلام الوطني
يُنشأ صندوق وطني خاص بتمويل الإعلام الوطني لدعم إنتاج المواد المرئية، والبرامج الوثائقية، والبودكاستات، والإنفوغرافيك، والمبادرات الإعلامية المستقلة الملتزمة بخدمة الوطن وقضاياه. ويهدف الصندوق إلى تحفيز الإعلام الوطني الحر والمسؤول، وتمكينه من منافسة المحتوى الممول خارجيًا بمواد مهنية مؤثرة تعبّر عن روح السودان ووعيه الوطني.
٧. التنسيق الدبلوماسي والإعلامي الخارجي
تعمل وزارة الإعلام، بالتنسيق مع وزارة الخارجية والسفارات في الخارج، على توحيد الخطاب الوطني، وشرح الرواية السودانية للرأي العام الدولي، وتفنيد الدعاية المعادية بلغات متعددة.
كما تُنشأ وحدةُ تنسيقٍ مشتركة تُعنى بمتابعة صورة السودان في وسائل الإعلام الدولية، والعمل على تصحيح الحملات المنحازة أو الموجّهة ضده.

د. الاتفاقيات الإعلامية الدولية
• مراجعة شاملة لجميع الاتفاقيات ومذكرات التعاون الإعلامي بالتنسيق مع وزارتي الخارجية والأمن الوطني.
• اشتراط توافقها مع متطلبات السيادة والأمن القومي الإعلامي، وضمان ألا تُستغل كغطاء للتدخل أو التحريض ضد الدولة.
• تضمين حق السودان في الرقابة الميدانية والمعلوماتية على أي نشاط إعلامي أجنبي داخل أراضيه.
• أولوية التعاون مع الدول والمؤسسات التي تحترم القوانين الوطنية وتلتزم بالحياد المهني.
• فتح قنوات دبلوماسية مباشرة مع الدول التي يقيم فيها إعلاميون أو مؤثرون يهاجمون الجيش السوداني وينشرون خطاب كراهية ضد مكونات المجتمع، رغم كون هذه الدول على علاقة رسمية جيدة بالسودان.
• يجب أن يكون المبدأ واضحًا: من يحترم مؤسسات السودان وسيادته يُحترم، ومن يسمح بالتحريض والافتراء يُعامل بالمثل. على السودان أن يطالب بتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل في التعامل مع المنابر الإعلامية المقيمة بالخارج، تمامًا كما تفعل تلك الدول في حماية صورتها ومؤسساتها من الاستهداف الإعلامي. فالإعلام الخارجي ليس ساحة مجاملة أو تنازل، بل امتدادٌ لسيادة الدولة وحقها في الدفاع عن صورتها وكرامتها.

الختام
يا سيادة الوزير، إن الفضاء الإعلامي في السودان مفتوح على مصراعيه، أكثر من بوابة عبد القيّوم، بلا ضابط ولا رابط، تعبث فيه الفوضى وتتنازع فيه الأصوات. ولولا الإعلام الشعبي المخلص، الذي وقف سندًا للجيش، ودرعًا للحكومة، وصوتًا لحرب الكرامة، لكانت البلاد قد تفرّقت أشلاءً في مهبّ الرياح.
أتخشون أن يقول الغرب إن لا ديمقراطية في السودان؟ نحن لا نحارب من أجل الألقاب، بل من أجل البقاء. نحن في معركة حق وكرامة، تستوجب أحكامًا تحفظ النظام وتردع الفوضى، لا ترفًا في شكلٍ سياسي يرضي الآخرين. وحتى إن أردتم أن تكونوا ديمقراطيين، فلا تكونوا كما يقول المثل الإنجليزي «أكثر كاثوليكية من بابا الكاثوليك». أليس في الولايات المتحدة ما يُدين ازدواجية معاييرهم؟ أليست النماذج التي يقدّسونها شاهدةً على فشل مقولاتهم؟ إنهم لن يرضوا عنكم، لأن الهدف ليس الديمقراطية، بل تدمير هذا الوطن، وتمزيق وعي شعبه، وإخضاع إرادته.
فلماذا نرضى بالدنية في أنفسنا ونلوذ بالصمت، بينما يُشنّ علينا عدوانٌ بالكلمة لا يقل خطرًا عن العدوان بالسلاح؟ كيف نسكت على اغتيال الوعي والحملات المضللة والكاذبة بلغات عدة، ممولة من الخارج، وقد روينا تراب هذا الوطن بدماء الشهداء؟
الكرة الآن في ملعب الوزارة لتُثبت أن الكلمة السودانية قادرة، كما البندقية، على حماية الأرض والعقل معًا.
لقد آن أوان أن يكون الإعلام في مستوى الدم والتضحيات، وأن يرتقي إلى عظمة الشهداء الذين نزفوا في الميدان. لا يريد الشعب اليوم إعلامًا صامتًا أو مهادنًا، بل إعلامًا يُعبّر عن نبضه، ويترجم تضحياته، ويكشف حقيقة حرب الكرامة التي يخوضها دفاعًا عن ترابه وكرامته. لقد قدّم المواطنون أثمانًا غالية، وحان الوقت لأن يروا إعلامًا يليق بتلك الدماء، لا إعلامًا يلوذ بالصمت أو يبرّر العجز.
قد يبدو ما طُرح هنا للبعض مثاليًا في بلدٍ أنهكته الفوضى وتغلغل فيه الفساد بلا حساب، لكن كل مسيرة كبرى تبدأ بخطوة. وما نقدّمه ليس ترفًا فكريًا، بل واجبًا وطنيًا لحماية الوعي الجمعي وصون الذاكرة من التزييف. فهذه الممارسات تُطبَّق في دولٍ عرفت قيمة سيادتها الإعلامية، فلماذا لا نبدأ نحن؟ مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة وأول الغيث قطرة.
إذا أردنا أن نحمي الوطن، فعلينا أن نحمي أولًا وعي الإنسان السوداني، لأنه خط الدفاع الأول عن الأرض والعرض والكرامة. لقد أثبتت الحروب أن المعلومة قد تقتل كما يقتل السلاح، وأن من يملك سردية الحرب يملك نصف النصر. وفي حربٍ يُستهدف فيها السودان في ميدانه وعقله معًا، يصبح واجبنا أن نبني إعلامًا منضبطًا، وقانونًا عادلًا، واستراتيجية وعي وطنية مضادة تُفشل الحملات الممولة التي يقودها الخارج، وتعيد للإعلام دوره الطبيعي سلاحًا للدفاع عن السيادة، لا منفذًا لاختراقها.
وهكذا فقط، يمكن للدولة أن تستعيد زمام المبادرة، وأن تحوّل الكلمة من رصاصةٍ تُطلق ضدها إلى درعٍ يحميها، وصوتٍ يكتب ملامح انتصارها القادم.


اقرأ الجزء الاول: الإعلام في زمن الحرب: كيف تُدير الدول المعلومة بين الرقابة والسيادة (١)

نماذج دولية في بناء القوانين والتشريعات الإعلامية لحماية الأمن الوطني


عن الكاتبة

صباح المكّي كاتبة سودانية وتشغل منصب نائب رئيس التحرير في براون لاند نيوز. تتناول أعمالها قضايا الجيوسياسة والعنف السياسي والقانون الدولي والمقاومة الثقافية والوعي الاجتماعي، من منظور يرتكز على الحقائق المتغيرة في السودان. تسعى صباح إلى كسر الروايات السائدة عبر إعادة تموضع صوت المواطن السوداني ـ داخل الوطن وفي المهجر ـ ذلك الصوت الذي يُستبعد غالباً من الخطاب العالمي. وتطرح كتاباتها أسئلة جريئة حول معنى الحرب والسلام والعدالة، مؤكّدة أن التغيير الحقيقي يبدأ من هدم البُنى الاستعمارية المتجذّرة. تنظر صباح إلى الصحافة كفعل مقاومة ثقافية وفكرية وفلسفية، تواجه من خلاله البُنى التي تغذّي الصراع وتصادر الأصوات. تكتب من قلب العاصفة


حصرياً في براون لاند – عربي

حيث السيادة ليست محل مساومة، والحقيقة عصيّة على التزييف.
أرضنا. صوتنا. أخبارنا.

Back to top button