
مفارقة السودان الجيوسياسية: قراءة في هندسة الجغرافيا الإقليمية عبر منظومات الوكالة والشبكات الموازية (٢)
يقدّم هذا الجزء قراءة معمقة في المفارقة التي تحكم موقع السودان، حيث تنقلب الجغرافيا من مصدر حماية إلى نقطة هشاشة، ويتحوّل الامتداد الطبيعي للدولة إلى مجال مفتوح أمام قوى الوكالة العابرة للحدود. فمنذ اندلاع الحرب، لم يعد السودان يمارس دوره التاريخي كصمام أمان إقليمي، بل أصبح ساحة يُعاد عبرها تشكيل الإقليم بالمال والتهريب والميليشيات والواجهات الدبلوماسية التي تديرها منظومات النفوذ الصهيوإماراتية. وهكذا يتقدّم هذا الجزء لفهم كيف تحوّل العمق الأمني إلى طوق تطويق، وكيف انتقلت دول الجوار من شركاء في التوازن إلى أدوات في مشروع الهيمنة، لتظهر حول السودان هندسة أمنية جديدة تعيد طرح السؤال حول معنى العمق نفسه، أي الفضاء الذي يفترض أن يقي الدولة الأخطار فإذا به يتحول إلى بوابة لاختراقها.
الجزء الثاني: العمق الذي بلا عمق، مفارقة السودان الجيوسياسية

بقلم: صباح المكي
تمهيد
تناول الجزء الأول من السلسلة، من «أحجار على رقعة الشطرنج» إلى «لعبة الأمم»، التحول الجوهري من أنماط السيطرة المباشرة إلى هندسة النفوذ غير التقليدي عبر الوكلاء، مستندًا إلى الإطارين النظريين اللذين قدّمهما ويليام غاي كار ومايلز كوبلاند. وقد أظهر ذلك الجزء كيف تبلورت منذ منتصف القرن العشرين منظومات هيمنة تستعيض عن القوة العسكرية الصريحة بأدوات مالية واستخباراتية وإعلامية، وتعيد القوى الكبرى عبرها تشكيل البيئات الوطنية من خلال شبكات تأثير متداخلة. وفي هذا السياق برزت المنظومة الصهيوإماراتية بوصفها فاعلًا إقليميًا يوظّف رأس المال والاختراق السياسي وصناعة الوكلاء كآليات لإدارة الصراعات من خارج الميدان وتوجيه المسارات الاستراتيجية للدول المستهدفة. وتجد هذه الدينامية ما يؤكدها في شهادة وزير الخارجية الإماراتي الأسبق راشد عبد الله النعيمي، الذي كشف في مقابلة علنية أن العمل داخل منظومة اللعبة الدولية يستلزم قبول قواعدها، حيث لا تُمنح الحماية السياسية إلا مقابل امتثال كامل، وتُرسَّخ الأدوار عبر الاضطلاع بالمهام التي تتجنب القوى الكبرى الظهور المباشر فيها. وبهذا المنطق ارتضى نظام أبوظبي موقع الأداة المنفذة بدل الفاعل المقرر، وتحول إلى ذراع قذرة في صراعات تُدار عن بعد، ليصبح جزءًا من بنية إنتاج الفوضى التي تشرف عليها القوى الأكثر تأثيرًا في النظام الدولي.
١. معنى العمق الاستراتيجي وحالة السودان
يُعرَّف العمق الاستراتيجي في الأدبيات الجيوسياسية بوصفه المجال الذي يمنح الدولة قدرة على امتصاص الصدمات وتوسيع هامش المناورة عند مواجهة التهديدات. وقد يكون هذا العمق جغرافيًا يوفر مسافات فاصلة بين مراكز الدولة الحيوية وحدود الخطر، أو سياسيًا يتجسد في منظومات ردع وتحالفات متماسكة، أو اقتصاديًا يقوم على موارد ذاتية تمنح قدرة الاستمرارية والصمود.
الدول التي تمتلك عمقًا استراتيجيًا تتكيّف مع الهزات وتنهض منها، بينما الدول التي تفتقر إليه تبقى مكشوفة تتسلل الأخطار إليها من كل اتجاه. وبهذا المفهوم، شكّل السودان تاريخيًا عمقًا وظيفيًا لجيرانه أكثر مما شكّلوا له عمقًا ردعيًا. فقد كان خط امتصاص أولي لارتدادات الجنوب المصري، وسياجًا يحد من اضطرابات تشاد وإفريقيا الوسطى، وعازلًا يمنع تمدد أزمات القرن الإفريقي نحو المجال العربي. ومع ذلك ظل هذا العمق أحادي الاتجاه، إذ امتص السودان صدمات محيطه دون أن يحظى بامتداد جغرافي أو سياسي يرد عنه الأخطار عندما يُستهدف مباشرة، ودون أن يجد في جواره بنية دعم تعوض هشاشته الداخلية.
ويتضح هذا التباين بصورة أشد عند العودة إلى المفهوم الكلاسيكي للعمق الأمني، حيث تُدار الحروب في الأطراف لتجنب وصولها إلى القلب السياسي للدولة. فمصر جعلت من سيناء عمقها الشرقي، توظف المسافة والجغرافيا كحزام صد يحمي دلتا النيل. وروسيا اعتمدت اتساع أراضيها وقسوة شتائها درعًا يعوق الجيوش الغازية. أما السودان فكان عمقه التاريخي قائمًا على شبكة جواره العربي والإفريقي التي امتصت عنه تقلبات المنطقة، غير أن غياب بنية ردع مقابلة في هذا الجوار جعل هذا العمق هشًا وعرضة للاختراق عند أول اهتزاز إقليمي.
أدركت المنظومة الصهيوإماراتية مبكرًا أن اختراق السودان لا يفتح الباب أمام النفاذ إلى دولة فحسب، بل إلى العقدة الجيوسياسية الأهم في الإقليم. فالسودان، بامتداده الساحلي الطويل على البحر الأحمر، وبتموضعه الحرج بين ممرات التجارة العالمية وطرق الاتصال البرية التي تربط الشمال بالجنوب والشرق بالغرب، يقف على أحد أهم الشرايين البحرية بين آسيا وأوروبا، وتشكل جغرافيته نقطة التقاء للمجالات البرية التي تشدّ الشرق الإفريقي بالخليج والساحل والصحراء.
هذا الموقع الاستثنائي يجعل السودان البوابة الطبيعية لإفريقيا وعقدة الربط التي تتقاطع عندها شبكات التجارة والطاقة والممرات الاستراتيجية التي تعيد تشكيل توازن القوة في المنطقة. ومن ينجح في إخضاعه يمسك بمفاتيح القدرة على إعادة توزيع القوة في الإقليم وعلى هندسة شبكات النفوذ كجزء من مشروع أوسع لإعادة رسم خرائط الهيمنة الإقليمية.
لهذا اندفعت المنظومة الصهيوإماراتية نحو تحويل الجغرافيا السودانية من فضاء سيادي إلى منصة اختبار لنموذج السيطرة بالوكالة، مستندةً إلى حقيقة أن السودان ليس مجرد دولة، بل مفصل جغرافي استراتيجي من يهيمن عليه يعيد تشكيل خطوط القوة بين العالم العربي وعمق القارة الإفريقية، ويمتلك القدرة على التحكم بمحاور التجارة والأمن التي تشكّل البنية الحاكمة للنظام الإقليمي برمّته، ويقلب ميزان السيطرة في البحر الأحمر وفي قلب الإقليم على السواء.
غير أن العقدين الأخيرين شهدا تحولًا بنيويًا في وظيفة هذا الجوار. فبدل أن يكون مظلة حماية، أصبح مجالًا لإعادة هندسة الضغوط وتطويقًا جغرافيًا تُفعّل عبره أدوات الاختراق. وقد جاء هذا التحول نتيجة مشروع نفوذ منظم قادته المنظومة الصهيوإماراتية، أعاد تعريف العمق من كونه امتدادًا للتوازن إلى كونه منصة ضغط. فبُنيت شبكة نفوذ توظف رأس المال والميليشيات والموانئ، وتحول الجغرافيا إلى معبر للسلاح، والاقتصاد إلى غطاء للسيطرة، والإعلام إلى أداة لإعادة تشكيل الإدراك الإقليمي. وهكذا تراجع معنى العمق كفضاء للحماية، ليصبح جزءًا من آلية ضغط تُمارس على السودان من خارجه بينما تتآكل قدرته على إدارة أمنه الوطني.
٢. من الامتداد الأمني إلى هندسة الطوق الجيوسياسي
يُحاط السودان بسبع دول هي مصر وليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا، ويمتلك شريطًا ساحليًا حيويًا على البحر الأحمر يجعله عنصرًا محوريًا في معادلة الأمن الإقليمي الممتدة من قناة السويس شمالًا إلى باب المندب جنوبًا. وقد أكسبه هذا الموقع الحساس وظيفتين متلازمتين: بوابة إفريقيا إلى البحر، وعمقًا عازلًا بين أكثر البؤر اضطرابًا في القارة. غير أن هذه القيمة الجيوسياسية جعلته في الوقت ذاته هدفًا لمشاريع تسعى إلى إعادة هندسة النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وقد بدأت هذه الاستراتيجية بمحاولات الاستحواذ على الموانئ السودانية عبر عقود امتياز طويلة الأمد وواجهات لوجستية واستثمارية وأمنية متشابكة. ورغم تكرار هذا المسار من بورتسودان إلى سواكن، مرورًا بمحاولة إنشاء ميناء أبو عمامة التي أُلغيت لاحقًا، اصطدمت مساعي التمدد بعقبات سيادية ورفض داخلي جعل تحويل الساحل السوداني إلى امتداد للممر البحري الخاضع لنفوذ نظام أبوظبي هدفًا غير قابل للتحقق.
ومع تعثّر الاختراق البحري، تحوّل الاستثمار نحو الداخل السوداني، حيث الموارد المائية والأراضي الزراعية التي تعد بالنسبة لنظام أبوظبي ركيزة استراتيجية في مواجهة أزمات الأمن الغذائي المتوقعة بحلول عام ٢٠٥٠. وقد سعت أدواته الاستثمارية إلى التمدد داخل منطقة الفشقة على الحدود السودانية الإثيوبية، غير أن هذه المحاولة أخفقت بدورها، تمامًا كما أخفقت المحاولات الساحلية، ليظل السودان عصيًا على الامتصاص المباشر رغم ضخامة الموارد المالية التي وُظفت لاختراقه.
بعد سلسلة الإخفاقات داخل السودان، لجأت المنظومة الصهيوإماراتية إلى تفعيل الوصفة التي أثبتت نجاحها في بونتلاند وصوماليلاند وجنوب اليمن وشرق ليبيا، عبر هندسة بيئة الجوار واختراق الدولة مباشرة بواسطة وكلاء وميليشيات تعمل امتدادات وظيفية للمشروع الإقليمي. وقد جرى حشد منظومة من الواجهات اللوجستية والشركات الأمنية الخاصة وشبكات الوساطة المرتبطة بنظام أبوظبي، مما أتاح إنتاج مجموعات مسلّحة محلية وعابرة للحدود مثل ميليشيا الدعم السريع التابعة لنظام أبوظبي، وميليشيات خليفة حفتر في شرق ليبيا، والمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن.
وترافق ذلك مع تحويل الموانئ الإقليمية مثل بوصاصو وبربرة وموانئ الجنوب اليمني، وفي مقدمتها سقطرى التي رُفع فيها العلم الإماراتي بدل العلم اليمني وحُوّلت إلى قاعدة عسكرية مغلقة بعد إقصاء سكانها، إلى بوابات نفوذ تُستخدم للتحكم البحري والسياسي وبناء ترتيبات موازية للسيادة. وفي الوقت نفسه، تُوظَّف المساعدات الإنسانية والتحالفات الأمنية كأدوات اختراق ناعم تُعيد عبرها المنظومة الصهيوإماراتية تشكيل موازين السلطة والموارد.
ورغم هذه المنظومة المحكمة من أدوات الجوار والموانئ والوكلاء، بقيت الموانئ السودانية والأراضي الزراعية الخصبة عصية على الاستحواذ المباشر، كأن الجغرافيا نفسها تعكس مقاومة داخلية ترفض الانصياع لقواعد رأس المال السياسي وأدوات الوكالة.
٣. خصخصة الأمن الإقليمي: من الدولة إلى الشبكات
بعد ثورة ٢٠١٨ – ٢٠١٩ وسقوط النظام السابق، دخل السودان مرحلة فراغ سياسي معقّدة وضعف مؤسسي عميق. فقد خرجت الدولة من ثلاثة عقود من الحكم السلطوي وهي تفتقر إلى البنية التي تضمن ضبط عملية الانتقال وحماية المجال السيادي من محاولات الاختراق. ومع اتساع الانقسامات داخل المكوّنات المدنية والعسكرية، تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة أمام التدخلات الإقليمية والدولية.
وفي ظل هذا الفراغ المؤسسي، بدأت شبكات الوكالة الخارجية تتغلغل داخل البيئة السياسية السودانية. فقد تمدد نفوذ بعثة الأمم المتحدة يونيتامس بقيادة فولكر بيرتس بصورة تجاوزت نطاق تفويضها التقني، وتحولت من بعثة مساندة انتقالية إلى فاعل سياسي مباشر يعيد هندسة موازين القوى داخل المشهد الوطني. ومن خلال المسارات السياسية التي أدارتها، مُنح مكوّن الحرية والتغيير – المجلس المركزي وزنًا تفاوضيًا يفوق حجمه الحقيقي في البنية الاجتماعية والسياسية، كما جرى التعامل مع ميليشيا الدعم السريع بوصفها طرفًا موازيًا للمؤسسة العسكرية لا قوة تابعة للدولة تخضع لضوابطها.
أ. الاتفاق الإطاري: المنتج السياسي لاختلال ميزان القوى
في هذا السياق، جرى استثمار الخلل في موازين القوى لإنتاج الاتفاق الإطاري أواخر عام ٢٠٢٢، وهو مسودة سياسية غير منفّذة طُرحت لترتيب انتقال جديد بين القوى السياسية والعسكرية بعد تعثّر المرحلة الانتقالية. وقد قُدّم الاتفاق بوصفه إطارًا لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وإصلاح القطاع الأمني والعسكري، غير أن بنيته حملت اختلالات جوهرية لا تعكس ميزان القوى الحقيقي ولا الإرادة الشعبية.
وتجلّى هذا الخلل بصورة واضحة في الصراع حول عملية الإصلاح الأمني والعسكري، وخصوصًا في مسألة دمج قوات الدعم السريع داخل الجيش. فقد طالبت الميليشيا بفترة دمج تمتد إلى عشرين عامًا، بينما حاول مكوّن الحرية والتغيير – المجلس المركزي الدفع نحو صيغة عشر سنوات تُبقي نفوذ الميليشيا داخل الدولة لمدى أطول، في حين تمسّك الجيش بفترة عامين فقط لضمان وحدة القيادة العسكرية ومنع استمرار وجود قوة موازية قادرة على تعطيل المسار الانتقالي.
ولم يكن هذا التباين خلافًا فنيًا أو إجرائيًا، بل كان جوهر الأزمة نفسها. ففترات الدمج الطويلة كانت تعني عمليًا إبقاء الميليشيا قوة سياسية – عسكرية فوق الدولة، تُستخدم لإسناد حلفائها المدنيين من الحرية والتغيير المجلس المركزي وغيرهم، وتمكينهم من البقاء في السلطة من دون انتخابات أو تفويض شعبي. وهكذا تحوّل الانتقال السياسي من عملية إصلاحية إلى معادلة تعيد إنتاج السلاح داخل السياسة، وتمنح القوى غير المنتخبة دورًا يتجاوز وزنها الشعبي، وتوفّر لها صيغة حكم تجعل استمرار وجودها في السلطة مرهونًا ببقاء ميليشيا الدعم السريع قوة موازية قادرة على تعطيل أي مسار انتخابي حقيقي، بما يضمن استمرار نفوذها خارج الإرادة الشعبية وخارج صناديق الاقتراع.
ومع هذا البناء السياسي المختل، أصبحت القوى المدنية كالحرية والتغيير المجلس المركزي وغيرها المرتبطة بالميليشيا تمتلك غطاءً سياسيًا يعيد تدوير تحالفاتها خارج الإرادة الوطنية. ومع اتساع المسار السياسي المبني على هذا الاتفاق، ظهر خطاب قادة الحرية والتغيير في مخاطباتهم الجماهيرية قائمًا على معادلة صفرية مفادها أن القبول بالاتفاق هو الخيار الوحيد لتجنب الحرب، في تجاهل تام لواقع ميداني وسياسي كان يشير بوضوح إلى أن جوهر الأزمة يكمن في تضخم القوة المسلحة غير الخاضعة للدولة، لا في غياب اتفاق سياسي شكلي.
وبذلك شكّل الاتفاق الإطاري نقطة الانفجار التي كشفت حدود التدخلات الأممية والأجندات المتحالفة معها، ودفع السودان نحو صدام مسلح قاد إلى الحرب. كان الاتفاق ثمرة تراكم مسارات سياسية اختزلت التعقيد السوداني في ترتيبات فوقية، وفتحت الباب واسعًا أمام مشروع الوكالة الصهيوإماراتية لملء الفجوات التي خلّفها ضعف الدولة. وترافق ذلك مع سباق إقليمي لالتقاط النفوذ داخل مؤسسات الدولة الهشة، مما جعل السودان بيئة مفتوحة لعمليات التجنيد السياسي والأمني بالوكالة.
ب. من تآكل سلطة الدولة إلى صعود شبكات الأمن المخصخص
مع هذا الاضطراب البنيوي، أصبح السودان بيئة مفتوحة لعمليات التجنيد السياسي والأمني بالوكالة. فقد خرج الأمن الإقليمي تدريجيًا من يد الدولة، وتراجعت سلطة المؤسسات الرسمية لصالح شبكات موازية تتقاطع داخلها التجارة غير الرسمية واستثمارات الواجهة وخطوط التهريب والميليشيات العابرة للحدود. ومع هذا التشابك تآكلت الحدود الفاصلة بين الأمن الوطني والإقليمي، ووجدت القوى الخارجية مساحة واسعة للعمل داخل السودان تحت عناوين ظاهرها الاستثمار أو مكافحة الإرهاب أو الوساطة، بينما هي في حقيقتها تعيد رسم الخريطة الجيوسياسية وفق مصالحها.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن تدفقات السلاح والذهب والمقاتلين من ليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى تتم عبر شبكات عابرة للسيادة تعمل كبنية ظل قادرة على التحكم في مسارات الصراع بدرجة تتجاوز قدرة الدولة على ضبط حدودها. ويعكس هذا الواقع تآكل نموذج الأمن التقليدي وصعود نموذج أمني مخصخص تديره شبكات مصالح إقليمية غير رسمية.
وقد أعادت المنظومة الصهيوإماراتية تشكيل هذا المشهد عبر تحويل الأمن الإقليمي إلى مجال اقتصادي قابل للشراء والتدوير. فاقتصاد الذهب والسوق الرمادية والتمويل السياسي المموه الموجّه لشخصيات نافذة داخل دول الجوار أصبح يشكل الركيزة المالية الأساسية لميليشيا الدعم السريع. ومن خلال هذا الدعم المالي واللوجستي المتواصل تحولت الميليشيا إلى فاعل مسلح يعمل خارج الإرادة السيادية للدولة السودانية. ومع هذا التحول فقدت الدولة احتكارها للأدوات الأمنية وتراجعت قدرتها على توظيف الدبلوماسية والرؤية الاستراتيجية لإدارة المخاطر الإقليمية، كما ضعفت قدرتها على إقناع دول الجوار بأن انهيار السودان يشكل خطرًا يتجاوز حدوده.
وبفضل هذا التشابك بين المال السياسي والسلاح والدبلوماسية الموازية تشكّل مشهد أمني جديد لا يقوم على التكامل ولا على التضامن، بل على إدارة مخصخصة للأمن تحددها مصالح الفاعلين غير الرسميين. ولم يعد السودان يواجه دولة واحدة، بل منظومة مركّبة من الميليشيات وشركات الواجهة وشبكات الربط المالي التي تعمل بتناغم لخدمة مشروع الاختراق الصهيوإماراتي. ولم يكن هذا التحول مجرد غياب لدور دول الجوار، بل تحول قسمٌ منها إلى أطراف فاعلة داخل مشروع الوكالة، سواء عبر التسهيلات اللوجستية أو الدعم السياسي أو غض الطرف عن خطوط الإمداد. وهكذا لم يعد الأمن الإقليمي مسؤولية الدول، بل امتيازًا تتحكم فيه شبكات مصالح يدعمها نظام أبوظبي ويتقاطع معها بعض الجوار بدل أن يقيّدها.
٤. المعنى الجيوسياسي للعمق، حين تنقلب الجغرافيا على صاحبها
تحوّلت الجغرافيا السودانية، التي كان يفترض أن تشكل مصدرًا للعمق الاستراتيجي، إلى عبء ثقيل على قدرة الدولة على الصمود. فالموقع الذي يجمع بين البحر الأحمر ووادي النيل والقرن الإفريقي والصحراء الكبرى، والذي منح السودان تقليديًا موقعًا مركزيًا في خرائط التجارة والممرات البرية والبحرية، أصبح في لحظة الانكشاف السياسي والأمني نقطة تقاطع حادة لمشروعات النفوذ الإقليمي. لقد انقلبت نقاط القوة الجغرافية إلى نقاط ضغط، وصار الموقع نفسه مولدًا للهشاشة بدل أن يكون رصيدًا للقوة.
فالسواحل السودانية اندمجت في هندسة صراع الممرات البحرية الممتدة من قناة السويس إلى باب المندب، بينما تحولت الحدود الغربية والجنوبية إلى ساحات مكشوفة تُدار عبرها شبكات الذهب والسلاح في ظل إشراف إقليمي مباشر. وللمرة الأولى في تاريخ السودان الحديث، لم تعد الجغرافيا أداة بيد الدولة، بل أصبحت أداة تُستخدم عليها. واتسعت مساحة حركة القوى الخارجية في أطراف السودان إلى حد يفوق قدرة الدولة نفسها على ضبط هذه المسارات.
وتتعمق المفارقة حين نلاحظ أن السودان، على غرار أفغانستان، كان دائمًا عمقًا للآخرين دون أن يمتلك عمقه الذاتي. فكلاهما يمثّل عقدة وصل جيوسياسية تتقاطع عندها مصالح القوى الكبرى والإقليمية، وكلاهما يتحول إلى مسرح للحروب بالوكالة عندما تضعف الدولة المركزية. وبهذا المعنى لا يُستهدف السودان بوصفه دولة فحسب، بل بوصفه موقعًا استراتيجيًا يُعاد تشكيله وفق مصالح فاعلين يتجاوزون السلطة الوطنية. وهكذا يصبح السودان جغرافيا تُدار من الخارج أكثر مما هي جغرافيا تدير محيطها.
ويكشف هذا الوضع، حيث تتحول مصادر القوة الجغرافية إلى مصادر للضغط والاختراق، عن المفارقة الكبرى في التجربة السودانية. فبلد يقف في قلب الإقليم يجد نفسه بلا مظلة إقليمية تحمي موقعه، ودولة محورية تعمل خارج منظومة حماية موازية لأهميتها، وعمق جغرافي بلا ظهر استراتيجي يقيه الارتدادات. وهكذا يقف السودان في مركز الخرائط لكنه خارج مراكز التحالف التي تُظهر دعمًا شفاهيًا لا ينعكس في أي رؤية تنفيذية أو مسار فعلي أو خطوة عملية على أرض الواقع. فهذه التحالفات التي تُكثر من البيانات وتُقل من الأفعال كشفت عجزًا بنيويًا عن مواكبة حجم التهديد الذي تتعرض له الدولة السودانية. ومع ذلك لا يقف السودان بوصفه كيانًا مستسلِمًا، بل دولة تقاتل لإعادة تثبيت موقعها في الإقليم، بعدما أظهرت الحرب الجارية بوضوح خطوط الاصطفاف الحقيقية بين من يقف مع السودان بالفعل ومن يتخذ موقفًا ملتبسًا أو مضادًا له. وتمثل هذه اللحظة إنذارًا استراتيجيًا لصناع القرار بضرورة إعادة رسم خياراتهم وتحالفاتهم استنادًا إلى ميزان الأفعال لا الأقوال، بحيث يتحول عبء الجغرافيا إلى رصيد قوة، وتُستعاد الوظيفة الاستراتيجية للدولة من داخل مؤسساتها الوطنية لا عبر الإملاءات أو الموازين التي يصوغها الآخرون.
خاتمة الجزء الثاني: من وهم العمق إلى خرائط الجوار التي تعيد رسم موقع السودان
بهذا يكتمل الإطار التحليلي لمفارقة السودان الجيوسياسية. فقد تحولت الجغرافيا التي طالما وُصفت بأنها مصدر للقوة إلى عنصر ضغط يحد من قدرة الدولة على الصمود. والموقع الذي يجمع بين البحر الأحمر ووادي النيل والقرن الإفريقي والصحراء الكبرى بات، في لحظة الانكشاف السياسي والأمني، نقطة تتقاطع عندها مشاريع النفوذ الإقليمي. ولم تعد الحدود السودانية تؤدي وظيفة الحاجز، بل تحولت تدريجيًا إلى ممرات مفتوحة تمر عبرها أدوات التأثير الخارجي، سواء عبر شبكات التهريب أو منظومات الوكالة أو البنى الاستثمارية ذات الطابع الأمني.
ومع هذا التحول فقد السودان امتداده الأمني التقليدي، وتراجع موقعه باعتباره صمامًا للتوازن الإقليمي. وأضحت ساحاته الداخلية مجال اختبار لأساليب جديدة في إدارة الصراع ترتكز على المال السياسي والميليشيات والدبلوماسية الموازية. وفي ظل هذه البنية المستحدثة، لم تعد الخارطة الأمنية تُرسم داخل المؤسسات الوطنية، بل باتت تُعاد صياغتها عبر مسارات نفوذ خارجية تستغل هشاشة الأطراف وتدفع ديناميات الصراع نحو الداخل.
إلا أن فهم هذه المفارقة لا يكتمل من دون تحليل مواقف الدول السبع المحيطة بالسودان. فالجوار، الذي شكّل تاريخيًا امتدادًا وظيفيًا يخفف ارتدادات الأزمات، أصبح في سياقات معينة قناة لمرور الضغوط وركيزة في مشروع النفوذ الذي تقوده المنظومة الصهيوإماراتية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة تفصيلية لدور كل دولة في تشكيل الطوق الجيوسياسي الذي التف حول السودان منذ اندلاع الحرب.
وسوف يتناول الجزء الثالث من هذه السلسلة هذا الجوار دولة بعد أخرى، بهدف تحليل كيفية انتقاله من وظيفة الحماية والدعم إلى بنية التشغيل غير المباشر، وفهم الكيفية التي أعادت بها هذه التحولات توجيه موقع السودان داخل شبكة التفاعلات الإقليمية الراهنة.
يمكنك الاطلاع على:
الجزء الأول «من أحجار على رقعة الشطرنج» إلى «لعبة الأمم» : هندسة النفوذ للهيمنة بالوكالة»
عن الكاتبة
صباح المكّي كاتبة سودانية وتشغل منصب نائب رئيس التحرير في براون لاند. تتناول أعمالها قضايا الجيوسياسة والعنف السياسي والقانون الدولي والمقاومة الثقافية والوعي الاجتماعي، من منظور يرتكز على الحقائق المتغيرة في السودان.
تسعى صباح إلى كسر الروايات السائدة عبر إعادة تموضع صوت المواطن السوداني ـ داخل الوطن وفي المهجر ـ ذلك الصوت الذي يُستبعد غالباً من الخطاب العالمي. وتطرح كتاباتها أسئلة جريئة حول معنى الحرب والسلام والعدالة، مؤكّدة أن التغيير الحقيقي يبدأ من هدم البُنى الاستعمارية المتجذّرة.
تنظر صباح إلى الصحافة كفعل مقاومة ثقافية وفكرية وفلسفية، تواجه من خلاله البُنى التي تغذّي الصراع وتصادر الأصوات. تكتب من قلب العاصفة.
حصرياً في براون لاند -عربي.
حيث السيادة ليست محل مساومة، والحقيقة عصيّة على التزييف.
أرضنا. صوتنا. أخبارنا.



