
موانئ تحت المراقبة: استراتيجية أبوظبي لإعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي( ٣)
في هذا الجزء الثالث من سلسلة «موانئ تحت المراقبة»، نكشف كيف تحوّل البحر الأحمر إلى جغرافيا استعمارية جديدة تُدار بالعقود والرادارات بدل الجيوش والمدافع، وكيف يقف التحالف الأمني بين أبوظبي وتل أبيب وواشنطن وراء مشروعٍ يهدف إلى تطويق السودان واليمن ومصر والسعودية والقرن الإفريقي ضمن طوقٍ استخباراتيٍ واحد.
الجزء الثالث: البحر الأحمر كجغرافيا استعمارية جديدة
بقلم صباح المكي

في الجزء الأول، «الهندسة الخفية لنفوذ نظام أبوظبي: من الاستثمارات إلى الاستخبارات»، فككنا البنية العميقة التي شيّدها النظام الإماراتي تحت ستار «الاستثمارات السيادية»، مبينين كيف تحوّل المال إلى سلاح ناعم وكيف صار الاقتصاد ستارًا لعمليات استخباراتية استهدفت النفوذ والموارد والممرات البحرية من القرن الإفريقي إلى البحر الأحمر والسواحل اليمنية.
وفي الجزء الثاني «الهيمنة بالوكالة من الاستثمار إلى الاحتلال الناعم» سلّطنا الضوء على أن هذه المنظومة لم تقتصر على العقود والشراكات الاقتصادية فحسب، بل طوّرت أدوات ميدانية أعمق: عقود امتياز طويلة، واجهات أمنية، شبكات ولاءات محلية، وامتدّت إلى دعم ميليشيات ووكلاء محليين. وأثمرت هذه الوصفة نتائج ملموسة على الأرض، من بينها تفتيت ليبيا، وإحداث انقسام واسع في اليمن، وإذكاء حالة الفوضى في الصومال، بينما تسعى اليوم إلى تطبيق نسخة مماثلة في السودان الذي يواصل ممارسات المقاومة حتى الآن.
في هذا الجزء الثالث، «البحر الأحمر كجغرافيا استعمارية جديدة»، ننتقل من تفكيك أدوات النفوذ إلى تحليل التحالف الأمني الذي يقف خلف المشروع. فخلف شعارات «الأمن البحري» و«الاستقرار الإقليمي» تخفي أبوظبي شبكةً استخباراتيةً تجمعها بتل أبيب وواشنطن، تُعيد رسم خرائط السيطرة على الممرّات والموانئ من باب المندب إلى قناة السويس. هنا يتحوّل البحر الأحمر إلى مساحةٍ استعمارية تُدار بالعقود والرادارات بدل الجيوش والمدافع؛ فالموانئ تتحوّل إلى قواعد، والمناطق الحرّة إلى ثكناتٍ لوجستية، والسيادة إلى منظومةِ مراقبةٍ رقمية تُحكم قبضتها باسم التنمية. هكذا صار «الأمن البحري» البوابةَ الجديدة للاستعمار، تُرسم خرائطه بخطوطٍ رقميةٍ فوق الماء وتُدار من وراء الشاشات لا من فوق الأرض.
١. التحالف الأمني: إسرائيل والولايات المتحدة في خلفية المشروع.
خلف الخطاب الإماراتي المليء بشعارات الأمن الإقليمي والاستقرار البحري، يقف تحالف أمني استخباراتي متين يجمع نظام أبوظبي بتل أبيب وواشنطن. فالموانئ والقواعد التي يشيدها النظام ليست مشاريع تنموية معزولة، بل جزء من منظومة مراقبة إقليمية مشتركة تُعيد رسم خريطة السيطرة على البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.
تشير تقارير ميدانية واستخباراتية إلى أن القواعد الإماراتية في سقطرى وعبد الكوري وبوصاصو مزوّدة برادارات وأنظمة مراقبة إسرائيلية الصنع من طراز EL/M-2084، تُستخدم لربط نقاط المراقبة البحرية والجوية ضمن شبكة واحدة تمتد من باب المندب إلى بحر العرب.
هذه الشبكة لا تكتفي برصد السفن والطائرات، بل تدمج إشاراتها في نظام استخباراتي موحد مع القواعد الأمريكية في جيبوتي والبحر العربي، ما يجعل البحر الأحمر فعليًا تحت عين مراقبة ثلاثية: إماراتية وإسرائيلية وأمريكية.
وجود ضباط إسرائيليين في بعض الجزر والموانئ الخاضعة لإدارة النظام، ولا سيما في جزيرة سقطرى، أصبح حقيقة لا يمكن إنكارها. هؤلاء يشرفون على تشغيل الرادارات والمنظومات الدفاعية التي تتيح لأبوظبي رصد التحركات الحوثية واعتراض الهجمات التي تطلقها جماعة أنصار الله، سواء تضامنًا مع الفلسطينيين أو استهدافًا للسفن المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية.
بهذه الطريقة تحوّل البحر الأحمر إلى خط دفاع متقدّم لإسرائيل، تديره أبوظبي بالمال والتسهيلات اللوجستية، وتغطيه واشنطن بالدعم التقني والاستخباراتي. تحت هذه المظلة جرى تحويل المنطقة إلى مختبر أمني مفتوح، إذ أصبح كل ميناء وكل قاعدة وكل محطة رادار عقدة في شبكة مراقبة ضخمة تتحكّم في الملاحة وحركة الطائرات من دون طيار، وتجمع بيانات تجارية وعسكرية ومدنية تُنقل إلى مراكز تحليل مشتركة في الإمارات وإسرائيل، ما يمنح الطرفين سيطرة معلوماتية شبه كاملة على ما يجري في البحر الأحمر ومداخله.
وليس هذا التعاون محصورًا في الجانب التقني، بل يشكّل الركيزة الأساسية لمشروع أوسع يهدف إلى إعادة هندسة الأمن الإقليمي بما يخدم الترتيبات الجديدة التي فرضتها اتفاقيات التطبيع. فبينما تُعلن أبوظبي أنها تحمي الممرات البحرية من الإرهاب والقرصنة، تعمل في الواقع على تأمين الجبهة البحرية لإسرائيل وإعادة رسم حدود السيطرة في المنطقة على نحو يُقصي الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر من أي دور سيادي فعلي.
الولايات المتحدة تبارك هذا الدور ما دام يخدم استراتيجيتها الكبرى في احتواء الصين وروسيا وإيران وضمان أمن إسرائيل، وتحويل البحر الأحمر إلى ممر آمن للقوى الغربية. إنها شراكة غير متكافئة تقدّم فيها أبوظبي القواعد والمواقع مقابل الحماية السياسية، وتؤدي دور الوكيل الأمني الذي يحرس مصالح غيره بموارده وأمواله.
هكذا يصبح النظام جزءًا من منظومة أمنية غربية متقدمة، تؤدي فيها إسرائيل دور العقل، والولايات المتحدة دور الموجّه، وأبوظبي دور المنفّذ الذي يقدّم الأرض والتمويل والغطاء العربي.
هذا الارتباط الثلاثي لا يترك شكًا في أن مشروع نظام أبوظبي في البحر الأحمر ليس مشروعًا عربيًا، بل حلقة في مشروع إسرائيلي أمريكي أكبر يرسم خرائط السيطرة من الخليج إلى القرن الإفريقي. الهدف الحقيقي ليس التنمية ولا الأمن البحري، بل تطويق السودان ومصر والسعودية واليمن والقرن الإفريقي ضمن طوق مراقبة استخباراتي واحد يُدار من خارج المنطقة وتنفّذه أبوظبي من الداخل.
وهكذا، بينما يروّج النظام لنفسه كوسيط محايد وفاعل معتدل، يتحوّل فعليًا إلى الذراع التنفيذية للمشروع الإسرائيلي في البحر الأحمر، وإلى أداة لإعادة هندسة موازين القوة على حساب سيادة العرب والأفارقة. هذا ليس تعاونًا أمنيًا عابرًا، بل تحالف وجودي يُعيد تعريف معنى الاستعمار في القرن الحادي والعشرين، حيث تُستبدل الجيوش بالقواعد، والاستعمار بالاستثمار، والسيادة بالمراقبة الرقمية
٢. البحر الأحمر كجغرافيا استعمارية جديدة.
لم يعد البحر الأحمر ممرًا للتجارة فحسب، بل أصبح خريطة صراع استعمارية جديدة تُرسم فوق الماء وتُدار من وراء الشاشات. فبينما تتحدث القوى الدولية عن حرية الملاحة وأمن الممرات، يعمل نظام أبوظبي بصمت على تحويل هذا البحر إلى منطقة نفوذ خاصة، تُدار فيها المصالح بالوكالة وتُستغل فيها الجغرافيا لفرض واقع استراتيجي جديد.
تبدأ الحكاية بالاستثمار وتنتهي بالعسكرة. فالميناء يتحوّل إلى قاعدة، والمنطقة الحرة إلى ثكنة لوجستية، والسفن التجارية إلى أدوات مراقبة وتحكّم. بهذه البنية المزدوجة، نجح النظام في تحويل الموانئ من واجهات اقتصادية إلى مفاصل سلطة تتجاوز الحدود الوطنية.
كل قاعدة جديدة، وكل امتياز تجاري، وكل عقد تشغيل طويل الأمد، هو لبنة في هندسة استعمار اقتصادي أمني يجعل الممر البحري تحت إشراف شبكة صغيرة من النفوذ تخدم القوى الكبرى وتستفيد من ضعف الدول المحلية.
فالموانئ في اليمن الجنوبي، حيث يسيطر المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، إلى جانب بونتلاند وصوماليلاند، لم تعد تخضع لسلطات وطنية خالصة، بل تتقاسمها شركات إماراتية أو واجهات تجارية تابعة لها مثل موانئ دبي العالمية. تُدار هذه الموانئ عمليًا ضمن منظومة نفوذ موحّدة تمتد من عدن وبربرة وبوصاصو إلى سقطرى، حيث تحوّلت الجزيرة في السنوات الأخيرة إلى قاعدة عسكرية مغلقة ترفع عليها الأعلام الإماراتية بدل اليمنية، في مشهدٍ يلخّص طبيعة المشروع: احتلال ناعم يُمارس باسم الاستثمار وهيمنة ميدانية تُدار من خلف شعار التنمية.
أما في إريتريا، فقد أغلقت أبوظبي قواعدها في عَصَب عام ٢٠٢١ بعد انسحابها العسكري من اليمن، لكنها أبقت على وجودٍ لوجستي محدودٍ يُستخدم أحيانًا كمحطة للصيانة والدعم ضمن شبكة المراقبة البحرية المرتبطة بالتحالف الأمريكي الإسرائيلي في البحر الأحمر.
بهذا الشكل، تظل تلك المواقع الساحلية، رغم اختلاف مسمياتها الإدارية، جزءًا من خريطة نفوذ واحدة تُدار من أبوظبي عبر أدوات اقتصادية وأمنية متعددة الواجهات تخدم أهدافًا خارجية أكثر مما تخدم مصالح سكانها.
٣. الطبقات الثلاث للهيمنة
تقوم هذه المنظومة على ثلاث طبقات مترابطة:
١. الطبقة الأمنية: قواعد ورادارات تمتد من خليج عدن إلى البحر الأحمر، تديرها شركات أمنية ومشغّلون محليون تابعون للنظام لتأمين ما يسمّيه الخطوط الحيوية للتجارة، بينما هي عمليًا تحكم السيطرة على المنطقة لصالح قوى غير عربية.
٢. الطبقة الاقتصادية: عقود تشغيل وامتيازات ممنوحة لشركات مثل موانئ دبي العالمية، تربط الموانئ ببعضها في سلسلة إمداد واحدة، بحيث تُدار حركة البضائع والنفط والمعادن من الخليج إلى إفريقيا عبر منظومة واحدة من التخطيط والإدارة الإماراتية.
٣. الطبقة السياسية: وكلاء محليون من ميليشيات أو مجالس أو نخب اقتصادية يُمنحون حصصًا مالية مقابل الولاء لنظام أبو ظبي. هؤلاء يشكّلون الغطاء الداخلي لوجود خارجي غير معلن، فيصبح النفوذ واقعًا محليًا يصعب مقاومته دون أن يبدو كاحتلال مباشر.
بهذا البناء المتداخل، نجح نظام أبوظبي في صياغة نموذج جديد من الاستعمار بالاستثمار، حيث لا يحتاج المحتل إلى رفع علمه فوق الأرض، بل يكفي أن يرفع شعار التنمية على مدخل الميناء. وهكذا يتحوّل الميناء الحر إلى دولة داخل الدولة، لها أمنها وإدارتها واقتصادها الموازي.
ولأن الهدف الحقيقي ليس التنمية بل التحكّم في المنافسة الإقليمية، تعمل تلك الشركات على تعطيل الموانئ التي تديرها في الخارج بدل تطويرها، لضمان بقاء امتيازات موانئ الإمارات وجبل علي دون منافس. فعقود التشغيل الطويلة الأجل تُستخدم لتجميد المشاريع وإقصاء الكفاءات الوطنية ومنع تشغيل العمالة المحلية، بحيث تبقى تلك المرافئ رهينة الإرادة الإماراتية ومجرد ظلال لموانئها الداخلية.
وقد أدركت بعض الدول هذه اللعبة مبكرًا، كما حدث في جيبوتي عام ٢٠١٨ حين قرّرت الحكومة إنهاء عقد شركة موانئ دبي العالمية وطردها من ميناء دوراليه بعد اكتشاف أن الشركة تعمّدت تعطيل الميناء وإضعافه لضمان تفوّق جبل علي وموانئ الإمارات في حركة الشحن الإقليمي.
الأخطر أن هذا النموذج لا يكتفي بالبحر الأحمر كمنطقة نفوذ عربية، بل يطمح إلى جعله عقدة في نظام الملاحة العالمي الخاضع للغرب. فحين تسيطر أبوظبي على الموانئ العربية والإفريقية، تصبح الممرات البحرية من آسيا إلى أوروبا تحت إشرافها، وبالتالي تحت السيطرة الغربية المباشرة عبر التحالف الأمني الأمريكي الإسرائيلي الإماراتي.
٤. الاستعمار الحديث بثوبٍ معاصر
هذا المشروع يعيدنا إلى منطق الاستعمار الكلاسيكي ولكن بثوبٍ معاصر. إنّ ما يجري اليوم في البحر الأحمر يُعيد إلى الأذهان بدايات الاستعمار الأوروبي في القرن التاسع عشر، حين استخدمت بريطانيا وفرنسا الموانئ المحايدة كمراكز نفوذ قبل أن تتحول إلى احتلال مباشر. الفارق الوحيد أن نظام أبوظبي يمارس الاستعمار نفسه بأدواتٍ جديدة: شركات، وعقود، وأموال، وتقنيات مراقبة إسرائيلية.
في الماضي كانت الإمبراطوريات تحتل الأرض بالقوة، واليوم تحتلها عبر القروض والعقود، عن طريق قفازها المال القذر الذي يديره نظام أبوظبي. كانت المدافع هي الأداة، واليوم أصبحت العقود الاستثمارية والرادارات الوسيلة الجديدة لفرض السيطرة. إنه استعمار في ظاهره أبيض، لا يُراق فيه الدم على الشاطئ، لكنه يفتّت الدول ويُنزف فيه الاستقلال الوطني ببطء، من خلال تنازلات قانونية واقتصادية وأمنية تُقدَّم طوعًا باسم التنمية.
ومع كل توسّع جديد في شبكة الموانئ، تتّسع أيضًا هشاشة المشروع نفسه. فكل قاعدة تحتاج إلى حماية، وكل استثمار يحتاج إلى أمن سياسي، وكل شبكة ولاءات مؤقتة تحمل في داخلها احتمالات الانفجار. والتاريخ يعلّم أن من يحتكر البحر يخسره في النهاية، وأن الشعوب التي تُحاصر من الماء لا تموت، بل تنتفض.
وهكذا يصبح البحر الأحمر اليوم ساحة لاختبار السيادة. فإمّا أن تبقى دوله رهينة لمشروع أبوظبي وتحالفاته الغربية، وإمّا أن تستعيده كمجال عربي وإفريقي مشترك يُدار بإرادة وطنية حرة.
النتيجة المباشرة لهذه المنظومة هي خنق متدرّج للسيادة الاقتصادية. فعندما يتحكم فاعل خارجي في شريان التصدير والاستيراد، يمتلك القدرة على تحديد العوائد وفرض الشروط التي تمسّ القرار الوطني نفسه. تصبح الموانئ أدوات ضغط سياسي تُستخدم وقت الأزمات، ويغدو الاقتصاد رهينة علاقات لا تقوم على المصلحة الوطنية، بل على الولاء والاعتماد. وهكذا يتسلّل النفوذ الاقتصادي ليصبح غلافًا سياسيًا، تتراجع أمامه استقلالية القرار، ويُستبدل منطق الدولة بمنطق التبعية.
أما في السودان، فقد فشلت أبوظبي في ترسيخ موطئ قدم مماثل رغم محاولاتها المتكرّرة للسيطرة على ميناء بورتسودان أو الحصول على امتياز لميناء أبو عمامة الذي خُصِّص له مبلغ ٦ مليارات دولار قبل أن يُلغى المشروع بعد اندلاع الحرب وكشف دور نظام أبوظبي في تأجيجها. لذلك ظلّ الساحل السوداني خارج المنظومة الإماراتية المباشرة، وإن كان مستهدفًا باستمرار بوصفه الحلقة الشمالية التي تسعى أبوظبي إلى ربطها بشبكة نفوذها الممتدّة من القرن الإفريقي إلى البحر الأحمر.
وقد مثّل فشل هذا المشروع نقطة تحوّل دفعت أبوظبي إلى البحث عن بدائل غير اقتصادية للنفوذ داخل السودان، عبر شبكات التمويل والميليشيات والتحالفات غير الرسمية، في محاولة لتعويض خسارتها الاقتصادية بأدوات ميدانية تتيح لها الوصول إلى الموانئ بالقوة حين فشلت العقود.
٥. من البحر إلى الميناء: الطريق نحو الحلقة السودانية
السودان بالنسبة لنظام أبوظبي ليس مجرد منجم للذهب أو مورد للمعادن، بل هو ضمانة الأمن الغذائي التي تراهن عليها الإمارة. فقد صرّح حاكم نظام أبوظبي بأن الإمارات قد تواجه أزمة أمن غذائي بحلول عام ٢٠٥٠ إذا لم تُؤمَّن السلاسل الزراعية مبكرًا، وهنا يكتسب السودان أهمية استراتيجية خاصة. فالأراضي الزراعية الخصبة، وفائض الثروة الحيوانية، والمخزون المائي الهائل، خصوصًا في دارفور التي تُعد من أعلى المناطق احتياطيًا مائيًا في العالم، إضافة إلى المعادن النادرة المنتشرة في الأرض وعلى امتداد الساحل، تجعل من السودان هدفًا ذا بعد اقتصادي واستراتيجي مركب.
والجدير بالذكر أن احتياطات مصرف الإمارات المركزي من الذهب ارتفعت بنسبة تقارب ٣٢٪ خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام ٢٠٢٥، وقد جاءت هذه الزيادة إلى حد كبير بفضل الذهب السوداني الذي تُهرّبه ميليشيا الدعم السريع إلى أبوظبي، في واحدة من أكبر عمليات النهب الممنهجة التي تُغذّي الحرب وتُموّلها.
لكن السودان بالنسبة لنظام أبوظبي لا يُختزل في الثروات الطبيعية، بل يتجاوزها إلى موقعه الجغرافي الذي يربط العالم العربي، والخليج بأفريقيا، ويشكّل امتدادًا استراتيجيًا للمشروع الصهيوني في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. هذا المشروع يخشى من قدرة السودان وموارده على تغيير موازين القوى في المنطقة، ويعمل منذ عقود على تفتيته وإضعافه لضمان ألا يتحوّل إلى قوة عربية وإفريقية مستقلة.
أما الإمارات فهي ليست سوى الخادم المطيع والأداة المنفذة ضمن هذا المخطط، تُستخدم كقفاز قذر يخفي المشروع الصهيوني الأكبر الذي يهدف إلى تضييق الخناق على القرن الإفريقي واليمن ومصر والمملكة العربية السعودية، ومحاصرة السودان وإخراجه من معادلة القوة في البحر الأحمر وأفريقيا. وهكذا يصبح السودان، بثرواته وموقعه، عقدة المواجهة بين مشروع الهيمنة ومشروع التحرر العربي الإفريقي.
من هنا، تصبح السيطرة على الساحل والموانئ والموارد جزءًا من معركةٍ أوسع تُدار بأدواتٍ اقتصاديةٍ وأمنيةٍ وسياسيةٍ متشابكة، ظاهرها التنمية وباطنها الوصاية. وهكذا تبدأ معركة السودان، الحلقة الشمالية في سلسلة السيطرة، حيث ينتقل المشروع من الاستثمار إلى الاختراق، ومن العقود إلى السلاح.
وبعد هذه المقارنات، يتضح أن البحر الأحمر لم يعد ممرًا تجاريًا محايدًا، بل تحوّل إلى ميدانٍ للهيمنة الحديثة، يؤدي. فيه نظام.أبوظبي دور الوسيط الظاهر والوكيل الخفي في مشروعٍ أمنيٍ واقتصاديٍ يعيد رسم خرائط النفوذ على حساب السيادة العربية والإفريقية. ومن هنا يصبح السودان ليس استثناءً، بل ذروة تطبيق هذا النموذج في شبكة البحر الأحمر.
في الجزء الرابع والأخير «السودان :الحلقة الشمالية في سلسلة السيطرة على الموانئ» سنفكّك محاولة نقل هذا النموذج إلى شواطئ السودان من الاستثمار إلى الاختراق، ومن العقود إلى السلاح، لتسليط الضوء على جوهر الصراع بين الوصاية والسيادة وسبل المواجهة العملية.
يمكنك الاطلاع على:
الجزء الأول «الهندسة الخفية لنفوذ نظام أبوظبي: من الاستثمارات إلى الاستخبارات»
الجزء الثاني «الهيمنة بالوكالة من الاستثمار إلى الاحتلال الناعم»
عن الكاتبة
صباح المكّي كاتبة سودانية وتشغل منصب نائب رئيس التحرير في براون لاند تتناول أعمالها قضايا الجيوسياسة والعنف السياسي والقانون الدولي والمقاومة الثقافية والوعي الاجتماعي، من منظور يرتكز على الحقائق المتغيرة في السودان.
تسعى صباح إلى كسر الروايات السائدة عبر إعادة تموضع صوت المواطن السوداني ـ داخل الوطن وفي المهجر ـ ذلك الصوت الذي يُستبعد غالباً من الخطاب العالمي. وتطرح كتاباتها أسئلة جريئة حول معنى الحرب والسلام والعدالة، مؤكّدة أن التغيير الحقيقي يبدأ من هدم البُنى الاستعمارية المتجذّرة.
تنظر صباح إلى الصحافة كفعل مقاومة ثقافية وفكرية وفلسفية، تواجه من خلاله البُنى التي تغذّي الصراع وتصادر الأصوات. تكتب من قلب العاصفة.
حصرياً في براون لاند –عربي.
حيث السيادة ليست محل مساومة، والحقيقة عصيّة على التزييف.
أرضنا. صوتنا. أخبارنا.



