
موانئ تحت المراقبة: استراتيجية أبوظبي لإعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي (٢)
في الجزء الثاني من السلسلة، يرصد التحليل كيف تحوّل الحضور الاقتصادي لأبوظبي إلى آليةٍ للهيمنة بالوكالة. من ليبيا إلى اليمن والصومال، وخلف واجهة الاستثمار، أتقنت أبوظبي فنّ الحرب بالوكالة؛ فموّلت الميليشيات، وأعادت هندسة الموانئ، وحوّلت الاستثمارات إلى نفوذٍ عسكري، والشراكات إلى وكلاءٍ محليين في مشروعٍ استعماريٍ جديد يُدار من وراء الستار، وحوّلت الحلفاء إلى منفّذين لاحتلالٍ صامت.
الجزء الثاني: الهيمنة بالوكالة من الاستثمار إلى الاحتلال الناعم
بقلم صباح المكي

تمهيد
يستكمل هذا الجزء تحليل منظومة النفوذ الإماراتي الذي بدأناه في الجزء الأول «الهندسة الخفية للنفوذ: من الاستثمارات إلى الاستخبارات»، حيث رُسمت خريطة البنية التي أقامها نظام أبوظبي حول الموانئ والممرات التجارية. الاحتلال لم يمت، بل تغيّر شكله من الاستعمار العلني إلى احتلال ناعم بالمال والوكلاء. ننتقل من هندسة النفوذ إلى تطبيقها العملي: كيف تحوّل الاستثمار إلى أداة اختراق، وكيف صار الشريك الاقتصادي وكيلًا محليًا للاحتلال الناعم الذي يُدار من وراء الستار. ما جرى في ليبيا واليمن والصومال وما يجري في السودان ليس حالات منفصلة، بل تجسيد لسياسة واحدة قائمة على السيطرة بالوكالة، واستغلال المال لتأسيس ميليشيات ووكلاء محليين وإدامة الفوضى التي تمنع استعادة الاستقرار. ولتفكيك هذا الإطار، نعرض نماذج ميدانية تُظهر كيف يكرّر النظام السيناريو ذاته خطوةً بخطوة.
الهيمنة بالوكالة من الاستثمار إلى الاحتلال الناعم
نظام أبوظبي لا يغزو الأراضي بالجيوش، بل يتسلّل إليها بالمال والوكلاء. لا يرفع أعلامه فوق الأسوار، بل يزرع وكلاء محليين يدينون له بالولاء، يتحدثون لغات شعوبهم وينفّذون أوامره بوعيٍ أو من دون وعي. إنها الصيغة الحديثة للاحتلال، حيث تُدار المصالح من بعيد وتُدفع كلفة الصدام بدماء الآخرين.
في ليبيا تجلّى هذا الأسلوب بوضوح منذ عام 2014، حين موّل النظام فصائل مسلحة وقاد عمليات تسليحٍ وإرسال مرتزقة دعمت قوى محلية ضد بناء دولةٍ مدنية. تحوّل الدعم إلى وسيلةٍ لتقسيم البلاد إلى كانتوناتٍ تظلّ رهينةً للوكلاء، وهو السيناريو ذاته الذي ستطبّقه أبوظبي لاحقًا في ساحات أخرى.
في اليمن ظهر النموذج ذاته بوضوح، حيث دعم النظام المجلس الانتقالي الجنوبي حتى تحوّل إلى سلطةٍ موازية تتقاسم الدولة وتتحكم بالموانئ، وعلى رأسها عدن وسقطرى. الميليشيات التي درّبها ومولّها النظام ترفع شعار “الاستقلال”، لكنها عمليًا تحمي مصالحه التجارية والعسكرية. هذه المناطق لا تُدار من صنعاء أو عدن الرسمية، بل من غرف عملياتٍ خارجية تنسق الأمن والملاحة والتجارة.
وفي الصومال أعاد النظام استخدام الأسلوب نفسه بوجوهٍ محلية، إذ دعم سلطات بونتلاند وصوماليلاند ليحكم قبضته على موانئ بوصاصو وبربرة بمعزل عن الحكومة المركزية في مقديشو. صفقاتٌ غير شفافة منحت شركاتٍ مرتبطةً بأبوظبي امتيازاتٍ طويلة الأمد تحت عنوان “تطوير الموانئ”، لكنها عمليًا وفّرت مواقع عسكرية ورادارية متقدمة.
أما في السودان، فقد حاول النظام تكرار السيناريو نفسه عبر ميليشيات الدعم السريع وشبكات رجال الأعمال ووكلاء سياسيين محليين. النفوذ هنا لا يقتضي وجودًا عسكريًا معلنًا بقدر ما يتطلب دعمًا ماليًا يحوّل الطرف المحلي إلى تابعٍ اقتصادي ولوجستي. وحين تسيطر هذه القوى على طرق النقل ومناطق إنتاج الذهب وموارد أخرى، يتحول نظام أبوظبي إلى الشريك غير المرئي في إدارة الميدان، محتفظًا بقدرة مستمرة على الضغط والتحكّم متى شاء.
هذا النموذج من الاحتلال بالوكالة أخطر من الاحتلال الكلاسيكي، لأنه لا يثير مقاومةً وطنيةً صريحة. إنه احتلالٌ ناعم يزرع نفوذه في المؤسسات المحلية، يموّل الفصائل ويحتكر المساعدات، ثم يقدم نفسه وسيطًا للسلام بين ضحاياه. يموّل الحرب ويدّعي الوساطة، يخلق الأزمة ويقدّم نفسه منقذًا منها، ويصوغ خطابًا إنسانيًا بينما يبني بنية تسلّطية تستمد قوتها من ضعف الآخرين. بهذه الطريقة لم تعد الإمارات سوى واجهةٍ للهيمنة الجديدة؛ فهي ليست قوةً عظمى، ولا تمتلك الثقل الديموغرافي أو التاريخي الذي يؤهلها لقيادة مشروعٍ إقليميٍّ مستقل، بل أصبحت مخلبًا يعمل لحساب المحاور الغربية. إنها في الواقع وكيلٌ نفوذيٌّ يؤدي دور “العامل الوظيفي” الذي ينسّق مصالح القوى الحقيقية، ووجهٌ إقليميٍّ لمشروعٍ استعماريٍّ جديد تُديره أجنداتٌ خارجية.
ليبيا: المسرح التجريبي للهيمنة الإماراتية
نظام أبوظبي لا يبتكر، بل يعيد تدوير أدواته. ما فعله في ليبيا منذ عام 2014 هو ذاته ما يفعله اليوم في السودان واليمن والقرن الإفريقي، مع اختلاف المسرح فقط.
الأسلوب واحد: تمويل الحرب، دعم الميليشيات، عسكرة الاقتصاد، ثم التدخل بصفة الوسيط المحايد.
في ليبيا، بدأ المشهد بذريعة “محاربة الإرهاب”، لكن سرعان ما تبيّن أن الهدف الحقيقي كان تمكين فصيلٍ عسكريٍ واحد وتدمير أي محاولةٍ لبناء دولةٍ مدنية. موّل نظام أبوظبي قوات اللواء خليفة حفتر بالمال والسلاح، واستقدم المرتزقة، وأقام جسور تسليحٍ غير قانونية خرقت قرارات مجلس الأمن، فتحوّل الدعم إلى واحدةٍ من أطول الحروب الأهلية في شمال إفريقيا. دُمّرت مؤسسات الدولة، وقُسّمت الأراضي إلى كانتوناتٍ متناحرة، وارتُكبت جرائم حربٍ موثّقة تحت رعايةٍ ماليةٍ إماراتيةٍ مباشرة. ولم يكن ذلك حدثًا معزولًا، بل نموذج عملٍ إماراتيٍ متكامل يقوم على صناعة سرديةٍ إنسانيةٍ أو أمنيةٍ تبرّر التدخل الخارجي تحت راية “مكافحة الإرهاب” أو “إعادة الاستقرار”، ثم يُستخدم المال والنفوذ لشراء الولاءات الداخلية، وتغذية الصراعات، وضمان ألا تقوم مؤسسات الدولة مجددًا. فالغاية لم تكن تحقيق النصر في الحرب، بل إدامتها، لأنها وحدها تبرّر الوجود الخارجي وتحوّله إلى أمرٍ واقع.
اليوم، يعيد النظام المشهد ذاته في السودان بحذافيره: دعم ميليشيا الدعم السريع التي ارتكبت فظائع ضد المدنيين، ووفّر لها التمويل عبر شبكات ذهبٍ وغسل أموالٍ معقّدة تمتد من الخرطوم إلى دبي.
المنطق نفسه يتكرّر: إضعاف الدولة المركزية، تحويل الجيش إلى خصمٍ لا شريك، وخلق سلطةٍ موازيةٍ تمتلك المال والسلاح والإعلام. ثم، بعد أن تُدمَّر مؤسسات الدولة، يتقدّم النظام كـ«وسيطٍ نزيه» يتحدث عن «السلام» و«العملية السياسية»، في تكرارٍ ساخرٍ للسيناريو الليبي ذاته.
في ليبيا كما في السودان، يتصرّف النظام كقوة وصايةٍ لا كشريكٍ عربي؛ لا يقدّم الحلول، بل يُعطّلها ليبقى الطرف الوحيد الذي يملك “المفتاح”.ومن خلال وكلائه المحليين وشركاته الأمنية الخاصة، يدير الحرب عن بُعد، فيما تُدار المفاوضات عبر واجهاتٍ دبلوماسيةٍ مصطنعة.
في كل مرة، يروّج النظام للرواية ذاتها: محاربة التطرف، حماية المدنيين، إعادة الاستقرار.
لكن النتائج تكشف العكس: دمار الدول، تقسيم الجيوش، تشريد الشعوب، وخلق نخبٍ تابعةٍ تنفّذ ما يُملى عليها من العواصم المموّلة.
وهكذا تحوّل النموذج الليبي إلى صناعةٍ إماراتيةٍ متقنة:
- تبدأ بالتضليل الإعلامي،
- تمرّ بالتسليح غير الشرعي،
- وتنتهي بالوصاية السياسية على بلدٍ منكوب.
ولأن التجربة نجحت في ليبيا دون عقابٍ دوليٍ أو مساءلةٍ قانونية، أصبح تصديرها إلى اليمن ثم السودان عملية سهلة؛ فلا خطوط حمراء، ولا محاسبة، ولا كوابح أخلاقية. فما دام المال يتدفّق، والسلاح يصل، والمجتمع الدولي صامت، يستطيع النظام أن يكرّر التجربة دولةً تلو الأخرى، وأن يحوّل العالم العربي إلى سلسلةٍ من الدول الممزّقة الخاضعة للوصاية.
بهذه السياسة، لا يسعى نظام أبوظبي إلى توسيع نفوذه فحسب، بل إلى إعادة تعريف الدولة العربية نفسها:
من كيانٍ سياديٍّ مستقلٍّ إلى ساحةٍ مفتوحةٍ للتجريب الجيوسياسي،ومن شريكٍ في النظام الإقليمي إلى تابعٍ ضمن مشروع السيطرة الجديد الذي تقوده أبوظبي لحساب واشنطن وتل أبيب.
من ليبيا كنقطة الانطلاق، يتّسع النموذج في اليمن حيث تتحول الحرب ذاتها إلى هيكل وصايةٍ دائم.
اليمن: من حرب التحالف إلى دولة الوصاية
ما فعله نظام أبوظبي في ليبيا كان تمهيدًا لما نفّذه في اليمن على نطاقٍ أوسع وأكثر وضوحًا. فباسم “التحالف العربي” دخل الحرب بذريعة دعم الشرعية، لكنه حوّلها إلى ساحة نفوذٍ مزدوجة: من جهةٍ محتلٍّ بغطاءٍ عربي، ومن جهةٍ مشغّلٍ لوكلاء محليين يخوضون حروبه بالنيابة عنه.
منذ عام 2015 ركّز وجوده في جنوب اليمن، فأنشأ قواعد عسكرية وسجونًا سرّية وشبكات أمنية خارج سلطة الدولة في عدن وسقطرى وبلحاف والمكلا، ونقل إليها قواتٍ ومعداتٍ ثقيلة دون علم الحكومة اليمنية، وأحكم سيطرته على الموانئ الحيوية، خصوصًا ميناء عدن الذي أُعيدت هندسته ليتبع مباشرةً لمصالحه التجارية والأمنية.
في الوقت نفسه، دعم النظام المجلس الانتقالي الجنوبي ليكون ذراعه السياسية والعسكرية، زوّده بالسلاح والمال والتدريب، وفتح له قنوات اتصالٍ مع القوى الدولية، حتى تحوّل إلى كيانٍ موازٍ للدولة اليمنية، له جيشه وإعلامه وعلاقاته الخاصة. أنشأ شبكة نفوذٍ من النخب الاقتصادية والميليشيات المحلية، فأصبحت عدن وسقطرى خاضعتين فعليًا لإدارته بينما أُقصيت الحكومة الشرعية إلى الهامش.
لم يكن الهدف تحرير اليمن من الحوثيين، بل تفكيكها إلى كيانين، وإقامة منطقة نفوذٍ دائمةٍ تمتد من عدن إلى سقطرى، تتبع اقتصاديًا وأمنيًا للنظام. جزيرة سقطرى نفسها تحوّلت إلى نموذجٍ مصغّرٍ للاحتلال الناعم؛ نُصبت فيها رادارات إسرائيلية متطورة ومنشآت لوجستية ومهابط طائرات مموّهة كمرافق سياحية، ورُفعت أعلام النظام بدل العلم اليمني، فيما حُرم السكان من دخول مناطق أُعلنت “مناطق عسكرية”.
وهكذا تحوّلت الجزر اليمنية إلى قاعدة مراقبةٍ إسرائيلية إماراتية وبوابةٍ لمراقبة باب المندب وخليج عدن، الشريان الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي. والمفارقة أن النظام الذي دخل الحرب تحت شعار “دعم الشرعية” هو من أنهى شرعية الدولة نفسها؛ فقد قسّم جيشها، وأنشأ الميليشيات، وأعاد صياغة التحالف العسكري ليصبح أداةً لحماية مصالحه الخاصة، فارضًا وصايته على القرار السياسي من خلال السيطرة على موارد الموانئ والمطارات والمنافذ.
حتى بعد إعلانه الانسحاب الشكلي، تركت أبوظبي وراءها قواتٍ محليةً ومستشارين عسكريين يديرون المشهد فعليًا من القواعد في عدن والمخا وسقطرى. بذلك أصبح النموذج اليمني النسخة الكاملة من مشروع السيطرة بالوكالة، فقد جمع كل عناصر المخطط: عسكرة الموانئ، تكوين الميليشيات، تقسيم الجغرافيا، ربط الاقتصاد بالمصالح الخارجية، ثم تقديم النفس كوسيطٍ في نزاعاتٍ هو من صنعها.
وفي هذا النموذج تحوّل مفهوم “التحالف العربي” إلى تحالفٍ وظيفيٍ يخدم نظامًا صغيرًا يسعى إلى دورٍ يفوق حجمه، مستخدمًا شعار “الشرعية” واجهةً لتقويض الدولة التي يزعم الدفاع عنها. إن ما جرى في اليمن يشرح بدقةٍ ما يحدث في السودان اليوم؛ فالآلية واحدة، والخطاب واحد، والمآل واحد: تدمير الدولة ثم إعلان الوساطة.
ومع ترسيخ الوصاية في اليمن، ينتقل النموذج غربًا عبر البحر نحو القرن الإفريقي بأدواتٍ “تنموية” تُترجم أمنيًا. وفي كل ساحةٍ جديدة، ينسخ النظام نفسه ويمدّ نفوذه بقدر ما يضعف خصومه أو يغرقون في الفوضى التي صنعها هو.
الصومال: الحلقة الخفية في شبكة الهيمنة البحرية
قبل الحديث عن النموذج الصومالي، لا بد من توضيح التركيبة السياسية للبلاد.
يُعدّ إقليم بونتلاند كيانًا فيدراليًا شبه مستقل داخل جمهورية الصومال الفيدرالية، عاصمته جروي، ويضم ميناء بوصاصو الاستراتيجي الواقع على الساحل الشمالي الشرقي المطل على خليج عدن. ورغم اعترافه الشكلي بسلطة الحكومة الفيدرالية في مقديشو، فإن الإقليم يتمتّع بدرجة واسعة من الحكم الذاتي ويبرم اتفاقياتٍ سياسية واقتصادية مستقلة مع أطرافٍ خارجية، من بينها الإمارات العربية المتحدة. ويرأس الإقليم حاليًا سعيد عبدالله دني، أحد أبرز حلفاء أبوظبي في منطقة القرن الإفريقي.
أما أرض الصومال (صوماليلاند) الواقعة في الشمال الغربي، فعاصمتها هرجيسا وتضم ميناء بربرة المطل على الساحل الجنوبي لخليج عدن. وقد أعلنت انفصالها عن الصومال عام 1991 وتُدار اليوم بحكومة مستقلة برئاسة عبدالرحمن محمد عبدالله “إررو”، لكنها لا تزال غير معترف بها دوليًا.
أما جمهورية الصومال الفيدرالية نفسها فعاصمتها مقديشو، ويقودها الرئيس حسن شيخ محمود منذ عام 2022، وهي السلطة الصومالية الوحيدة المعترف بها دوليًا. هذا التباين بين الحكومة المركزية والأقاليم شبه المستقلة أتاح للإمارات توسيع نفوذها عبر موانئ بوصاصو وبربرة، متجاوزةً سلطة الدولة المركزية في مقديشو.
في الصومال، يجري استنساخ المنطق ذاته بوجوهٍ محليةٍ مختلفة، حيث تتخفّى أدوات النظام الإماراتي تحت عناوين “التنمية” و”الاستثمار”، بينما تُدار في حقيقتها كمشروعات نفوذٍ أمنيٍ متكامل. منذ عام 2016، بدأ نظام أبوظبي بترسيخ نفوذه في القرن الإفريقي عبر دعم سلطاتٍ إقليميةٍ شبه مستقلة مثل بونتلاند وصوماليلاند، متجاوزًا الحكومة المركزية في مقديشو. وتعتمد هذه السياسة على مبدأ التحالف مع الأطراف بدل الدول، لتقويض سلطة المركز وإحلال شبكة ولاءاتٍ محليةٍ تابعةٍ له.
من خلال شركة موانئ دبي العالمية، حصل النظام على عقود تشغيلٍ طويلة الأمد في موانئ بوصاصو وبربرة، قُدّمت في الإعلام على أنها مشاريع تطويرٍ تجاري، لكنها تحوّلت تدريجيًا إلى منصّاتٍ عسكريةٍ واستخباراتية.
في بربرة، أُنشئت منشآتٌ أمنيةٌ وأنظمة مراقبةٍ بحريةٍ متقدمة، تشمل راداراتٍ وساحات تخزينٍ للمعدات، إلى جانب تدريب وحداتٍ من الشرطة والبحرية المحلية بإشرافٍ إماراتيٍ مباشر. أصبح الميناء يُدار فعليًا ضمن شبكة السيطرة التي تربط باب المندب بخليج عدن، وتخدم في الوقت نفسه مصالح أبوظبي الاقتصادية والأمنية.
أما في بوصاصو، فقد تحوّل الوجود الإماراتي إلى ذراعٍ أمنيةٍ موازية عبر قوة الشرطة البحرية في بونتلاند، وهي وحدة تمويلها وتسليحها وتدريبها إماراتي بالكامل، وتخضع لتوجيهاتٍ مباشرةٍ من ضباطٍ إماراتيين. ورغم أن شعارها المعلن هو “مكافحة القرصنة”، فإنها عمليًا تحرس المصالح التجارية واللوجستية للنظام، وتؤمّن الممرات البحرية التي تربط الموانئ الصومالية بالساحل اليمني وسقطرى، لتصبح جزءًا من المنظومة الأمنية نفسها التي تديرها أبوظبي عبر البحر العربي. كما شملت أنشطة هذا الوجود عملياتٍ سرّية وقنواتٍ مموّهة لتمرير الأسلحة والمرتزقة إلى جهاتٍ مسلّحة، من بينها شبكات إمدادٍ تُستخدم لنقل العتاد والمقاتلين إلى مسارح أخرى مثل السودان، ما يربط بين النفوذ الميداني والخطوط اللوجستية السرّية.
الوثائق الحكومية الصومالية أظهرت مرارًا تذمّرًا من تجاوز هذه القوات للسلطة المركزية ومن إبرام اتفاقاتٍ أمنيةٍ دون علم مقديشو. ومع مرور الوقت، أصبحت الإمارات طرفًا سياسيًا مؤثرًا في الساحة الصومالية، تموّل الانتخابات الإقليمية وتدعم نخبًا مواليةً لها في مواجهة الحكومة الفدرالية، ما حوّلها من “مستثمرٍ” إلى فاعلٍ سياسيٍ مباشر في توازنات السلطة الداخلية.
بهذا الشكل، تحوّل النفوذ الإماراتي في بونتلاند وصوماليلاند إلى نموذجٍ مصغّرٍ للهيمنة بالوكالة داخل الصومال:
• تُدار موانئهما عبر شركاتٍ إماراتيةٍ بشروطٍ طويلة الأمد.
• تُموَّل أجهزتهما الأمنية المحلية خارج سلطة الدولة.
• وتُستخدم أراضيهما كنقطة وصلٍ في شبكة الرادارات التي تمتد من سقطرى إلى بربرة فباب المندب.
النتيجة أن الحكومة المركزية فقدت السيطرة على أهم منافذها البحرية، بينما كسب نظام أبوظبي أداةً جديدةً لمراقبة البحر العربي وخطوط التجارة إلى المحيط الهندي. وبذلك أصبحت الأقاليم الصومالية شبه المستقلة حلقةً حيويةً في المشروع الإماراتي للهيمنة البحرية، ونموذجًا آخر يؤكد أن ما يُسمّى “الاستثمار في الموانئ” ليس سوى غطاءٍ لتوسّعٍ أمنيٍ مموّهٍ يُعيد رسم السيادة على شواطئ المنطقة.
عند هذه النقطة تصبح الحاجة إلى شرح منظومة التمكين ضرورية: من الذي يربط هذه العقد كلها ويمدّها بالتقنية والغطاء السياسي؟
الموانئ
ما تقدّم ليس مجرد عرض لحالات منفصلة في ليبيا واليمن والصومال، بل هو خارطة واحدة لمشروع متكامل للهيمنة بالوكالة. يتحرّك نظام أبوظبي على رقعة واسعة من العالم العربي والإفريقي بالأدوات ذاتها: المال والوكلاء والعقود والمساعدات المسمومة.
في كل مرة يتبدّل المسمّى، سواء كان استثمارًا أو تحالفًا أو تنمية أو مكافحة إرهاب، يبقى الجوهر واحدًا: نزع السيادة وتحويل الدول إلى ساحات نفوذ اقتصادية وأمنية تابعة.
لقد أظهرت التجارب أن هذا المشروع لا يكتفي بتقويض الدولة من داخلها، بل ينسج شبكة من الولاءات تمتد من الموانئ إلى الجيوش، ومن الشركات إلى الإعلام، لتصبح السيطرة ناعمة وشاملة ومستمرة.
الجغرافيا الجديدة للهيمنة
نحن أمام استعمار جديد لا يرفع العلم بنفسه ولا يطلق النار بنفسه، بل يوظّف المرتزقة والميليشيات ليصنع الحروب ويُنفِّذها بالنيابة عنه، ويعيد رسم الجغرافيا بالمال والمعلومات والاختراق الاقتصادي.
ما رأيناه في ليبيا واليمن والصومال ليس سوى الواجهة الأولى لهذا الامتداد الاستعماري، فخلفها تكمن البنية الأمنية والاستخباراتية التي تربط هذه الساحات في منظومة واحدة تمتد على طول البحر الأحمر.
حين يكتمل الطوق: البحر الأحمر كحدود جديدة للاستعمار الصامت
هناك، في الممر المائي الأهم في العالم، تتجلّى المرحلة الأخطر من المشروع: تحويل البحر نفسه إلى حدود جديدة للهيمنة الدولية، وجعل السودان الحلقة الشمالية في سلسلة السيطرة.
في الجزء التالي سننتقل من تتبّع النماذج الميدانية إلى تفكيك هذه الجغرافيا الاستعمارية الجديدة، من التحالف الأمني الثلاثي إلى البحر الأحمر، ومن الموانئ إلى الخرطوم، حيث تكتمل الصورة وتنكشف معالم مشروع لم يعد عربيًا في جوهره، بل شبكة نفوذ عابرة للسيادة والحدود.
يمكنك الاطلاع على:
الجزء الأول «الهندسة الخفية لنفوذ نظام أبوظبي: من الاستثمارات إلى الاستخبارات»
الجزء الثالث: «البحر الأحمر كجغرافيا استعمارية جديدة»
عن الكاتبة
صباح المكّي كاتبة سودانية وتشغل منصب نائب رئيس التحرير في براون لاند . تتناول أعمالها قضايا الجيوسياسة والعنف السياسي والقانون الدولي والمقاومة الثقافية والوعي الاجتماعي، من منظور يرتكز على الحقائق المتغيرة في السودان.
تسعى صباح إلى كسر الروايات السائدة عبر إعادة تموضع صوت المواطن السوداني ـ داخل الوطن وفي المهجر ـ ذلك الصوت الذي يُستبعد غالباً من الخطاب العالمي. وتطرح كتاباتها أسئلة جريئة حول معنى الحرب والسلام والعدالة، مؤكّدة أن التغيير الحقيقي يبدأ من هدم البُنى الاستعمارية المتجذّرة.
تنظر صباح إلى الصحافة كفعل مقاومة ثقافية وفكرية وفلسفية، تواجه من خلاله البُنى التي تغذّي الصراع وتصادر الأصوات. تكتب من قلب العاصفة.
حصرياً في براون لاند –عربي
حيث السيادة ليست محل مساومة، والحقيقة عصيّة على التزييف.
أرضنا. صوتنا. أخبارنا.



